"السنة" غير التشريعية عند الإمام مالك بن أنس

كتاب "الموطأ" للإمام "مالك بن أنس" (مواقع التواصل الاجتماعي)

منذ بدأ العلماء والمفكرون المعاصرون في الكتابة عن تنوع التصرفات النبوية حسب دلالتها التشريعية وعن تصنيفها لدى علماء الإسلام، ومنذ الانطلاق من ذلك لتجديد الرؤية في مواضيع الفكر السياسي بمرجعية إسلامية؛ والكتابات تصدر تترى تحاول تسفيه ما اصطُلِح عليه بـ"تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية". ومن المؤسف أن النقاش أحيانا يستدعي عبارات أو اتهامات مُجْمَلة، مثل الاتهام بالعلمانية والانحراف الفكري والقراءة العصرانية والخروج عن منهج أهل السنة والجماعة وغيرها، مما لا يفيد علما ولا يقدم شيئا في تحليل الموضوع ومعالجته. كما يتردد كثيرا القول بأن ذلك التقسيم بدعة لم يُسْبَق إليها القائلون بها.

والصحيح أن التمييز بين ما هو للتشريع وما ليس للتشريع من المرويات عن النبي صلى الله عليه وسلم متواتر عن الصحابة والتابعين وكثير من الأئمة المعتبَرين. وكان همًّا مستمرا وُضِعت له المناهج والقواعد حسب ما أدى إليه اجتهاد كل إمام من الأئمة. ومقصدُهم من ذلك فهمُ المروي عنه صلى الله عليه وسلم في إطار سياقه الحيوي بقرائنه المتداخلة: التشريعية الدينية والنفسية والجِبِلِّية (أي الطبيعية البشرية) والعرفية والاجتماعية والمادية والسياسية وغيرها، تفاديا للغلط في فهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره.

الأوْلى أن نقول إن تصرفاته صلى الله عليه وسلم تنقسم إلى تشريعية وغير تشريعية، بينما سنته كلها تشريعية بحكم التعريف الذي اعتمدناه، وهو الأكثر انسجاما مع كلام علماء أصول الفقه وأصول الحديث عبر القرون

كل سُنّة تصرُّفٌ وليس كل تصرف سنة

نبدأ هنا أولا بتدقيق المصطلحات حتى لا تختلط المفاهيم؛ فاستعمال مصطلحيْ "السنة التشريعية" و"السنة غير التشريعية" يكون سليما إذا عنينا مصطلح "السنة" عند المحدثين، والذي يرادف مجموع المرويات عن الرسول صلى الله عليه وسلم. أما إذا استعملنا لفظ "السنة" وفق تعريفه الأصولي فذلك الاستعمال لا يصح.

وكنا انتهينا في دراسة سابقة إلى أن التعريف المختار أصوليا هو أن السنة "كل ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير ليُقتدى به فيه، أو مما صدر من مقام التشريع"[1]. فتصرفات كثيرة صدرت عن الرسول صلى الله عليه وسلم لكن هناك من الصحابة والتابعين والأئمة الأعلام من أنكر أنها سنة. ونكتفي بإيراد مثال واحد ليتضح ذلك. وهو قول عائشة أم المؤمنين: "نزول الأبطح ليس بسنة، إنما نزله رسوله الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج"[2]. بينما روى نافع أن ابن عمر كان يرى التحصيب سُنّة[3]. ولذلك قال ابن قيم الجوزية: "وقد اختلف السلف في التحصيب: هل هو سنة، أو منزل اتفاق؟"[4]. فهذا فعلٌ فعَلَه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت عنه عائشة ليس بسنة، وقال آخرون هو سنة، وهذا معناه أنهم متفقون على أن تصرفاته صلى الله عليه وسلم تنقسم إلى ما هو سنة وتشريع للمسلمين، وما ليس بسنة ولا تشريع، وإنما اختلفوا في تصرفات معيّنة هل تُلحق بالنوع الأول أو بالنوع الثاني. وهذا كثير في كلام أهل العلم.

لذلك فإن الأوْلى أن نقول إن تصرفاته صلى الله عليه وسلم تنقسم إلى تشريعية وغير تشريعية، بينما سنته كلها تشريعية بحكم التعريف الذي اعتمدناه، وهو الأكثر انسجاما مع كلام علماء أصول الفقه وأصول الحديث عبر القرون[5].

حكى الفقيه الشافعي البارز يحيى بن شرف النووي (ت 676هـ) قريبا من ذلك عن الشافعي إذ يقول: "(…) الشافعي رحمه الله تَرَك العمل بظاهر أحاديث كثيرة رآها وعلِمها، لكن قام الدليل عنده على طعن فيها، أو نسخها أو تخصيصها أو تأويلها أو نحو ذلك

معايير التمييز بين التشريع وغيره لدى الإمام مالك

ومقصدنا الأساس -في هذا المقال- هو أن نبين أن هذا التمييز بين التصرفات النبوية حسب دلالتها التشريعية قديم في تقريرات العلماء والأئمة. وهكذا فإننا نجد بذوره لدى إمام دار الهجرة مالك بن أنس (93- 179هـ). فمن المعروف أنه كان يروي أحاديث ويدوّنها، لكنه لا يعمل بها ويفتي بخلافها. وله في ذلك مرجِّحات عديدة تتبّعها فقهاء المالكية ودرسها الأصوليون قبولا أو ردًّا عبر القرون، وكان منها ترْكُ العمل بالحديث بسبب معارضته لظاهر القرآن أو للقياس أو للقواعد العامة أو لعمل أهل المدينة، في إطار ضوابط يلتزم بها في ذلك. ومن المهم التأكيد على أن سبب إعراض الإمام مالك عن العمل بعدد من الأحاديث الصحيحة ليس هو عدم ثبوتها عنده، بل هو اعتماده على واحد أو أكثر من تلك المرجحات.

