حرب الولايات المتحدة في أوكرانيا (1) التحضير للمعركة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) والرئيس الأميركي جو بايدن (الجزيرة)

100 يوم مرت على بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا يوم 24 فبراير/شباط الماضي، والذي تسبب حتى الآن في أكثر من 46 ألف قتيل، و13 ألف جريح، وتدمير أكثر من 2200 مبنى، وخسائر في الممتلكات تزيد عن 600 مليار دولار، إضافة إلى نزوح وتهجير حوالي 14 مليون إنسان، أي حوالي ثلث السكان البالغ عددهم حوالي 44 مليون نسمة قبل الحرب. يتابع العالم، بكثافة شديدة، تفاصيل الحرب اليومية في وسائل الإعلام، بطريقة حجبت عنه رؤية الحرب الحقيقية التي بدأت في أوكرانيا، حرب الولايات المتحدة للسيطرة والتفوق، حرب لم تبدأ لتنتهي في بضعة أشهر أو سنة أو سنتين، بل ستستمر لعدة سنوات حتى تحقق الولايات المتحدة أهدافها منها. فهل ستتمكن من تحقيقها؟ أم ستنفلت الأمور، وتتجاوز حساباتها، لينزلق العالم إلى هاوية سحيقة، تعلن بداية دورة جديدة من دورات الحياة على هذه الأرض؟

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، أصبحت الولايات المتحدة القطب الوحيد الذي يقود العالم، وأصبح همها الأكبر كيف تقود العالم؟ وكيف تحافظ عليه في قبضتها؟ وكيف تحقق التفوق المطلق، وتمنع المنافسين المتطلعين إلى القطبية من الوصول إليها؟

كذب أم خديعة؟

في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي، حدد الرئيس الأميركي جو بايدن المرتكزات التي ستقوم عليها سياسة إدارته في القضايا الدولية التي تتعارض كليا أو جزئيا مع الولايات المتحدة، هذه المرتكزات أكد فيها على: الشراكة والدبلوماسية والاحتواء والتفوق، الشراكة لإغراء الدول الكبرى بالدخول في خطة تحويل العالم، والدبلوماسية للالتفاف على الخلافات المزمنة، والاحتواء لتجاوز المشكلات التي يمكن أن تعيق الخطة، إضافة إلى التفوق الاستثماري والتكنولوجي والعسكري، لتأكيد القدرة العسكرية على التدخل عند الضرورة.

وانطلاقا من هذه المرتكزات، قال الرئيس بايدن "بدلا من الاستمرار في خوض حروب الماضي، فإننا نركز على التحديات التي تعتبر مفتاح مستقبلنا الجماعي ونكرّس مواردنا لها وهي: إنهاء هذا الوباء (كوفيد-19)، والتصدي لأزمة المناخ، وإدارة التحولات في ديناميات القوة العالمية، وتشكيل قواعد الطريق بشأن القضايا الحيوية مثل التجارة، والفضاء الإلكتروني، والتكنولوجيات الناشئة، ومواجهة خطر الإرهاب"، معلنا بداية "عهد من الدبلوماسية التي لا تلين"، قائلاً "ثمة حقيقة أساسية للقرن الحادي والعشرين داخل كل بلد من بلداننا، بوصفنا مجتمعا عالميا، وهي أن نجاحنا مرتبط بنجاح الآخرين أيضًا، ويجب علينا أن نشارك العالم مشاركة عميقة، ولضمان مستقبلنا يجب أن نعمل مع الشركاء الآخرين، شركائنا من أجل مستقبلنا المشترك، فأمننا وازدهارنا وحرياتنا ذاتها مترابطة بشكل لم يسبق له مثيل. وهكذا، يجب أن نعمل معا بشكل لم يسبق له مثيل".

