ما الذي تريده تركيا من الناتو؟

وسط نذر تصعيد روسي تركي بإدلب.. مكالمة بين أردوغان وبوتين
فاجأ الرئيس التركي الحلفاء الغربيين بأن تركيا لا تنظر بإيجابية لطلب انضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو (الجزيرة)

كان أحد أسباب الغزو الروسي لأوكرانيا وأهمها على الإطلاق محاولات أوكرانيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، ولم تأت هذه المحاولة من أوكرانيا نفسها فحسب، بل جاءت أيضًا من الناتو، وكان هدفه الانتقال من الدفاع عن أوكرانيا إلى إنشاء حركة تطويق محتملة ضد روسيا.

على الأقل؛ هكذا كانت نظرة روسيا إلى هذه العملية، وفي الحقيقة لا يمكن اعتبار وجهة نظر روسيا غير محقة في المطلق، لأن وجهة النظر هذه لم تخفها الولايات المتحدة الأميركية، ولم تكن مخفية ضمن خطابات الناتو في التوسع. من ناحية أخرى، صرحت روسيا منذ البداية بأن وجود قاعدة للناتو في أوكرانيا سيُعد تهديدًا وعدوانًا عليها.

كان هذا متوقعًا بالطبع، وكانت مهمة الناتو اتخاذ خطوات للتحضير لمثل هذا الهجوم الذي توقعه من روسيا أساسًا، ولكن بالنسبة لمن ينظر من الخارج فإنه ما لم يكن متوقعًا هو ترك أوكرانيا -بطريقة ما- وحدها في مواجهة العدوان الروسي المتوقع إثر هذه الخطوات التي اتخذها الناتو.

ماذا فعل الدرع الدفاعي للناتو في مواجهة العدوان الروسي؟ كان هذا السؤال الأول الكبير في هذه المغامرة، كان هذا السؤال يوحي بما يكفي بأن أسطورة الناتو ربما تكون قد وصلت إلى نهايتها.

رغم ذلك، وبينما استمر احتلال روسيا لأوكرانيا، رأينا أيضًا كيف أعلنت السويد وفنلندا -على وجه الخصوص- أنهما لن توافقا على عضوية الناتو، ورغم ذلك تقدم كلا البلدين بطلب للحصول على عضوية الناتو.

ربما اعتقدت هاتان الدولتان أن الناتو هو الحل في قضية أوكرانيا، وأنهما ربما أرادتا الحل ذاته لنفسيهما؟ ولكن ما الذي يمكن أن تأملاه وتتوقعاه من حلف الناتو الذي لم يقم بحماية أوكرانيا؟ حتى أنه لم يكد يكون له دور سوى أنه شكل سببًا محفزًا لغزو أوكرانيا.

في الواقع، لطالما تحدثت تركيا عن أبعاد الناتو التي تسببت بالضرر لأعضائه بدلًا من تقديم الخدمة التي يتوقعونها منه، فرغم أن أحد أهم بنود اتفاقية الناتو ينص على أن "أي تهديد أو هجوم ضد أحد الأعضاء سيتم اعتبار أنه موجه ضد جميع الأعضاء"، فإن أعضاء الناتو -ناهيك عن التضامن مع تركيا- كانوا هم السبب والداعم للتهديد الانفصالي الموجه ضد تركيا.

لم تتوقع السويد وفنلندا أبدًا أن تثير تركيا مثل هذا الاعتراض أو أنها قد تتقدم بحق النقض ضدهم، أو ربما يعتقدون أن تركيا دولة تابعة للولايات المتحدة بدل كونها صانع قرار داخل حلف الناتو. والحال أن تركيا مصممة على استخدام هذا الحق والسلطة على أكمل وجه.

بينما كان من المتوقع أن تمنع الولايات المتحدة الأميركية (أقوى عضو في الناتو) أنشطة منظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية ضد تركيا -التي تشكل عضوًا آخر في الناتو- تجدها تدعم هذه المنظمة وتزيد التهديد؛ حيث تدعم الولايات المتحدة الأميركية نفسها حزب العمال الكردستاني الذي يعمل في سوريا تحت اسم حزب الاتحاد الديمقراطي وتمده بكافة أنواع السلاح.