وليس هذا خاصا بمالك، بل إن كثيرا من الأئمة قد يتركون العمل ببعض الأحاديث لأسباب ومرجحات صرحوا بها. وقد أورد ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ) أمثلة لذلك في بداية شرحه لكتاب "العلل" للترمذي. ومن ذلك أنه قال: "وقد ذُكِر للثوري ما رُوِي عن عمر قال: مَن لم يُدرك الصلاةَ بجُمَع (أي بمزدلفة) مع الإمام فلا حجَّ له، فقال الثوري: قد جاءت أحاديث لا يُؤخذ بها"[6]. ووضع أئمة المذهب الحنفي قواعد مشهورة لضبط هذا الأمر. يقول أبو بكر الجصّاص: "وكذلك خبر الآحاد يجوز ردها لعلل"، ثم يقول: "فمن العلل التي يُردّ بها أخبارُ الآحاد عند أصحابنا: ما قاله عيسى بن أبان: ذكر أن خبر الواحد يُرد لمعارضة السنة الثابتة إياه، أو أن يتعلق القرآن بخلافه فيما لا يَحتمل المعاني، أو يكون من الأمور العامة فيجيء خبرٌ خاصٌّ لا تعرفه العامة، أو يكون شاذا قد رواه الناس وعملوا بخلافه"[7]. كما روى بعد ذلك عن الفقيه الحنفي عيسى بن أبان (ت 221 ه) قوله: "من مذهب السلف: ردُّ أخبار الآحاد بالعِلل"[8]. وحكى الفقيه الشافعي البارز يحيى بن شرف النووي (ت 676هـ) قريبا من ذلك عن الشافعي إذ يقول: "(…) الشافعي رحمه الله تَرَك العمل بظاهر أحاديث كثيرة رآها وعلِمها، لكن قام الدليل عنده على طعن فيها، أو نسخها أو تخصيصها أو تأويلها أو نحو ذلك"[9].

ويتفق الأئمة من حيث العموم على بعض تلك المرجحات التي يُترك بها العمل بخبر الآحاد، ويختلفون على بعضها الآخر. ويكاد ينفرد مالك بن أنس من بين أئمة المذاهب باعتماد عمل أهل المدينة في القضاء والفتوى، ولو كان على خلاف الحديث المرْوِي. وهو منهج صرح به مالك مرارا، فكان مثلا يقول: سمعت من ابن شهاب (أي الزهري المتوفى 124هـ) أحاديث لم أحدِّث بها إلى اليوم. فسأله إسحق بن محمد ‌الفَرْوي (ت 226 ه) عن السبب، فقال: "لم يكن العمل (أي عمل أهل المدينة) عليها فتركتُها"[10]. وهذا التوجه لم يبتدعه مالك بل صرح مرارا بأنه أخذه عن علماء المدينة من التابعين، الذين ورثوه عن الصحابة. فحدَّث مالك قائلا: "قد كان رجال من أهل العلم من التابعين يحدّثون بالأحاديث وتبلغهم عن غيرهم، فيقولون: ما نجهل هذا، ولكن مضى العمل على غيره"[11].

وعمل أهل المدينة نوعان؛ فمنه ما طريقه النقل، ومنه ما طريقه الاجتهاد. وإن كان العلماء متفقين على اعتماد الأول، فإن هناك اختلافا بينهم في الأخذ بالثاني.

روى القاضي عياض اليحصبي أن "الموطأ" كان حوالي عشرة آلاف حديث، فلم يزل ينظر فيه مالك كل سنة، "ويخلِّصها عاما بعد عام، بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين وأمثل في الدين"[13]، فظل يُسقط من تلك الآلاف حتى بقي "الموطأ" في حدود ألف وبضع مئات ما بين الأحاديث المسنَدة والمُرْسَلة

لكن مالكا نظر إلى هذا النوع الثاني على أساس ما توفر للمدينة المنورة من الخصائص والمميزات مما لم يتوفر لمدينة أخرى. فقد كان الصحابة الكرام -من موقع المشاهدة والمعايشة- أعرَفَ من غيرهم بأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم، وبمقاصد التشريع والأسباب والقرائن المحتفَّة بالتصرفات النبوية، فكان جزء من العمل المنقول عنهم تنزيلا مقاصديا لتلك التصرفات، واجتهادا موجَّهاً لها التوجيهَ السليم، فكانوا بحق كما يقول أبو الوليد ابن رشد الحفيد (ت 595هـ) "أقعد بمفهوم الأحوال ودلالات الأقوال"[12]، بينما تُروى تلك الأحاديث والأحوال النبوية في الأمصار الأخرى في كثير من الأحيان عارية عن ملابساتها وسياقاتها. والكلام خارجَ سياقه قد يبتعد عن مفهومه الصحيح. وإذا كان ذلك الاجتهاد المدني التنزيلي عملا ثابتا، وخصوصا قبل مقتل الخليفة عثمان بن عفان، مستمرا بعده، ظاهرا معمولا به؛ فهو حُجّة عند الإمام مالك، يعتمده في فهم النص وتوجيهه. وتُثبِت الأمثلة التي وردت عنه أن هذا النوع من العمل يكون مرجِّحا لكون بعض التصرفات النبوية -التي يخالفها هذا العمل المدني- صادرا من مقام غير مقام التشريع العام، وذلك انطلاقا من مجمل القرائن المحيطة.

وكان مالك كثير المراجعة والتفتيش فيما يرويه من أحاديث؛ فكان يُسقِط -مع مرور الوقت- ما يبدو له فيه عيب في رُوّاته أو شذوذ فيه أو غرابة، أو يخالف العمل المدني، أو غير ذلك.

وقد روى القاضي عياض اليحصبي أن "الموطأ" كان حوالي عشرة آلاف حديث، فلم يزل ينظر فيه مالك كل سنة، "ويخلِّصها عاما بعد عام، بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين وأمثل في الدين"[13]، فظل يُسقط من تلك الآلاف حتى بقي "الموطأ" في حدود ألف وبضع مئات ما بين الأحاديث المسنَدة والمُرْسَلة، وبلاغات مالك، وآثار الصحابة والتابعين، حتى قال الإمام الحافظ يحيى بن سعيد القَطّان (ت 198هـ): كان علم الناس في زيادة، وعلم مالك في نقصان[14].

