هوليود تنشر الإسلاموفوبيا وتبرر العدوان الأميركي على المسلمين

من الفيلم الأميركي قواعد الإرهاب (Rules of Engagement)‏
من الفيلم الأميركي قواعد الإرهاب للمخرج الأمريكي وليام قريدكين (مواقع التواصل الاجتماعي)

دور هوليود في نشر الإسلاموفوبيا يحتاج إلى دراسات متعمقة توضح الأساليب التي تستخدمها المخابرات الأميركية في التلاعب بالرأي العام، والتأثير على اتجاهاته.

ومن أهم الأفلام التي توضح هذه الحقيقة فيلم "قواعد الاشتباك" الذي تم إنتاجه عام 2000، حيث يمثّل نموذجا للأفلام التي تشكل صورة نمطية سلبية للمسلمين وتبرر العدوان الأميركي عليهم.

وقد تم تصوير هذا الفيلم في اليمن، وتبدأ قصته أمام السفارة الأميركية في صنعاء؛ حيث يلقي شخص عربي بيانا يتضمن إعلان العداء للأميركيين، ويكون هذا البيان بداية لانطلاق المظاهرات نحو السفارة الأميركية، ويلقي المتظاهرون القنابل والزجاجات الحارقة والحجارة عليها.

الهدف إنقاذ السفير

وتتصاعد الأحداث، فيطلق قناص يمني الرصاص على السفارة، فلا يكون أمام الأميركيين سوى إرسال قوة من المارينز لإنقاذ السفير الأميركي وأسرته، وفي عملية الإنقاذ يتم قتل 3 من المارينز.

لذلك يصدر العقيد تشيلدرز أوامره لقواته بإطلاق النار على المتظاهرين؛ مما أدى إلى قتل 83 يمنيا، وإصابة آخرين.

ويمضي تشيلدرز في كسر قواعد الاشتباك التي يلتزم بها الأسطول الأميركي بشكل غير قانوني؛ مما أدى إلى مصرع يمنيين أبرياء بينهم عدد من الأطفال.

تبرير القتل

لذلك يتم تعيين المحامي هايز هودجز للتحقيق في القضية، لاكتشاف هل هناك مؤامرة تستهدف القيام بعمل إرهابي ضد المواطنين الأميركيين أو لا.

وفي المشهد الأخير يكتشف أن هناك مؤامرة بالفعل، حيث تشير مجموعة من اليمنيين -بينهم امرأة ترتدي ثوبا أسود وتمسك بندقية في يدها- إلى تشيلدرز وفريقه، بينما تتقدم فتاة صغيرة تمشي على رجل واحدة وتحمل بندقية، وتبدأ بإطلاق الرصاص.

من الواضح أن الرسالة التي يريد الفيلم أن يقنع الجمهور بها هي أن من حق تشيلدرز (القائد الأميركي الحكيم) أن يصدر أوامره دائما بإطلاق النار ضد كل من يرتكب أعمال العنف، فهو يقوم بواجب وطني حتى لو أدى ذلك إلى قتل الأطفال، فحياة الأميركيين هي الأهم، ولا يمكن مقارنة حياة الأميركي بغيره من الشعوب، وهذه أول قاعدة من قواعد الاشتباك.

لا تتعاطف مع العرب

لذلك فإن المُشاهد الذي يعتقد بالبداية أن إطلاق الرصاص على اليمنيين كان خطأ؛ يتم دفعه في النهاية ليعتقد أن قتل العرب ضروري ومبرر، بما في ذلك قتل الأطفال، وأن الـ83 يمنيا يستحقون الموت؛ فهم يدربون الأطفال لإطلاق النار على الأميركيين، وأن قيام تشيلدرز بإطلاق الرصاص عليهم كان دفاعا عن النفس.

يستخدم الفيلم تقنيات السينما الأميركية الحديثة (فلاش باك)، حيث يتم الإشارة إلى مهمة الأسطول الأميركي في فيتنام عام 1968، فيتذكر هايز هودجز الجيش الفيتنامي عندما هاجم قواته وكيف أن قرار تشيلدرز الحكيم بإطلاق الرصاص على قائد الجيش الفيتنامي ساهم في إنقاذ قواته، وإنقاذ حياة كل الأميركيين في فيتنام.