علاوةً على ذلك؛ تم تصنيف هذه المنظمة منظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة الأميركية نفسها، والولايات المتحدة تعرف جيدًا ما يعنيه دعمها لهذه المنظمة لحليفتها في الناتو تركيا. ومن المعروف أن الولايات المتحدة ذاتها تأوي زعيم منظمة "غولن" الإرهابية -التي حاولت تنفيذ انقلاب عسكري في تركيا قبل 6 سنوات- وكافة أركانها القيادية وتضع جميع أنشطتهم تحت حمايتها.

ظل هذا الدعم مفتوحًا دائمًا أمام احتمالية أن يكون للولايات المتحدة الأميركية -بصفتها عضوا في الناتو- دور في هذا الانقلاب العسكري. وهكذا وبالنظر إلى التجربة الأوكرانية، نرى أن حلف الناتو قد تحول إلى أسطورة ليست لها أي مساهمة إيجابية تجاه أعضائه، ناهيك عن أن يعود عليهم بالنفع.

وبينما صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان -بصفته أحد أهم أعضاء الناتو- بأنه لن يوافق على عضوية السويد وفنلندا لم يتقدم بمجرد اعتراض بسيط لدعم هذين البلدين لحزب العمال الكردستاني فحسب، بل لفت الانتباه بهذا الاعتراض إلى حقيقة أن الناتو قد فقد وظائفه، وربما قد فتح الطريق بذلك لمناقشات أكثر تأصلًا.

تأتي السويد وفنلندا على رأس الدول الداعمة لحزب الاتحاد الديمقراطي المنخرط في أنشطة عدائية ضد تركيا التي تعد أحد أهم أعضاء الناتو الذي يريدون الآن الانضمام إليه. وبينما يقدمون أكبر دعم لتواجد حزب العمال الكردستاني في أوروبا، فإنهم يرون أن حزب الاتحاد الديمقراطي حركة حرية في سوريا، ويقدمون له جميع أنواع الدعم المسلح، وبالطبع يُستخدم هذا الدعم أيضًا في الهجمات التي يتم تنفيذها ضد تركيا.

وقدمت السويد طائرات مسيرة إلى حزب الاتحاد الديمقراطي -من المفترض أنها ستستخدم ضد تنظيم الدولة الإسلامية- ويتم استخدامها بالاشتراك مع حزب العمال الكردستاني، وللسبب ذاته قررت الحكومة السويدية دعم حزب الاتحاد الديمقراطي بمبلغ 376 مليون دولار العام المقبل، ولا أحد يستطيع أن ينكر أن هذا الدعم يغذي تهديدًا ضد تركيا.

إنه لسؤال مثيرٌ للاهتمام: كيف تقدمت هاتان الدولتان بثقة -رغم كل ذلك- بطلب الحصول على عضوية في حلف شمال الأطلسي، مع علمهما بأن تركيا تتمتع بحق النقض (فيتو)؟

بصراحة، ربما لم يتوقعوا أبدًا أن تثير تركيا مثل هذا الاعتراض أو أنها قد تتقدم بحق النقض ضدهم، أو ربما يعتقدون أن تركيا دولة تابعة للولايات المتحدة بدلًا من كونها صانع قرار داخل حلف الناتو. والحال أن تركيا مصممةٌ على استخدام هذا الحق والسلطة على أكمل وجه. وبينما تُعرب تركيا عن انتقاداتها بأن الناتو قد فقد جميع وظائفه، فإنها تكشف أيضًا عن تناقضات الناتو وتعارضاته وأوجه قصوره.

إنها بالطبع لا تفعل ذلك بقصد معارضة الناتو؛ فالنتيجة أن تركيا تشكل -بحق- جزءًا من الناتو وتريد أن يعود الناتو إلى مهامه الأساسية، وأن يكون ثابتًا على مواقفه، وأن يلتزم باتفاقية التأسيس، وبالطبع تريد له أن يصبح أقوى، وتُريد أن يمنح الناتو لأعضائه الأمان فعلًا، وأن يشكل درعًا حامية وأن يكون موثوقًا فيه ضد الهجمات الظالمة، وأن يظهر التضامن مع جميع الأعضاء عندما ينشأ تهديد ضد أعضائه.

لا تُريد تركيا الكثير، وترى أنه من الممكن أن تصبح السويد وفنلندا عضوين في الناتو بطريقة يتم فيها تصحيح الهدف التأسيسي له، بدلًا من أن تصبحا عضوين من شأنهما أن يزيدا تناقضات الناتو.