ولا يعني عدمُ اعتماد الحديث من قِبَل الإمام مالك -بسبب مخالفته للعمل المدني- تكذيبَه والحكمَ بعدم صحته، بل نص تلميذه عبد الرحمن بن القاسم (ت 191هـ) على أنه لا يَعمَل به ولا يكذِّبه. يقول وقد سُئل عن حديث ليس عليه العمل عند المالكية: "قد جاء هذا، وهذا حديث لو كان صحبه عملٌ -حتى يصل ذلك إلى مَن عنه حملنا وأدركنا، وعمن أدركوا- لكان الأخذُ (به) حقًّا. ولكنه كغيره من الأحاديث مما لا يصحبه عمل". ثم ذَكر أمثلةً من ذلك، وقال: "ورُوي عن غيره من أصحابه أشياء، ثم لم يستند ولم يَقْوَ، وعمِل بغيرها، وأخذ عامة الناس والصحابة بغيرها، فبقي غيرَ مكذّب به، ولا معمول به، وعمل بغيره مما صحِبتْه الأعمالُ (أي عمل أهل المدينة)، وأخذ به تابعو النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة، وأخذ به من التابعين على مثل ذلك، من غير تكذيب ولا ردٍّ لما جاء ورُوي. فيترك ما ترك العمل به، ولا يكذب. ويعمل بما عمل به، ويصدق به"[15] .

إذن فتلك الأحاديث -التي لم يأخذ بها مالك- لا يكذب بها ولكنه لا يعمل بها، أي أنها صحيحة لكنها ليست تشريعية، لأن التصرف التشريعي هو الذي يُطلب من المسلم العملُ به طاعة لله تعالى. وهل هذا إلا تمييز مبكر بين تصرفات نبوية تشريعية وأخرى غير تشريعية؟؟

لذلك فإن فقه مالك بن أنس ومنهجه في الأخذ بالأحاديث وضع البذور الأولى للتصنيف المنهجي للتصرفات النبوية، كما أبدع فيه -بعد ذلك بقرون- شهابُ الدين القرافي المالكي (ت 684هـ).

ابن رشد والشاطبي يؤطران أصل اعتبار العمل المدني

يظهر إذن أن أهمية عمل أهل المدينة تتجاوز مجرد تصحيح هذا الحديث أو ذاك وترجيح ما يتضمنه من أحكام جزئية، إلى توفير أساس صلب لمنهج التعامل مع النصوص النبوية، والتمييز بينها من حيث دلالتها التشريعية. وقد يكون أبو الوليد بن رشد (ت 595iهـ) قد أشار إلى قريب من ذلك عندما اعتبر  عمل أهل المدينة قرينة مختلفة القوة حسب الموضوع المعني، وحسب السياق والقرائن المصاحِبة. يقول بعد أن شكك في كون عمل أهل المدينة "دليلا شرعيا"، مرجِّحا كونَه أداةً منهجية للتعامل مع النص النبوي: "وبالجملة؛ العملُ لا يُشَكُّ أنه قرينة إذا اقترنت بالشيء المنقول إن وافقته أفادت به غلبةَ ظنٍّ، وإن خالفته أفادت به ضعفَ ظنٍّ. فأما هل تبْلغُ هذه القرينة مَبلغا تردّ بها أخبار الآحاد الثابتة؛ ففيه نظر. وعسى أنها تبلغ في بعض ولا تبلغ في بعض، لتفاضل الأشياء في شدة عموم البلوى بها، وذلك أنه كلما كانت السُّنة الحاجةُ إليها أمسَّ، وهي كثيرة التكرار على المكلَّفين، كان نقلها من طريق الآحاد -من غير أن ينتشر قولاً أو عملاً- فيه ضعفٌ، وذلك أنه يوجِب أحدَ أمرين: إما أنها منسوخة، وإما أن النقل فيه اختلال"[16].

أطّر أبو إسحق الشاطبي (ت 790) مفهوم العمل المدني بدقة وعمق[17] عندما قسّم التصرفات النبوية وفق معيار العمل بها من قِبل السَّلف من الصحابة والتابعين. وهكذا أكد أن أي دليل شرعي إما "أن يكون معمولا به في السلف المتقدمين دائما أو أكثريا، أو لا يكون معمولا به إلا قليلا أو في وقت ما، أو لا يثبت به عمل"

فالراجح -حسب ابن رشد- أن عمل أهل المدينة ليس مصدرا من مصادر التشريع، ولكنه قرينة تعين على فهم التصرفات النبوية على وجهها الصحيح، في تفاعل مع القرائن الأخرى المحيطة بالنص. ومن هنا فغير دقيق أنْ نقول بأن مالكا يردّ خبر الآحاد إذا خالف عملَ أهل المدينة، هكذا بإطلاق؛ بل قد يردّه به وقد لا يرده، على حسب قوة ثبوت الخبر، ودرجة عمل أهل المدينة، إضافة إلى مجمل الأدلة والقرائن الشرعية الأخرى المحتفّة بالنص والمعبِّرة عن سياقه.

فهذه الحيوية في تفاعل قرينة العمل المدني بالنص المنقول، تبيّن أن ذلك العمل ليس كله على مستوى واحد، فقد فرّق مالك بين أنواعه وبين درجاته. وهو قرينة كما تؤثر في درجة ثبوت النص النبوي قوةً وضعفا، تفيد أيضا -وربما أساسا- في الدلالة على درجة إفادته للتشريع العام. وهو تأسيس لمنهجية في التعامل مع النص النبوي، من حيث إفادته التشريع العام، أو عدم إفادته إياه.

وقد أطّر أبو إسحق الشاطبي (ت 790) مفهوم العمل المدني بدقة وعمق[17] عندما قسّم التصرفات النبوية وفق معيار العمل بها من قِبل السَّلف من الصحابة والتابعين. وهكذا أكد أن أي دليل شرعي إما "أن يكون معمولا به في السلف المتقدمين دائما أو أكثريا، أو لا يكون معمولا به إلا قليلا أو في وقت ما، أو لا يثبت به عمل". فهذه ثلاثة أقسام.

أما القسم الأول حيث يَقترن القولُ النبوي بعمل السلف المتقدمين؛ "فلا إشكال في الاستدلال به ولا في العمل وفقه، وهي السنة المتَّبَعة والطريق المستقيم".

