زيارة للشرق الأوسط.. ما الذي يخشاه بايدن؟

الرئيس الأميركي جو بايدن
الرئيس الأميركي جو بايدن (الفرنسية)

برر الرئيس الأميركي جو بايدن -في مقال رأي نشره مؤخرا- للأميركيين سبب زيارته القريبة للسعودية، التي وصفها "بالدولة المنبوذة" أول تقلده الحكم وتجاهل ولي عهدها طويلا، وحتى بعد مرور 18 شهرا على توليه مقاليد الحكم لم يعين سفيرا دائما لبلاده في الرياض.

وبهذا التبرير، يضع الرجل المتأرجح داخليا نفسه في موقف محرج جراء هذه الزيارة التي وصفها بالحيوية، متنازلا عن معاييره ومعايير الديموقراطيين معه في تقسيم العالم بين دول ديمقراطية وأخرى استبدادية، حيث تتضمن جولته لقاءات مع دول وصفها بالاستبدادية ولكنها تمتلك مخزونا نفطيا كبيرا، وإقناعها بزيادة الإنتاج هو الهدف القريب الذي يصب في مصلحة هدف آخر بعيد وهو الاصطفاف ضد روسيا والتنازل عن نفطها. إذ تقلب الولايات المتحدة منذ بداية الحرب على أوكرانيا كل حجر تحته نفط، وهي على استعداد لرفع عقوبات عن دول عدة ( فنزويلا مثلا) مقابل إيجاد بدائل للطاقة الروسية قد تنقذ أوروبا ومواقفها.

يخشى بايدن على منصبه أولا الذي تهدده عوامل عدة، أبرزها الركود الاقتصادي، في ظل اقتراب موعد انتخابات منتصف المدة، ويعرف الرجل جيدا أن صور اللجوء والدمار والدم القادمة من أوكرانيا لن تردع الأميركيين طويلا عن النزول للشارع والاعتراض على غلاء الأسعار خاصة أن النظرية القائلة إن الأميركي يصوت من خلال جيبه لا تزال سارية المفعول

يتحدث بايدن عن فصل جديد في الشرق الأوسط يتخلله ما وصفه بزيادة المشاركة الأميركية، مسوقا فكرته أمام دافعي الضرائب من خلال 3 نقاط هامة، الأولى تتحدث مع جيوبهم؛ إذ قال إن في الشرق الأوسط ممرات مائية ضرورية للتجارة العالمية وسلاسل التوريد التي تعتمد عليها أميركا، وبالتالي تخفيف أعباء الحرب الروسية على أوكرانيا وما أتت به من غلاء لم تنفك دالته التصاعدية في الارتفاع، والثانية هي اعتماده في الإقناع إستراتيجية العمق، وهي الاعتماد على مصدر موثوق لإقناع جمهور ما بفكرة محددة، إذ قال إن خبراء المخابرات والجيش الأميركيين سبق أن حذروا من أن منطقة الشرق الأوسط تتعرض لضغوط خطيرة وتحتاج إلى دبلوماسية عاجلة ومكثفة.

أما النقطة الثالثة، فهي إستراتيجية الخوف التي استخدمها الرجل في أكثر المواضيع تأثيرا في نفوس الأميركيين، حيث طرح فكرة تعاون عسكري شرق أوسطي جديد، معتبرا أن اتحاد منطقة الشرق الأوسط من خلال الدبلوماسية والتعاون اللذين يعتبرهما صلب زيارته سيحلان محل التفكك والصراع والتطرف العنيف، على حد وصفه، والذي قال إن من شأنه أن يهدد الولايات المتحدة ويجرها إلى حروب جديدة من شأنها أن تشكل عبئا على القوات العسكرية الأميركية وعائلاتهم، على حد تعبيره.

يخشى بايدن على منصبه أولا الذي تهدده عوامل عدة، أبرزها الركود الاقتصادي، في ظل اقتراب موعد انتخابات منتصف المدة، ويعرف الرجل جيدا أن صور اللجوء والدمار والدم القادمة من أوكرانيا لن تردع الأميركيين طويلا عن النزول للشارع والاعتراض على غلاء الأسعار خاصة أن النظرية القائلة إن الأميركي يصوت من خلال جيبه لا تزال سارية المفعول. ويخشى الرجل أيضا على مقاعد حلفائه من دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) وغيرها؛ إذ تعصف بهم موجات من الغلاء في مركزها أسعار المحروقات، الأمر الذي من شأنه أن يقلب أنظمة حكم، فقط تخيلوا معارضة يمينية في بلد ما مدعومة من بوتين تنجح في قلب النتيجة في صندوق الاقتراع؛ لأن قادتها وعدوا جمهور مصوتيهم بلتر بنزين روسي رخيص، لا يبدو الأمر بعيدا عن المنطق.

