ما لم يُقل في زيارة بايدن للسعودية

US President Joe Biden in Saudi Arabia
الرئيس الأميركي جو بايدن (يسار) في السعودية (الأناضول)

توّج الرئيس الأميركي جو بايدن زيارته للشرق الأوسط بتحديد المبادئ العريضة لسياسته الخارجية في المنطقة، وتعهّد بمواصلة الانخراط الأميركي النشط في المنطقة وبعدم السماح لروسيا والصين وإيران بملء أي فراغ، لكن هذه الالتفاتة المتأخرة لرئيس أميركي تجاه أهمية الشرق الأوسط ليست مجّانية.

يتطلّع بايدن إلى دفع السعوديين لزيادة إنتاج النفط كثمن للانفتاح على ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وحجز مكان له في التاريخ بوصفه راعيا لتحالف دفاعي يجمع إسرائيل بمحيطها العربي، كما يسعى لاستعادة ثقة الحلفاء في المنطقة بالولايات المتحدة. إنها أهداف طموحة، وكان بالإمكان أن تكون واقعية لولا أن الشرق الأوسط الذي يتعامل معه اليوم مختلف اختلافا كبيرا عن ذلك الذي عرفه عندما كان نائبًا لأوباما.

هناك جيل جديد شاب من القادة في الخليج لم يعد يرى في واشنطن شريكًا موثوقًا به يُعتمد عليه ويعمل على بناء شراكات جديدة مع قوى عالمية كروسيا والصين، وصراع إسرائيلي إيراني ينزلق شيئًا فشيئًا نحو حافة المواجهة المباشرة، وإيران تقترب أكثر من أي وقت مضى نحو امتلاك سلاح نووي.

ومن الحكمة تجنّب الرهان على قدرة بايدن على عكس المسار في الشرق الأوسط؛ هذه نتيجة طبيعية عندما تُحاول واشنطن اللعب بجدّية في ربع الساعة الأخير. فعلى مدى العقد الماضي، أدّت السياسات الأميركية الضعيفة في قضايا المنطقة من سوريا إلى العراق وليبيا والانفتاح على إيران إلى تدمير مصداقية الولايات المتحدة بين الحلفاء، ولن يكون من السهل إقناع الحلفاء أن أميركا اليوم ستختلف عن العقد الماضي.

وحتى في أكثر القضايا إلحاحًا لبايدن وهي قضية النفط، لم يستطع انتزاع أكثر من تكرار سعودي لتعهّدات سابقة بزيادة الإنتاج إلى 13 مليون برميل يوميا. والأمير محمد بن سلمان قطع الطريق على إمكانية أي زيادة إضافية في الإنتاج في المستقبل، وأوضح أن قرارات السياسة النفطية ستُتخذ وفقًا لمنطق السوق وداخل تحالف "أوبك بلس" تمامًا. إن المعضلة التي تواجه بايدن في العلاقة مع المملكة لا تتعلق بالنفط بقدر ما ترتبط بالأزمة العميقة معها في ظل رئاسته، وتُدرك إدارة بايدن ذلك وتراهن على عامل الوقت لإعادة إصلاح العلاقات، لكنّ الوقت لا يصبّ في مصلحة الديمقراطيين؛ فانتخابات التجديد النصفي على الأبواب وهم بحاجة ملحّة إلى خفض أسعار الوقود وتحسين فرصهم الانتخابية.

مع ذلك، سيكون بمقدور بايدن أن يُمنّي النفس ببعض التقدم المُحرز على صعيد العلاقات السعودية الإسرائيلية كرعاية تسوية لإعادة السيادة الكاملة للمملكة على جزيرتي تيران وصنافير، وموافقة الرياض على السماح للطائرات التجارية الإسرائيلية بالتحليق فوق أجوائها؛ فمثل هذا التقدّم يُساعد في مسار إقامة علاقات بين البلدين لكنّه لا يزال طويلا، وحتى لو كان مُمكنًا في المستقبل المنظور، فإنه من غير المرجح أن يتحقق في عهد بايدن. كما أن مشروع  دمج إسرائيل والدول العربية في تحالف دفاعي بدا أكثر تعقيدًا مما اعتقده الأميركيون؛ فقد فشل بايدن في تأمين التزام من السعوديين بدمج إسرائيل رسميا في أي جهد دفاعي إقليمي مشترك، وتراجعت حماسة بعض الدول الخليجية لمشروع الناتو الشرق أوسطي؛ إما لإدراكها بعدم واقعيته أو لخوفها من المخاطر عليها إذ سيضعها في قلب الصراع الإسرائيلي الإيراني.

يسعى بايدن من خلال محاولة رعاية تحالف أمني إسرائيلي عربي إلى حمل الحلفاء على تولي الدور الأمني الرئيس في إدارة شؤون المنطقة، ويُمثل هذا الاتجاه جزءًا من عقيدة أميركية تقوم على منح الحلفاء في مناطق مختلفة من العالم دورًا رئيسا في تأمين مصالحهم الأمنية باعتماد أقل على الولايات المتحدة.

في الواقع، لم تُبدّد زيارة السعودية من شكوك الخليج بشأن مستقبل الدور الأميركي في الشرق الأوسط. لقد تحدّث القادة العرب في قمة جدّة عن أهمية الشراكة الأميركية العربية والحاجة إلى استمرارها، لكنّ ما لم يقولوه هو أنّهم لم يعودوا يثقون بالسياسة الأميركية وأن عودة الاهتمام الأميركي بالشرق الأوسط لن تُغير من واقع أن هذه الشراكة لم تعد كافية وحدها لدول المنطقة.