أما القسم الثاني فهو الذي لم يقترن القول النبوي بالعمل به "إلا قليلا أو في وقت من الأوقات أو في حال من الأحوال"، ووقع إيثار غيره والعمل به دائما أو أكثريا. فهذا الغير هو "السنة المتَّبَعة". ويجب التثبت من سبب تركهم العمل بالقول النبوي، فهو لا بد أن يكون لمعنى شرعي. وهذا القسم أنواع، على أساس أن الحديث المرْوِي يُحتمل أن يكون ورَد بيانا لحدود أو أوقات، فتكون في شكلها مؤقَّتة لا دائمة، ويُحتمل أن يكون "خاصا بزمانه أو بصاحبه الذي عمِل به، أو خاصا بحال من الأحوال"، أو غير ذلك.

والقسم الثالث هو الذي لا يثبت عن الأولين أنهم عملوا به، فهو أشد مما قبله. فما كان عليه السلف المتقدمون هو "السنة والأمر المعتبَر".

ويذهب الشاطبي إلى أن "العمل" بأحد الحديثيْن المتعارضيْن "دليل على أنه ناسخ للآخر". وأورد هنا قول ابن شهاب الزهري: أعيا الفقهاءَ وأعْجَزَهم أن يعرفوا حديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسخَه ومنسوخَه. ثم أضاف الشاطبي قائلا: "ولما أخذ مالك بما عليه الناس وطرح ما سواه، انضبط له الناسخ من المنسوخ على يُسْرٍ". ونشير هنا إلى أن مفهوم النسخ -عند الزهري وعند مالك بن أنس- ليس هو المفهوم الأصولي المتأخر، وإنما يتضمن كل صَرْفٍ للنص عن ظاهره؛ كما ضبط ذلك العلماء وفي مقدمتهم الشاطبي.

إن الشاطبي هنا يوضح أمرين منهجيين اعتمدهما الإمام مالك هما:

تصنيف التصرفات النبوية إلى ما هو سنة متّبعة وما ليس كذلك (أي إلى ما هو تشريع وما ليس تشريعا)، بناء على معيار موافقتها للعمل المدني من عدمه. اعتبار مخالفة تلك التصرفات للعمل المدني دليلا على كونها "منسوخة" بالمفهوم العام الذي أشرنا إليه.

ونستنتج من هذا أن العمل المدني إذا اقترن بتصرف نبوي معيَّن يُعتبَر -وفق هذا المفهوم- قرينةً إن وافقته دعمت أكثرَ كونَه من التشريع العام، وإن خالفته أفادت -وفق شروط معيّنة- أنه ليس كذلك. فقد يكون ذلك التصرف النبوي وسيلة لمقصد شرعي، يلزم تغييرها لكونها لم تعُد قادرة على تحقيق ذلك المقصد، وقد يكون تصرفا صدَر من مقام المسؤولية السياسية (مقام الإمامة) وانتهت المصلحة المقتضية له، أو صدر عن حال الجِبِلِّيَّة أو العرفية أو الاجتهاد المصلحي الدنيوي، أو غيرها من المقامات والأحوال. وهذا التصرف لا يكون حينئذ مفيدا للحكم الشرعي الديني الملزِم للأمة، وإنما يمكن للمسلمين ابتكار وسائل وإجراءات أخرى تحقق المقاصد الشرعية ذاتها، دون الجمود على الوسائل التي تحققت بها في العصر النبوي. وسنرى بعد قليل أمثلة لبعض هذه الأنواع من فقه الإمام مالك.

والأحكام الواردة في النصوص النبوية التي لم يعمل بها الإمام مالك، وإن استند في كثير منها إلى عمل أهل المدينة؛ فإنه -في الحقيقة- يأخذ بعين الاعتبار أيضا مختلف الأدوات المنهجية الأخرى، وفي مقدمتها: معارضة ظاهر القرآن أو القياس أو أصل قطعي[18]. وكان هذا موضوع نقاش مستمر بين الأصوليين عبر القرون. ويختصر القاضي أبو بكر بن العربي المَعافِري (ت 543هـ) ذلك بقوله: "إذا جاء خبر الواحد معارِضاً لقاعدة من قواعد الشرع؛ هل يجوز العمل به أم لا؟ فقال أبو حنيفة: لا يجوز العمل به، وقال الشافعي: يجوز العمل به، وتردد مالك في المسألة، ومشهور قوله -والذي عليه المُعوَّل- أن الحديث إذا عضدته قاعدة أخرى قال به، وإن كان وحده ترَكه"[19]. لكن الأدق أن نقول إن مالكا يعتمد مختلف الأدوات المنهجية الممكنة وتضافُرَ بعضها مع بعض، إلى أن يغلب على ظنه أن التصرف النبوي يُعمَل به أو لا يعمل به.

إن الإمام مالك بن أنس قد دشّن -بهذه المنهجية الغنية التي اعتمدها للتعامل مع النص النبوي- نقلة نوعية في تاريخ التشريع الإسلامي، وفي تاريخ علوم السنة النبوية على وجه الخصوص، ووضع منهجية مرنة في التعامل مع تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم، واستحق بذلك وبحق لقبَ "أمير المؤمنين في الحديث" الذي أطلقه عليه عدد من علماء السلف. كما بلور بذلك أسس الاجتهاد المواكِب لحركة الواقع وإحدى اللبنات المهمة للتجديد الإسلامي.

بالمثال يتضح المقال

لقد تتبع عدد من الباحثين المعاصرين المسائل التي اعتمد فيها الإمام مالك عمل أهل المدينة، ويظهر من ذلك كثرتُها وتنوعُها حسب المعايير التي رأيناها لدى أبي إسحق الشاطبي. والذي يهمنا -في هذه المقالة- هو استعراض بعض الأمثلة الواضحة لاعتماد مالك عمل أهل المدينة لصرف التصرف النبوي عن التشريع العام إلى غيره[20].