حديث بايدن أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بعث الأمل لدى دول العالم بقرب إنهاء الحروب والنزاعات المشتعلة في العديد منها، فلماذا أدار بايدن ظهره لهذه التعهدات في تعامله مع الأزمة الروسية الأوكرانية؟ لماذا خالف سياساته التي تعهد بها على الملأ؟ لماذا تخلى بهذه السرعة عن "الدبلوماسية التي لا تلين"؟ لماذا صعّدت الولايات المتحدة من خطابها، وحشدت خلفها الحلفاء والشركاء، ودفعت باتجاه تركيع الرئيس بوتين وإخضاعه لمطالبها، دونما اعتبار لمطالب روسيا ومصالحها؟ لماذا انحازت إلى خيار الحرب رغم قدرتها على تجنبها؟ هل كان خطاب بايدن لزعماء العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة نوعا من الكذب والخداع؟

منذ بداية الحرب بدا واضحا أن قرار الحرب أميركي قبل أن يكون روسيا، وأن الولايات المتحدة هي التي هيأت للحرب، وسارعت إلى دعم أوكرانيا وتعزيز قدراتها الدفاعية والقتالية قبل 6 أشهر على بدء الهجوم الروسي، حسب تقارير وزارة الدفاع الأميركية، وأن الولايات المتحدة كان بإمكانها منع الحرب ولم تفعل، وأن الولايات المتحدة أصرت على مطالب تعجيزية من روسيا لتضطرها إلى خيار الحرب، وأن الولايات المتحدة أغرت الحكومة الأوكرانية الموالية لها أصلاً، وحثّت حلفاءها وشركاءها في الغرب والعالم على مساندة أوكرانيا في موقفها، وإقناعها بأن العالم يقف معها، وأن الولايات المتحدة تعرف تماما أن هذه الحرب ليست حرب أيام أو شهور، وأن أوكرانيا والشعب الأوكراني سيدفعون فيها ثمنا باهظا، لن يجنوا من ورائه سوى الموت والخراب، وأن الولايات المتحدة، القطب الوحيد في العالم اليوم، لا ترى الدول الصغيرة، وهي تخوض معارك السيطرة والتفوق، وتجاربها في ذلك عديدة، وأكثر شهرة من أن نعددها، وأنه كما كان قرار الحرب أميركياً، فإن قرار إيقاف الحرب قرار أميركي كذلك.

وطبيعي أن يبرز هنا السؤال الجوهري: لماذا تحتاج الولايات المتحدة إلى هذه الحرب؟

إستراتيجية الدفاع الوطني للولايات المتحدة: "إن ميزتنا العسكرية التنافسية للولايات المتحدة آخذة في التآكل، فهي تواجه اضطرابًا عالميا متزايدا، يتميز بانحدار النظام العالمي، مما يخلق بيئة أمنية أكثر تعقيدًا وتقلبا من أي بيئة سابقة، وأصبحت المنافسة الإستراتيجية بين الدول، وليس الإرهاب، هي الآن الشغل الشاغل للأمن القومي للولايات المتحدة"

المنافسة الإستراتيجية وليس الإرهاب

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في نهاية سنة 1991، اختفى القطب الشرقي لتنفرد الولايات المتحدة بقيادة العالم الذي صار أحادي القطب، بعد أن كانت في سباق تنافسي محتدم مع الاتحاد السوفياتي، ساخنا تارة، وباردا تارة أخرى، وأصبح همها الأكبر كيف تقود العالم؟ وكيف تحافظ عليه في قبضتها؟ وكيف تحقق التفوق المطلق، وتمنع المنافسين المتطلعين إلى القطبية من الوصول إليها؟

وتحت شعارات حماية الشعب الأميركي، والدفاع عن مصالح الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها، ونشر الديمقراطية، ومحاربة الاستبداد، وتعزيز المساواة وحقوق الإنسان، خاضت الولايات المتحدة منفردة مع حلفائها عدة حروب على مدى العقود التالية لانهيار الاتحاد السوفياتي، وساندت أو أيدت العديد من الصراعات، أو أطالت أمدها وهي تملك القدرة على إيقافها.

