حرب الولايات المتحدة في أوكرانيا | (7) خطة الناتو لتعزيز الدفاع والردع

US President Joe Biden in Saudi Arabia
الرئيس الأميركي جو بايدن في المملكة العربية السعودية

في مؤتمره الصحفي الذي أعقب لقاءاته مع القيادة السعودية في جدة في منتصف الشهر الجاري، حدد الرئيس الأميركي جو بايدن بشكل واضح وقاطع الهدف الرئيس من زيارته للمنطقة بقوله "خلاصة القول، إن هذه الرحلة تدور حول وضع أميركا مرة أخرى في هذه المنطقة من أجل المستقبل. لن نترك فراغًا في الشرق الأوسط تملؤه روسيا والصين، نحن نحقق نتائج في هذا الصدد".

هذا التلخيص يعزز ما نذهب إليه في هذه السلسلة من المقالات حول ما تقوم به الولايات المتحدة الأميركية في هذه المرحلة، من إعادة لترتيب تحالفاتها وشراكاتها في العالم استعدادًا للمواجهة القادمة مع الصين وروسيا. وقد جاءت زيارته هذه إلى المنطقة كواحدة من الخطوات العديدة التي تقوم بها إدارة بايدن ضمن خطتها لترتيب تحالفاتها وشراكاتها الدولية، استكمالًا لما تقوم به من إعادة شاملة لبناء القوة الدفاعية وإستراتيجيات الردع لدى حلف الناتو.

أكدت قمة الناتو في مدريد الشهر الماضي تصميمها للرد على الهجوم الروسي على أوكرانيا، كما أكدت أهمية تعاون الشركاء في منطقة آسيا والمحيط الهادي وغيرهما، في معالجة التحديات الأمنية المشتركة، وكذلك أهمية تعزيز الشراكات لتلبية مصالح جميع الحلفاء والشركاء الحاليين والمحتملين خارج الحلف.

لم تأت زيارة بايدن بجديد على المستوى السياسي، لا على صعيد القضية الفلسطينية، ولا على صعيد العلاقات العربية البينية، ولا على صعيد الاستقرار المحلي. الجديد الذي يستحق الذكر في هذه الزيارة هو الترتيبات الأمنية التي تحتاج إليها المواجهة القادمة مع روسيا والصين وإيران، والتي سيكون لنا معها وقفة في مقال لاحق من هذه السلسلة التي تهدف إلى تقديم مزيد من المعلومات والتفاصيل التي لا تجد متسعًا لها في وسائل الإعلام المنشغلة بملاحقة الأحداث والتطورات المتسارعة محليا وإقليميا ودوليا. هذه المعلومات والتفاصيل تحاول أن تربط بين مكونات المشهد الدولي لتقديم صورة أكثر وضوحًا وفهمًا لما يدور من مواجهات عسكرية وسياسية، وما يتبلور في الأفق من أزمات عديدة قادمة.

كما أن تركيز هذه السلسلة على الولايات المتحدة وتحميلها المسؤولية عن الحرب في أوكرانيا ينطلق من مصالح الولايات المتحدة التي بدأت تشعر بتهديد القوى الصاعدة لمكانتها الدولية، ومكتسبات ما بعد الحرب الباردة، ومكتسبات الحرب على الإرهاب. ولم تأت هذه السلسلة لتبرئة روسيا من جرائمها في أوكرانيا، فقد كان أمام الرئيس بوتين ألف طريقة وطريقة للوصول إلى حل دبلوماسي للأزمة، كما لم تأت لشرعنة أي عنف أو عدوان قد تقوم به الصين في المستقبل، نتيجة لتحرشات الولايات المتحدة أو استفزازاتها.