الأميركي بطل في كل المشاهد

ولكن ما فائدة هذه الإشارة في فيلم يدور في اليمن ويبرر قتل العرب "الذين يتآمرون" على الجيش الأميركي؟ إن الشعب الأميركي يعاني من عقدة فيتنام ويشعر بالعار من المذابح التي ارتكبها الجيش الأميركي ضد الفيتناميين، لذلك فإن الفيلم يحاول تبرئة الجيش الأميركي وتصوير تشيلدرز بأنه بطل حكيم طوال حياته حتى في فيتنام، وأنه يصدر أوامره بإطلاق الرصاص على اليمنيين والفيتناميين دفاعا عن النفس، وهذا دليل على أن تشيلدرز يمتلك القدرة على إصدار قرارات صحيحة تستحق التكريم لإنقاذ حياة الأميركيين.

لذلك يتوازى مشهد إطلاق النار على الفيتناميين مع مشهد إطلاق النار على اليمنيين ليدفع المشاهدين إلى الاعتقاد بأن الجيش الأميركي عندما يطلق النار فإنه يواجه العنف والإرهاب المحتمل، ويقوم بواجب وطني ضروري.

القيام بالواجب حتى لو أدى إلى قتل الأطفال

من الواضح أن الرسالة التي يريد الفيلم أن يقنع الجمهور بها هي أن من حق تشيلدرز (القائد الأميركي الحكيم) أن يصدر أوامره دائما بإطلاق النار ضد كل من يرتكب أعمال العنف، فهو يقوم بواجب وطني حتى لو أدى ذلك إلى قتل الأطفال، فحياة الأميركيين هي الأهم، ولا يمكن مقارنة حياة الأميركي بغيره من الشعوب، وهذه أول قاعدة من قواعد الاشتباك.

صورة سلبية للعرب

يستخدم الفيلم الكثير من العناصر لتشويه صورة اليمنيين، وتقديمهم بشكل سلبي يقلل من إمكانيات تعاطف الجمهور معهم.

حيث يقدم الفيلم صورة بانورامية لصنعاء من طائرة هليكوبتر، حيث تظهر كصحراء يوجد بها واحة تتضمن عددا من أشجار النخيل، وبيوتها مبنية من الطين، وليس هناك أية إشارة للتمدن، أو الحضارة في عاصمة اليمن.

هذه هي صنعاء التي أرادت هوليود تقديمها للعالم، ويشكل ذلك استمرارا لنهج هوليود في نسبة التخلف للدول العربية، ونسبة التقدم والتحديث للمدن الأميركية والأوروبية.

هكذا تظهر صنعاء متخلفة، وبيوتها مبنية من الطين، وهي واحة في صحراء تضم بعض أشجار النخيل.

كما يصور الفيلم اليمنيين بأنهم متخلفون وغير متحضرين، ويميلون دائما إلى العنف، ولذلك فإن حياتهم لا تستحق الاهتمام.

ربط الإسلام بالتخلف

في هذا الفيلم يمكن أن نلاحظ الربط بين الجغرافيا والتاريخ والسكان، وتصوير التخلف والفقر بأنه يرتبط بهذه العوامل، تمهيدا لبناء خطاب سينمائي هوليودي يربط التخلف بالإسلام.

فعندما يزور هودجز مستشفى في صنعاء لمقابلة الضحايا يجد أن المستشفى يشبه المعسكر، وأن الذباب يملأ المكان، ويغطي وجوه المصابين، وأن الدماء تملأ الأسرة والملابس، ولا يوجد أطباء في هذا المكان القذر.

لذلك يكرهون أميركا

ووفق الفيلم، فإن العرب بسبب تخلفهم يعادون أميركا ويكرهونها، ويقذفون سفارتها بالحجارة، ويطلقون الرصاص على الأميركيين، فهل يمكن توجيه اللوم إلى القائد تشيلدرز الذي أصدر قراره الحكيم بإطلاق الرصاص عليهم لإنقاذ حياة الأميركيين؟ وهكذا تتضح الرسالة، بينما تتوالى المشاهد التي تصور فقر اليمنيين وتخلفهم.