وكان على الولايات المتحدة، كي تحافظ على زعامتها للعالم، أن تخوض حربا إستراتيجية شرسة على منافسيها في المجالات التالية:

  • إدارة النظام العالمي وتطويره، والتحكم في مؤسساته، لضمان الهيمنة على قراراته، وفرض الخطط التطويرية اللازمة.
  • ربط العالم بمنظومة فكرية واحدة، تتحكم في إدارتها وتمويل مشروعاتها.
  • التفوق الاقتصادي، الذي يضمن التحكم في حركة الاقتصاد العالمي، والإنفاق على أعباء القطبية الأحادية، السياسية والعسكرية والتنموية، لدول الحلفاء والشركاء ودول الهامش.
  • التفوق العسكري في أوسع معانيه، زمانيا ومكانيا وتكنولوجيا، إضافة إلى الأنظمة والإعداد والجاهزية، والقدرة المطلقة على الحسم وتحقيق النصر.
  • التفوق التكنولوجي، الذي يعزز التفوق العسكري والاقتصادي والصناعي، ويدعم برامج السيطرة والتحكم.

وقد عبّرت إستراتيجية الدفاع الوطني للولايات المتحدة لعام 2018 عن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة بقولها: "اليوم، نحن نخرج من فترة ضمور إستراتيجي، مدركين أن ميزتنا العسكرية التنافسية آخذة في التآكل. إننا نواجه اضطرابًا عالميا متزايدًا، يتميز بانحدار النظام العالمي، مما يخلق بيئة أمنية أكثر تعقيدًا وتقلبا من أي بيئة عشناها في الذاكرة الحديثة. فالمنافسة الإستراتيجية بين الدول، وليس الإرهاب، هي الآن الشغل الشاغل للأمن القومي للولايات المتحدة".

أما إستراتيجية الدفاع الوطني للولايات المتحدة لعام 2022، الصادرة أواخر مارس/آذار الماضي والمصنّفة سرية حتى الآن، على عكس نظيرتها لعام 2018، فقد حددت في ملخصها التعريفي المنشور أولوياتها على النحو التالي:

  • الدفاع عن الوطن.
  • ردع الهجمات الإستراتيجية ضد الولايات المتحدة والحلفاء والشركاء.
  • ردع العدوان، مع الاستعداد للانتصار في الصراع عند الضرورة.
  • بناء قوة مشتركة ونظام دفاعي مرن.

وحسب الإستراتيجية، فإن وزارة الدفاع الأميركية تعمل على تعزيز أهدافها من ثلاثة طرق أساسية هي:

الردع المتكامل: الذي يستلزم تطوير نقاط القوة والجمع بينها لتحقيق أقصى قدر من التأثير، من خلال العمل بسلاسة عبر مجالات القتال المختلفة، والأدوات الأخرى للقوة الوطنية للولايات المتحدة، وشبكة حلفائها وشركائها، بحيث يتم تمكين الردع المتكامل من قبل قوات ذات مصداقية قتالية، مدعومة برادع نووي آمن وفعال.

الحملات: التي ستعمل على تقوية الردع وتمكين الولايات المتحدة من اكتساب مزايا ضد الإجراءات القسرية للمنافسين، وتقويض الأشكال العدائية الصادرة عنهم، وعرقلة استعداداتهم العسكرية، بالإضافة إلى تطوير القدرات القتالية الخاصة مع الحلفاء والشركاء.

الإجراءات التي تبني مزايا دائمة: للقوة المشتركة المستقبلية، بما يضمن إجراء إصلاحات لتسريع تطوير القوة، والحصول على التكنولوجيا التي تحتاجها بسرعة أكبر.

ومن أجل ذلك تقوم الوزارة بتطوير وتصميم وإدارة قواتها، وتوجيه مفاهيمها وقدراتها التشغيلية لتحقيق الأهداف الإستراتيجية. وهذا يتطلب، حسب الإستراتيجية، قوة مشتركة تكون مميتة، ومرنة، ومستدامة، وقابلة للبقاء، ورشيقة، وسريعة الاستجابة.

منذ سنوات والولايات المتحدة تستعد للحرب على منافسيها، وقد أنفقت على هذه الاستعدادات مئات المليارات من الدولارات. فما الدوافع العاجلة لهذه الحرب؟ ومن هم هؤلاء المنافسون؟ وأين ستكون ساحة المعركة؟ هل ستقتصر على أوكرانيا؟ وكيف ستنتهي؟

(يتبع)

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.