علامة فارقة في تاريخ الناتو

تناولنا في المقال السابق خطة الولايات المتحدة التي عرضها وزير خارجيتها أنتوني بلينكن لإعادة بناء الناتو، وتعزيز ثقة أعضائه بالولايات المتحدة، فقد حدد بلينكن أنواع التهديدات التي يواجهها الحلف، وكيفية مواجهتها، وتعهدات الولايات المتحدة حيالها. هذه الخطة كانت مهيمنة تمامًا على اجتماع قادة حلف الناتو، في قمتهم التي انعقدت في العاصمة الإسبانية (مدريد) في 26 يونيو/حزيران الماضي، والتي أشاروا فيها إلى عودة الحرب إلى القارة الأوروبية، بما يهدد أمن دولها واستقرارها، الأمر الذي يستدعي الوحدة والتضامن بين الدول الأعضاء، والالتزام بالمادة الخامسة من معاهدة واشنطن، التي تقضي بالتزام جميع الأعضاء بالدفاع عن أي دولة عضو تتعرض لعدوان خارجي، ورأى قادة الحلف في بيانهم الختامي أن هذه القمة تمثل علامة فارقة في تعزيز تحالف دول الناتو.

وبعد أن أكدت القمة ضرورة الالتزام المشترك بقيم الديمقراطية، والحرية الفردية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون، والقانون الدولي، وأهداف ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه، وتعزيز القواعد التي يقوم عليها النظام الدولي، دانت الحرب الروسية على أوكرانيا، وعدّتها انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وشددت على ضرورة محاسبة جميع المسؤولين عن جرائمها، وطالبت روسيا بإيقاف الحرب فورًا، والانسحاب من أوكرانيا، في الوقت الذي أكدت فيه الوقوف إلى جانب أوكرانيا، وتأييد حقها في الدفاع عن النفس، واختيار الترتيبات الأمنية الخاصة بها، وتشجيع جميع الحلفاء المشاركين على تقديم الدعم لها.

حددت قمة الناتو في بيانها الختامي، مباشرة وبما لم يحدث من قبل، ما وصفته بـ"التهديدات الإستراتيجية" التي يواجهها الناتو، وهي:

  • روسيا الاتحادية، الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره، جمهورية الصين الشعبية.
  • شددت على أن الناتو سيواصل، بكل عزم وتصميم وتضامن، مواجهة التهديدات الروسية والرد على أعمالها العدائية ومحاربة الإرهاب، بطريقة تتفق مع القانون الدولي.
  • حددت الخطوات التنفيذية الآتية لمواجهة هذه التهديدات، بما يعدّ ترتيبات ما قبل المواجهة:
  1. اعتماد مفهوم إستراتيجي جديد يتناسب مع البيئة الأمنية التي تواجه الحلف، ويعيد تأكيد القيم التي يتبناها الحلف، ويوضح الهدف الرئيس لحلف الناتو بضمان الدفاع الجماعي على أساس منهجي شامل، ويحدد المهام الأساسية للحلف في: الدفاع والقدرة على الردع، ومنع الأزمات وإدارتها.
  2. التعاون الأمني، وتوجيه عمل الحلف في السنوات القادمة إلى المحيط الأطلسي، ومواصلة الدعم لأوكرانيا، وتحسين دفاعاتها السيبرانية، وقدرتها على الصمود.
  3. تعزيز قدرة الناتو على الردع لحماية سكان دول الحلف، والدفاع عن كل شبر من أراضيها، وتعزيز القدرة الشاملة في المجالات البرية والجوية والبحرية والإلكترونية والفضائية ضد جميع التهديدات والتحديات، ونشر قوات إضافية قوية جاهزة للقتال شرقي أوروبا، مدعومة بتعزيزات ذات موثوقية ومتوفرة بسرعة، بالإضافة إلى معدات جاهزة وقيادة قادرة على السيطرة.
  4. إنشاء هياكل جديدة للحلف تعزّز قوة الناتو، وتوفر الخطط العسكرية القادمة، مع تعزيز التمارين الدفاعية العالية الكثافة، المتعددة المجالات، وضمان تعزيز أي حليف في غضون مهلة قصيرة.
  5. تعزيز القدرة على الصمود باعتباره مسؤولية وطنية والتزاما جماعيا، وخاصة أمام الهجمات السيبرانية.
  6. تعزيز أمن الطاقة للقوات العسكرية، وتعزيز القدرة على التكيف في جميع المجالات، فضلا عن تعزيز القابلية للتشغيل البيني، واستخدام الأدوات السياسية والعسكرية بطريقة متكاملة، ووضع سياسة دفاع كيميائية وبيولوجية وإشعاعية ونووية جديدة، بالإضافة إلى تعزيز الدفاعات الإلكترونية، والتعاون المدني العسكري.
  7. استخدام الأصول الوطنية لبناء استعدادات إلكترونية سريعة الاستجابة للرد على الأنشطة الإلكترونية الخبيثة المهمة، وتسريع الابتكار الدفاعي، وإنشاء صندوق ابتكار متعدد الجنسيات للجمع بين الحكومات والقطاع الخاص والأوساط الأكاديمية لتعزيز التفوق التكنولوجي للناتو.
  8. اعتماد الناتو إستراتيجية جديدة لنظام التحذير والتحكم الجوي (أواكس) والقدرات ذات الصلة، وتعزيز قدرة الناتو الفردية والجماعية على مقاومة جميع أشكال الهجوم، والحرص على تعهد الأعضاء بالاستثمار الدفاعي بشتى مجالاته.