الشخصية العربية العدوانية

توصلت أحد الدراسات إلى نتيجة مهمة هي أن المشاهد المتوالية في الفيلم تدفع المتلقين لإصدار حكم عام على العربي بأنه شخصية عدوانية عنيفة، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة والطفل. واليمني الذي يستخدم الحجارة وقنابل المولوتوف يتم تصويره بأنه ذو حواجب كثيفة، وأسنان مكسورة سوداء، والنساء لا تظهر سوى عيونهن الغاضبة.

هذا المشهد الدرامي يساهم في تشكيل صورة نمطية سلبية للعرب، ويقلل إمكانيات التعاطف معهم، ويتضح من ذلك أن السينما الأميركية تمتلك الإمكانيات والأساليب الحديثة لبناء الصور النمطية للشعوب، ولإدارة حرب الصور والكلمات.

إخراجهم من الإنسانية

إن الانطباع الذي يمكن أن يخرج به مشاهد هذا الفيلم هو أن الشعب اليمني كله شرير وخطير، وبذلك يخرجه من الإنسانية خاصة عندما تتم مقارنته بالأميركيين الحريصين على العدالة، والذين لا يستخدمون العنف إلا دفاعا عن النفس.

في ضوء ذلك يشكل فيلم "قواعد الاشتباك" حالة مهمة توضح دور هوليود في حرب الصور، ففي الوقت الذي استخدمت فيه كل التقنيات لتشويه صورة الشعب اليمني؛ قامت بتمجيد الأميركيين، وتقديمهم بصورة إنسانية، فزوجة السفير الأميركي الجميلة تحمل بين ذراعيها طفلها الجميل، وهي تتحدث بكلمات هادئة لطيفة ناعمة بالرغم من خوفها من ذلك اليمني القبيح الشرير المتوحش كما صورته هوليود.

خطاب استعماري

يقول عبيدة منشاوي فوال إن التصوير الدرامي في هذا الفيلم يشكل امتدادا للخطاب الاستشراقي الاستعماري، والذي يقسم العالم إلى غربيين بيض طيبين في مقابل عرب سيئين وأشرار.

لذلك يتجاهل الفيلم الكثير من الحقائق مثل سبب تلك المظاهرة التي قام بها اليمنيون في مواجهة السفارة الأميركية، وبذلك يتم دفع المشاهد للتعامل مع المظاهرة على أنها عمل غير رشيد كما وصفها السفير الأميركي.

تشيلدرز بريء وقراره مبرر

هذا هو التفسير الذي قدمه الفيلم لغضب اليمنيين ومظاهرتهم أمام السفارة الأميركية، فهو عمل غير رشيد نتج عن كراهية المسلمين للأميركيين، وبذلك يجد المحامي هودجز الدليل على براءة تشيلدرز في شريط صوتي يتضمن هتافات اليمنيين الذين يطالبون بقتل الأميركيين، وإعلان الجهاد ضد أميركا، ودعوة كل المسلمين الذين يطيعون ربهم لقتل الأميركيين وحلفائهم من المدنيين والعسكريين، فـ"ذلك واجب كل مسلم".

وهكذا توضح ترجمة الشريط الصوتي أن كراهية اليمنيين للأميركيين سببها التعاليم الدينية الإسلامية، وأن العرب أشرار ومعادون لأميركا، لذلك يتوصل المحقق هودجز إلى النتيجة؛ وهي أن اليمنيين يستحقون أن يتم إطلاق الرصاص عليهم، وأن قرار تشيلدرز بإطلاق الرصاص لقتل العرب كان ضروريا وحكيما ومبررا.

هذه هي العدالة الأميركية

وبذلك نزعت هوليود صفة الإنسانية عن الشعب اليمني كله وعن كل المسلمين، وقدمت المبرر لإطلاق النار عليهم لأنهم متعصبون وأشرار ويشكلون تهديدا لأميركا.

إن قتل العربي أو المسلم في الخطاب الهوليودي الاستعماري "مبرر وضروري لحماية أمن أميركا"، وهذه قواعد الاشتباك التي تتجلى فيها العدالة الأميركية.

وبذلك تغذي هوليود الإسلاموفوبيا وتنشر الكراهية ضد المسلمين، وتقدم الإسلام باعتباره العدو للشعب الأميركي، كما تشن حملة دعائية ضد المسلمين بهدف تشكيل اتفاق الشعب الأميركي على شن الحرب ضد المسلمين.