إذ يعرف بايدن جيدا أن من مصلحته الشخصية أن تخفض أسعار النفط من خلال زيادة إنتاجه بالاعتماد على موارد بديلة لروسيا، كالسعودية، أو حتى إيران. ففي مقال بعنوان "سراب السلام" في صحيفة "غارديان" (The Guardian)، يشير الكاتب سايمون تيسدال إلى ما سماه "مغامرة بايدن"، وأن أميركا ربما ترفع العقوبات عن "منبوذ ثان" في الشرق الأوسط، ألا وهو بشار الأسد في محاولة لمواجهة النفوذ الروسي في سوريا، يمكن أن تشمل حتى تخفيف العقوبات لمساعدة دمشق على استيراد النفط الإيراني، وفي ذلك -إن تم- إشارة لخيار أميركي مطروح بدعم من الأوروبيين وهو إنقاذ اللحظات الأخيرة للاتفاق النووي مع إيران التي صرح وزير النفط لديها مؤخرا -في مؤتمر النفط والغاز الذي عقد في العاصمة الأذربيجانية باكو- تصريحا مثيرا للاهتمام من ناحية التوقيت والأرقام التي استُعرضت بطريقة تفتح شهية الأوروبيين والأميركيين في ظل تعثر مفاوضات الاتفاق النووي، إذ قال إن بلاده تمتلك واحدة من أكبر طاقات الغاز في العالم، وإن احتياطي الغاز الإيراني، يبلغ نحو 34 تريليون متر مكعب، وأعلن أن القدرة اليومية للإنتاج هي مليار متر مكعب من الغاز يوميًا، وأن الطاقة الإنتاجية للنفط لدى بلاده تبلغ نحو 4 ملايين برميل يوميًا.

أي أن طهران من شأنها أن تضاعف كمية نفطها 3 أضعاف في الأسواق العالمية، وهذا حافز إضافي بارز لإنقاذ الاتفاق.

وهذا سبب إضافي بارز لعدم الذهاب باتجاه ما يروج له من تحالف عسكري ضد إيران على شاكلة الناتو، لأن تحالفا كهذا ببساطة سيحتاج إلى أعضاء بينهم مساواة في العضوية ومعايير تحددها، ناهيك عن حلف سياسي بعيد المنال في هذه المرحلة في الشرق الأوسط تنبثق عنه ذراع عسكرية، لكن هنالك ما هو أسهل إذ لا ينفك وزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس من الإشارة إلى تبني نظام دفاع جوي إقليمي تحت اسم "الدفاع الجوي للشرق الأوسط"، والغرض منه هو حماية دول الشرق الأوسط مما يُسمى "التهديد الإيراني المشترك"، إذ صرح غانتس -في إحدى جلسات لجنة الخارجية والأمن في الكنيست مؤخرا- بأن هذه الخطة قيد التنفيذ، وقد أحبطت بالفعل محاولات إيرانية لتحدي إسرائيل ودول أخرى في الشرق الأوسط.

وعليه، فإن إنشاء تحالف يضمن نشر منظومة دفاع جوية هي الأقرب إلى التنفيذ من فكرة ناتو عسكري أو أي اتحاد عسكري شرق أوسطي على شاكلة الناتو الغربي، بيد أن عملية نشر منظومة دفاع صاروخي ستكون لها أهداف عدة يأخذها كل من الطرفين القويين في المشهد إلى جهته، إذ ستعتبرها إسرائيل تحالفا ضد إيران كما يسوق وزير أمنها كل يومين، وستعتبرها أميركا تحالفا "شرق أوسطي" محوره الصراع على القوة ضد روسيا التي أصبحت مؤخرا أكثر عدوانية وصلابة مقارنة ببداية الحرب على أوكرانيا، وضد الصين التي تملك طموحات توسعية اقتصادية تخترق موانئ الشرق الأوسط وتؤثر في قرارات بلاده وأهوائها السياسية، ومع الولايات المتحدة التي تصر على العودة إلى لعبة الشرق الأوسط.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.