  1. التسعير

فقد اعتبر الإمام مالك أمر التسعير مرتبطا باجتهاد الإمام على الرغم من ورود الحديث المشهور الذي رفض فيه الرسول صلى الله عليه وسلم التدخل لتحديد أسعار السلع قائلا: "إنّ الله هو المُسعِّر القابض، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمَظْلمة في دم ولا مال"[21]. فقال مالك حين سُئل عن التسعير: "إذا سعَّر الإمام عليهم -قدْرَ ما يرى من شرائهم- فلا بأس، ولكن أخاف أن يقوموا من السوق"[22]. وكثيرون حرّموا التسعير بناءً على الحديث، يقول محمد بن إبراهيم الشوكاني (ت 1250ه): "وقد استدل بالحديث -وما ورد في معناه- على تحريم التسعير وأنه مَظلمة"[23]. كما رد الشوكاني اجتهاد مالك قائلا: "ورُوي عن مالك أنه يجوز للإمام التسعير، وأحاديث الباب تردّ عليه"[24]. لكن آخرين ذهبوا إلى رأي مالك؛ فهذا ابن تيمية يجعل الحديث واردا في قضية خاصة، يقول: "من احتج على منع التسعير مطلقاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو المسعِّر…»، قيل له: هذه قضية معيَّنة، وليست لفظاً عاماً"[25].

جلسة الاستراحة في الصلاة عند الإمام مالك ليست سنة وليست مستحبة، على الرغم من ورود الحديث الصحيح بذلك. وهي جلسة خفيفة يجلسها المُصلي بعد الفراغ من السجدة الثانية من الركعة الأولى، وبعد الفراغ من السجدة الثانية من الركعة الثالثة، قبل النهوض إلى الركعة الموالية

2. سلب القتيل

وروى مالك -في موطئه- عن أبي قتادة قوله صلى الله عليه وسلم في إحدى الغزوات: "مَن قَتل قتيلا -له عليه بينةٌ- فله سَلَبُه"[26]؛ والسَّلَبُ هو ما يكون لدى الجندي المحارِب من سلاح ومتاع وثياب وغيرها. قال مالك: "لا يكون ذلك لأحد بغير إذن الإمام، ولا يكون ذلك من الإمام إلا على وجه الاجتهاد"[27]. وهو ما عبر عنه شهاب الدين القرافي بأن مذهب مالك أن "هذا تصرفٌ من النبي صلى الله عليه وسلم بالإمامة"[28]. وقارن العالم الشافعي ابن دقيق العيد (ت 702هـ) بين رأي مالك والشافعي في المسألة؛ فقال: "الشافعي يرى استحقاقَ القاتلِ للسَّلَبِ حُكمًا شرعيًا، (…) ومالكٌ وغيرُه يرى أنه لا يستحقُّه بالشرع، وإنما يستحقُّه بصرْف الإمام إليه نظرًا"[29]. فوضع ابن دقيق العيد تصرُّفَ الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمامة مقابِل تصرُّفه بالشرع.

3. جلسة الاستراحة:

وجلسة الاستراحة في الصلاة عند الإمام مالك ليست سنة وليست مستحبة، على الرغم من ورود الحديث الصحيح بذلك. وهي جلسة خفيفة يجلسها المُصلي بعد الفراغ من السجدة الثانية من الركعة الأولى، وبعد الفراغ من السجدة الثانية من الركعة الثالثة، قبل النهوض إلى الركعة الموالية. ومستند ذلك عند مالك أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما فعلها لمّا "ثقُلت حركة أعضائه لارتفاع سِنِّه"، فهي تصرف "عادي لا شرعي"[30]. ورجح كثيرون اجتهاد الإمام مالك، منهم ابن قيم الجوزية الذي يقول: "ولا ريب أنه صلى الله عليه وسلم فعلها، ولكن هل فعلها على أنها من سُنن الصلاة وهيئاتها كالتجافي وغيره، أو لحاجة لمّا أسنَّ وأخَذَه اللحم؟ وهذا الثاني أظهر…"[31].

4. الاضطجاع بعد ركعتي الفجر:

وثبت عن عائشة أم المؤمنين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى ركعتيْ الفجر اضطجع على شقه الأيمن[32]؛ فذهبت طائفة من العلماء -في مقدمتهم الإمام الشافعي- إلى أن الضجعة بعد ركعتيْ الفجر سُنَّة يُستحب العمل بها، لكن الإمام مالكا وآخرين ذهبوا إلى أن هذه الضجعة إنما كان صلى الله عليه وسلم يفعلها للراحة من تعب القيام، فكرهوها ولم يجعلوها سُنة. وروى المالكية عن الإمام مالك قوله: من فعلها راحة فلا بأس بذلك، ومن فعلها سنة وعبادة فلا خير في ذلك[33]. ووافق الحنفية المالكية في هذا المسلك، وهو ما عبر عنه إمام الحنفية في عصره ابن عابدين (ت 1252هـ) بعد عرض أدلة كل طرف، فقال: "وحاصله أن اضطجاعه عليه الصلاة والسلام إنما كان في بيته للاستراحة لا للتشريع"[34]. فالحديث صحيح، لكن القرائن لدى مالك وأبي حنيفة ترجح كونه فعلا جبليا بشريا من الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس تشريعا عاما.

5. الانتعال قائما:

وثبت عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينتعل الرجل وهو قائم[35]. وقد سُئل مالك عن الانتعال قائما فقال "لا بأس بذلك". وشرح أبو الوليد محمد ابن رشد (الجَدُّ) قوله هذا بأن النهي لا وجه له إلا بسبب "ما يُخشى على فاعله من السقوط إذا قام على رجله الواحدة" أثناء انتعاله الأخرى. فإذا أمِنَ المسلمُ من المفسدة المترتبة عليه وقَدَر عليه "جاز له أن يفعله، ولم يكن عليه فيه بأس". ثم قال ابن رشد: "وهو نهيُ أدَبٍ وإرشادٍ لهذه العلة"[36]. وهذا النوع من النهي في النصوص الشرعية قد بيّن الأصوليون أنه نهيٌ لمصلحة دنيوية وليس لمصلحة دينية[37]، وبالتالي لا يُطلق عليه أنه سُنة ولا تشريع، ولا يقال إنه مستحب[38].