عندما تولى بايدن السلطة لم يكن الشرق الأوسط على قائمة اهتماماته الخارجية الرئيسة؛ ففي أول خطاب ألقاه بخصوص السياسة الخارجية في فبراير/شباط من العام الماضي لم يذكر مصطلح الشرق الأوسط واكتفى حينئذ بالإشارة إلى تركيز الدبلوماسية الأميركية على إنهاء الحرب في اليمن، وأعلن وقف الدعم العسكري للتحالف الذي تقوده السعودية هناك وإنهاء مبيعات الأسلحة ذات الصلة به.

هذا الاختلاف الكبير في مقاربته للشراكة مع الخليج منذ توليه الرئاسة حتى اليوم يُبرز كيف أنها كانت قصيرة النظر وتجاهلت أهمية الخليج في التنافس الجيوسياسي العالمي، وأنّها لا تعمل. وعلى الرغم من التعهّدات الصريحة التي أطلقها بايدن في قمة جدّة بمواصلة الالتزام الأميركي بأمن الحلفاء وحماية مصالحهم، فإنها ليست كافية بأي حال لإصلاح ما أفسدته سنوات من الممارسة الأميركية مع الخليج، كما تخضع المنطقة منذ نحو عامين لعملية إعادة ترتيب جيوسياسية مدفوعة في جانب رئيس بالمخاوف من أن واشنطن لم تعد مهتمة بالبقاء فيها.

ستبقى خيارات بايدن الشرق أوسطية محدودة؛ إذ يجني الخليجيون فوائد اقتصادية كبيرة من ارتفاع أسعار النفط ولديهم شراكة نفطية مع روسيا وليسوا مستعدين للتفريط بكليهما من أجل شراكة لم يعودوا ينظرون إليها على أنها الضامن الوحيد لأمنهم ومصالحهم الإقليمية. كما أن بايدن لا يزال أسير رغبته في إعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران، ويعتقد الأميركيون -وهم محقون في ذلك جزئيا- أن إيران المسلحة نوويًّا أسوأ بكثير من إيران الحالية وأن إبرام صفقة نووية جديدة معها يضمن عدم حصولها على سلاح نووي في المستقبل المنظور.

عكس ذلك، سيخلق بيئة أمنية إقليمية خطرة لا يمكن التنبؤ بها وتُصعب من مساعي الولايات المتحدة نحو تخفيف انخراطها العسكري في المنطقة. لقد مضت أشهر طويلة على إطلاق المفاوضات النووية بين طهران والغرب ولا تلوح في الأفق أي بوادر لتسوية مقبولة للجميع، كما أن الإيرانيين يقاومون بشدّة فكرة التفاوض على مستقبل برنامجهم الصاروخي ودورهم الإقليمي، وسبق أن واجه أوباما المعضلة نفسها عندما أبرم الاتفاق النووي مع طهران وتجاهل هواجس حلفائه الإقليميين ولم يصمد أكثر من 3 سنوات.

وبمرور الوقت، يصبح بايدن أكثر واقعية في مقاربة المسألة النووية الإيرانية من خلال استدعاء خطاب الردع إلى جانب الدبلوماسية. ومع ذلك، لا تُشير التعهّدات التي أطلقها في القدس المحتلة بعدم السماح لطهران مطلقًا بامتلاك سلاح نووي إلى استعداد الولايات المتحدة للمخاطرة بالانخراط مجددًا في حروب المنطقة، وسيسعى لتوظيفها بدلًا من ذلك في الضغط التفاوضي على إيران.

فضلا عن ذلك، يسعى بايدن من خلال محاولة رعاية تحالف أمني إسرائيلي عربي إلى حمل الحلفاء على تولي الدور الأمني الرئيس في إدارة شؤون المنطقة. ويُمثل هذا الاتجاه جزءًا من عقيدة أميركية تقوم على منح الحلفاء في مناطق مختلفة من العالم دورًا رئيسًا في تأمين مصالحهم الأمنية باعتماد أقل على الولايات المتحدة، في حين أن هذه العقيدة تعمل بنجاح في أوروبا بالنظر إلى القيم المتشابهة بين الولايات المتحدة والأوروبيين، إلاّ أنها لا تعمل مع منطقة لا يجمعها بالولايات المتحدة سوى النفط والحاجة إلى الأمن.

تكمن نقطة الضعف الرئيسة في السياسة الأميركية الحالية في الشرق الأوسط بتجاهلها لمُشكلة رئيسة كانت على الدوام سببًا لحالة عدم الاستقرار الإقليمي؛ هي القضية الفلسطينية. لقد استسلم الأميركيون منذ سنوات للتطرف الإسرائيلي الساعي لتدمير فرص حل الدولتين، واعتقدوا أن العالم العربي لم يعد معنيًّا أيضا بهذه القضية. وجزئيا، يبدو هذا الاعتقاد صحيحًا، لكنّ الواقع أن هذه القضية لا يُمكن التقليل من شأنها لمُجرّد تحوّل في الأولويات العربية. سيختصر بايدن كثيرا من المسافات لاستعادة ثقة الحلفاء الشرق أوسطيين بالولايات المتحدة لو أنّه منح دفع عملية السلام أولوية على غرار النفط والنووي الإيراني، لكنّه بدا عاجزًا عن تقديم شيء جديد ذي مغزى للمنطقة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.