شدد الناتو على أن الحلف سيظل أقوى تحالف في التاريخ، وأنه من خلال ترابطه والتزامه المتبادل سيواصل حماية حرية جميع الحلفاء وأمنهم، فضلًا عن قيمهم الديمقراطية المشتركة، للوقت الراهن وللأجيال القادمة.

توسيع الشراكات

أكدت قمة الناتو التصميم المشترك للرد على الهجوم الروسي على أوكرانيا، كما أكدت أهمية تعاون الشركاء في منطقة آسيا والمحيط الهادي وغيرهما، في معالجة التحديات الأمنية المشتركة، وكذلك أهمية تعزيز الشراكات لتلبية مصالح جميع الحلفاء والشركاء الحاليين والمحتملين خارج الحلف، واتخاذ تدابير جديدة لتكثيف الدعم السياسي والعملي المصمم خصيصًا للشركاء، بما في ذلك البوسنة والهرسك وجورجيا ومولدوفا، لبناء قدراتهم وتعزيز قدرتهم على الصمود، ودعم استقلالهم السياسي، بالإضافة إلى دعم بناء الشركاء جنوب الناتو. وقد أكد الناتو التزامه بسياسة الباب المفتوح لانضمام مزيد من الدول إلى عضويته، وفي مقدمتها السويد وفنلندا.

وشددت القمة على أن حلف الناتو سيظل أقوى تحالف في التاريخ، وأنه من خلال ترابطه والتزامه المتبادل سيواصل حماية حرية جميع الحلفاء وأمنهم، فضلًا عن قيمهم الديمقراطية المشتركة، للوقت الراهن وللأجيال القادمة.

جاءت قمة الناتو في مدريد لتحدد الإجراءات التنفيذية اللازمة لإعادة بناء الحلف على مستوى الهياكل الإدارية والمالية والأنظمة والسياسات من جهة، وعلى مستوى القدرة على الدفاع والردع الحاسمين ومنع الأزمات وإدارتها والتعاون الأمني من جهة ثانية، ولكن حسب تصور الولايات المتحدة، الذي سيكون الناتو في ضوئه هو مظلة المواجهة في المرحلة القادمة. وقد جاء حديث الناتو عن توسيع دائرة التحالفات والشراكات والصداقات منسجمًا انسجامًا تامًّا مع تصورات الولايات المتحدة التي تحركت منذ بداية ولاية الرئيس بايدن لتأسيس هذه التحالفات والشراكات وتعزيزها وإعادة بنائها، وكان من بين هذه التحركات زيارة بايدن إلى المنطقة، وعقد قمة مع 9 دول عربية في مدينة جدة، هي: دول مجلس التعاون الخليجي، ومصر والأردن والعراق؛ هذه القمة التي جاءت تحت عنوان الأمن والتنمية، وسبقتها شهور من الدبلوماسية الهادئة على حد قول الرئيس بايدن.

(يتبع)… خريطة حلفاء المواجهة وشركائها وأصدقائها