6. معانقة القادم من سفر:

ولم يأخذ مالك بحديث عبد الله بن عمر أن جعفر ابن أبي طالب لما رجع من هجرة الحبشة اعتنقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبّل بين عينيه[39]. واعتبر ذلك التصرف خاصا بجعفر، وكرِه للرجال المعانقة والقُبلة بين العينين. وقد ناقشه الإمام الحافظ سفيان بن عيينة (ت 198ه) لما التقى به، فصافحه مالك قائلا: "يا أبا محمد لولا أنها بدعة لعانقناك"، فقال سفيان: عانقَ خيرٌ منك ومنا النبي عليه السلام، قال مالك: جعفر، قال: نعم، قال مالك: "ذلك حديث خاص يا أبا محمد، ليس بعام"[40]. واعتمد مالك في ذلك على كون ذلك التصرف على خلاف عمل أهل المدينة. وصرح بذلك لما سُئل عن تعانق الرجلين إذا قدِم أحدهما من سفر، فقال: "ما هذا من عمل الناس"[41].

فهذه أمثلة لتصرفات نبوية لم يعمل بها الإمام مالك لمعارضتها عمل أهل المدينة، أو قاعدة من القواعد الشرعية الثابتة، أو غيرهما من أدلة الشرع، وصرفها عن التشريع العام إلى التصرف بالإمامة، أو بالجِبِلَّة، أو الإرشاد الدنيوي، أو التصرف الخاص بشخص. وهو بذلك وضَع أسُسَ التمييز بين التصرفات النبوية على أساس دلالتها التشريعية. وليس المهم هنا الحسم في تلك التصرفات النبوية وفي وجه صدورها عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن المهم هو تلمُّس المنهج الذي سلكه الإمام مالك لفهمها وتأويلها التأويلَ الأكثر انسجاما في رأيه مع الشرع ومقاصده.

والملاحَظ في نصوص العلماء -الذين أوردنا أقوالهم- أنهم لا يَعتبرون التصرف النبوي الذي لا يُعمل به سُنةً ولا تشريعا، وهو أمر وارد عن كثير منهم في شرحهم لعشرات التصرفات النبوية.

اعتراضات وتفاعلات

شَغَل منهجُ الإمام مالك بن أنس في التعامل مع الأحاديث النبوية -وفق المنهج المذكور- علماءَ الإسلام قديما وحديثا، ما بين موافِق ومخالِف. ولم يَسْلم من النقد في حياته وبعد وفاته. وهذا دأْبُ الناس مع الإبداعات العلمية الكبرى. ومن أوائل من انتقده في حياته الإمام الحافظ الليث بن سعد (ت 175ه) في رسالة مشهورة، وأجابه مالك برسالة أخرى[42]. ونقرأ في كلتا الرسالتين من العلم والأدب الجمّ والخُلق الرفيع ما يليق بالأئمة الكبار. وروى ابن عبد البر النَّمَرِيُّ (ت 463هـ) عن الليث بن سعد أنه قال: "أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، مما قال مالك فيها برأيه"[43]. وعقّب ابن عبد البر على ذلك قائلا: "ليس أحد من علماء الأمة يُثبت حديثا عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ثم يرُدُّه دون ادّعاءِ نسخِ ذلك بأثرٍ مثلِه، أو بإجماع، أو بعمل يجب -على أصله (أي أصول مذهبه)- الانقيادُ إليه، أو طعنٍ في سنده؛ ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته، فضلا عن أن يُتَّخَذ إماما، ولزِمه اسمُ الفسقِ".

وأملى محمد بن إدريس الشافعي (ت 204هـ) رسالته التي عُنْوِنتْ بــ: "اختلاف مالك والشافعي رضي الله عنهما"، فاتهم فيها مالكا بالاضطراب في الأخذ بخبر الواحد، فكان يوافقه مرة ويخالفه أخرى، وانتقد أخذه بعمل أهل المدينة في مقابل الحديث؛ يقول: "نُثْبتُ الحديث عن النبي ﷺ وإن لم يُعمل به بعدَه استغناءً بالخبر عن رسول الله ﷺ عما سواه"[44]، واتهم مالكا -وإن كان لا يسميه- في بعض المواضع بترْك السنة. لكن الكتاب كله قمة في أدب الاختلاف واحترام المخالف، كيف ومالك أستاذه وشيخه، وقد أثنى عليه كثيرا.

ومما عابه الكثيرون على الإمام مالك ترك العمل بالحديث الذي رواه هو نفسه عن نافعٍ عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "المُتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار"[45]؛ فقد قال مالك بعد رواية الحديث: "ليس لهذا عندنا حدٌّ معروف ولا أمرٌ معمول به فيه". ووصل الانتقادُ في ذلك حِدَّةً كبيرة في حياته. فقد سأله رجل: لمَ رويت حديث "البَيِّعان بالخيار" في الموطأ ولم تعمل به؟ فقال مالك: ليعلم الجاهل مثلك أني على عِلْمٍ تركتُه! وقال له آخر: يا أبا عبد الله، هل عرفتَ حديث "البَيِّعان بالخيار"؟ فقال له مالك: نعم، وأنت تلعب مع الصبيان في البقيع[46]!

لكن أكثر ردود الفعل حدة جاءت من عالم آخر بالمدينة المنورة، هو ابن أبي ذئب (ت 159ه)؛ إذ قال لمّا قيل له إن مالكا لا يأخذ بهذا الحديث: "يُستتاب مالك، فإن تاب وإلا ضُرِبتْ عنقُه"[47]. وقد ساق شمس الدين الذهبي (ت 748هـ) كلامه ثم أورد قول أحمد بن حنبل (ت 241هـ) عن ابن أبي ذئب: "هو أوْرَعُ وأقْوَلُ -بفتح الألف وسكون القاف وفتح الواو- بالحق من مالك". وهو ما عقّب عليه الذهبي بعد ذلك -منصفا الإمام مالكا- بقوله: "لو كان ورِعاً -كما ينبغي- لما قال هذا الكلام القبيح في حق إمام عظيم، فمالكٌ إنما لم يعمل بظاهر الحديث لأنه رآه منسوخا. وقيل: عمِل به وحمَل قوله: «حتى يتفرقا» على التلفظ بالإيجاب والقبول، فمالك في هذا الحديث -وفي كل حديث- له أجر ولابدّ، فإن أصاب ازداد أجرا آخر (…)"[48].

وقد بينا -في موضع آخر- رأْيَنا بصواب اجتهاد مالك في كثير من الأمثلة التي استعرضناها[49]، والتي لم يعمل فيها مالك بالحديث المروِي مقابل الأدلة التي يعتبرها صارفة له عن التشريع العام، وخصوصا تلك المرتبطة بالمعاملات الاقتصادية والتجارية. وقد يكون ذلك المنهج وتأثيره على فهم نصوص السنة النبوية من الأسباب التي جعلت تقي الدين ابن تيمية (ت 728هـ) يقرر في غير ما موضع أن "(…) أهل المَدينة أصحّ أهل المُدن روايةً ورأياً"[50]، وأن "(…) أصول مالك في البيوع أجودُ من أصول غيره"[51].

إبداع القرافي في تصنيف التصرفات النبوية

وفي القرن السابع من الهجرة أبدع الفقيه المالكي والأصولي ذو العقلية الفذة شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي (ت 684هـ) تصنيفا دقيقا للتصرفات النبوية، وشرح به عددا من اجتهادات مالك التي يترك فيها العمل بالحديث لواحد أو أكثر من الأسباب التي ذكرناها. وهو في ذلك طوّر قاعدة أوردها باقتضاب أستاذه وشيخه العز بن عبد السلام (ت 660هـ) في كتابه "قواعد الأحكام في مصالح الأنام". فقسم القرافي التصرفات النبوية من حيث دلالتها التشريعية إلى تصرفات صادرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم من مقامات الرسالة، أو الفتيا، أو القضاء، أو الإمامة. وشرح تأثير ذلك على فهم عدد من النصوص النبوية.

ويَعتبر القرافي التعرف على المقام الذي يصدر عنه التصرف النبوي ضروريًّا لفقه الأحاديث النبوية فقها سليما. فهو عنده منبعُ علمٍ كثير ومَدْرَكٌ حَسَنٌ للمجتهدين؛ يقول بعد استعراضه أمثلة تشرح تأثير الاختلاف في تطبيق القاعدة في فهم العلماء لبعض التصرفات النبوية: "ونظائر هذه المسألة كثيرة في الشريعة، فتفَقَّدْه تجدْه وتجدْ فيه علما كثيرا ومَدْرَكا حَسَنا للمجتهدين"[52]. ويَعتبر قاعدة التمييز بين التصرفات "قاعدة شريفة"، "يتخرج عليها شيء كثير في الشريعة"[53]. كما يعدّها من الأصول الشرعية وقانونا ينطبق على مختلف التصرفات النبوية. فبعد أن سَرَدَ أنواع تصرفاته صلى الله عليه وسلم والفروق بينها، قال: "وعلى هذا القانون وهذه الفروق يتخرج ما يرِدُ عليك من هذا الباب من تصرفاته صلى الله عليه وسلم، فتأمّل ذلك فهو من الأصول الشرعية"[54].

لقد دشَّن القرافي بعمله مرحلة جديدة في التعامل مع التصرفات النبوية والتمييز بين أنواعها، وبقي مَن بعده عالةً عليه فيها بدون منازع. فسرعان ما نقلت كتب الأصول والقواعد من مختلف المذاهب الفقهية في القرنين المواليين (أواخر القرن السابع الهجري وطيلة القرنين الثامن والتاسع) كلامه -مختصرا أو مفصلا (بالحرف أو بالمعنى)- واعتمدته، لكنها قليلا ما تزيد على تحقيقاته وعلى الأمثلة التي استدل بها[55].

وأحيا كثير من العلماء في القرن الرابع عشر الهجري عملَ القرافي، وعرّفوا به واعتمدوه. وكان محدِّث مصر الأستاذ أحمد محمد شاكر (ت 1377هـ) قد اقترح -في حديث له عن تقنين الشريعة– إنشاء لجنة فقهية تتكلف بالتقنين، ترأسها لجنة عليا تقوم -من بين ما تقوم به- بدراسة مسائل أصول الفقه. وجعَل من بينها أن "تحقِّق القاعدةَ الجليلة الدقيقة، التي لم يحققها أحد من العلماء المتقدِّمين فيما نعْلم؛ إلا أن شهاب الدين القرافي أشار إليها إشارة موجزة في الفرق السادس والثلاثين من كتاب الفروق". ثم ذكر قاعدة التمييز بين تصرفاته صلى الله عليه وسلم وقال: "وهو بحث أساسي لدرْس الأحاديث والاستدلال بها درْسا صحيحا، فيُفرَّق بين الأحاديث التي لها صفة العموم والتشريع، وبين الأحاديث التي جاءت عن رسول الله تصرُّفاً منه بالإمامة، فليست لها صفة العموم والتشريع، بل المرجع في أمثالها إلى ما يَأمر به الإمام من المصالح العامة، وبين الأحاديث في أقضية جزئية، تصرُّفا منه صلى الله عليه وسلم بالقضاء، فيكون الحديث عن قضية بعينها، يُستنبط منه ما يسمى في عصرنا «المبدأ القضائي»"[56]. فجعل أحمد محمد شاكر التصرفات بالإمامة وبالقضاء تصرفات غير تشريعية، ما دامت "ليست لها صفة العموم والتشريع".

وهذه الدعوة -من هذه القامة الشامخة في علم الحديث- هي من بين ما جعلني شخصيا أهتم بالموضوع، وأحاول التوعية بتأثيره على فهم السنة النبوية، كما اهتمّ به عدد متزايد من العلماء والباحثين في العقود الأخيرة.

ختام

إن كثيرا من تخبطات العقل المسلم اليوم وتشديداته في الدين ناتج عن هذا الخلط بين مستوييْ التشريع الديني والتصرف الدنيوي من تصرفاته عليه الصلاة والسلام، مما أوقع جماهير من المسلمين في الحرج الشديد.

وقد رأينا أن ذلك التمييز يخضع لدى الإمام مالك بن أنس لمنهج دقيق وقواعد واضحة، واستقراء للقرائن المحيطة بالنص النبوي، وليس خاضعا للهوى أو العشوائية. ومن الضروري اليوم اعتبار المقام الذي يصدر عنه التصرف النبوي -تشريعيا أو غير تشريعي- أمرا مركزيا في تصنيف وفهم السنة النبوية، والعمل على الاستمرار في تطوير قاعدة التمييز بين التصرفات النبوية نظرا وتطبيقا.

 

المصادر

[1]  – المنهج الوسط في التعامل مع السنة النبوية، 27 – 44

[2]  – أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه (كتاب الحج/ باب استحباب نزول المُحَصِّب …).

[3]  – أخرجه مسلم (كتاب الحج/ باب استحباب نزول المُحَصِّب…)، والتحصيب: النزول بالمُحَصِّب، وهو الشِّعْب الذي مخرجه إلى موضع الأبطح بين مكة ومنى.

[4]  – زاد المعاد في هدي خير العباد، 3/ 294.

[5]  – انظر المزيد من التوضيح في: المنهج الوسط في التعامل مع السنة النبوية، ص 33 – 41. والعلماء الذين اعتمدوا تعريف السنة لدى المحدِّثين، من الطبيعي أن يتحدثوا عن سُنن تشريعية وسنن غير تشريعية، فالخلاف اصطلاحي غير ذي تأثير في جوهر الموضوع.

[6]  – شرح علل الترمذي، ص 29

[7]  – الفصول في الأصول، 3/ 113

[8]  – الفصول في الأصول، 3/ 121

[9] –  المجموع شرح المهذب، 1.64/

[10]  ـ ترتيب المدارك، 1/ 186.

[11]  ـ ترتيب المدارك، 1/ 45.

[12]  – بداية المجتهد، 1/ 305.

[13]  ـترتيب المدارك، 2/73.

[14]   نفسه.

[15]  – المدونة، 2/ 118.

[16]  – بداية المجتهد، 1/ 174.

[17]  ـ الموافقات، 3/ 56 ـ 75

[18] – أطال الشاطبي في مناقشة حجية خبر الآحاد إذا خالف أصلا مقطوعا به، انظر مثلا: الموافقات: 3/ 189 وما بعدها.

[19] – القبس، 2/ 812

[20] – انظر أيضا كتابنا: جهود المالكية في تصنيف التصرفات النبوية، ص 41 – 54

[21] – أخرجه أبو داود (كتاب البيوع/ باب في التسعير) والترمذي (كتاب البيوع/ باب ما جاء في التسعير) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (كتاب التجارات/ باب من كره أن يسعر)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": ٢/١٣٥، وفي "غاية المرام": ١٩٤.

[22] ـ المنتقى لأبي الوليد الباجي، 5/ 18.

[23]  ـ نيل الأوطار، 4/ 248

[24]  ـ نيل الأوطار، 6/ 600

[25]  ـ مجموع الفتاوى (28/95)، وانظر: الطرق الحكمية  (1/374).

[26] ـ   الموطأ (الجهاد/ باب ما جاء في السلب في النقل)

[27] ـ   وانظر نحوه في جواب لمالك في المدونة الكبرى،  2/ 29 .

[28]  ـ الإحكام، ص 117.

[29]  – إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، 2/ 307

[30]  – أحمد زروق (ت 899ه): شرح متن الرسالة، 1/227

[31]  – كتاب الصلاة،

[32]  – أخرجه البخاري (كتاب التهجد/ باب الضجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر) …………………..

[33]  – أبو الوليد الباجي: المنتقى 1/ 215

[34]  – رد المحتار على الدر المختار (2/ 20)

[35]  ـ  أخرجه الترمذي (كتاب اللباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب لبس النعل قائما) عن أبي هريرة وعن أنس بن مالك، وابن ماجه (كتاب اللباس، باب نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينتعل الرجل قائما) عن ابن عمر وأبي هريرة، وأبو داود عن جابر بن عبد الله.

[36]  ـ البيان والتحصيل، 18/50 و437.

[37] – انظر مثلا: أبو حامد الغزالي، المستصفى، 2/69 ـ بدر الدين الزركشي: البحر المحيط، 2/ 356، تاج الدين السبكي، الإبهاج، 2/17.

[38]  – انظر مثلا: أبو بكر بن العربي: المسالك في شرح موطأ مالك، 7/ 350، محمد رشيد رضا: تفسير المنار، 9/ 858 – 859، و و634.

[39]  ـ  أخرجه الحاكم في المستدرك (كتاب التطوع/ باب صلاة التسبيح)، وصحح إسناده ووافقه الذهبي، وأخرجه أبو داود مرسلا بمعناه (كتاب الأدب/ قُبلة ما بين العينين).

[40]  ـ البيان والتحصيل، 17/ 88.

[41]  ـ البيان والتحصيل، 18/ 205.

[42]  – الرسالتان رواهما يحيى بن معين في كتابه "التاريخ"، 4/ 487 – 501

[43]  – جامع بيان العلم وفضله، 1/ 148

[44]  – الشافعي: الأم، كتاب اختلاف مالك والشافعي، 7/ 330.

[45]  – موطأ مالك (كتاب البيوع/ باب بيع الخيار) بهذا اللفظ، كما أخرجه البخاري ومسلم بألفاظ مختلفة.

[46] – انتصار الفقير السالك لترجيح مذهب الإمام مالك لشمس الدين الراعي الأندلسي (ت 853هـ)، ص 225.

[47]  – أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، 1/ 539

[48]  – سير أعلام النبلاء، 7/ 142 – 143

[49]  – جهود المالكية في تصنيف التصرفات النبوية، ص 41 وما بعدها.

[50]  – مجموع الفتاوى، 20/ 316 و 320، وانظر: 20/ 311.

[51]  – القواعد النورانية، ص 172.

[52]  – الإحكام، ص 119.

[53]  – الذخيرة، 8/ 213 – 214

[54]  – الفروق، 1/109.

[55]  – انظر: سعد الدين العثماني: جهود المالكية في تصنيف التصرفات النبوية، ص 118 – 124، التصرفات النبوية السياسية، ص 48 و 140 – 142

[56]– حكم الجاهلية، ص 129-130.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.