الدكتور حمد بن عبد العزيز الكوّاري يكتب: المراكز الثقافية قوة ناعمة مهملة في النظام الثقافي العربي

من فعاليات مركز الديوان الثقافي القطري في ألمانيا (مركز الديوان العربي) (مواقع التواصل الاجتماعي)

احتفلت قبل أيام بنشر الترجمة الألمانية لكتابي "على قدر أهل العزم" في برلين برفقة جمع من المثقفين العرب والألمان، وفي لحظة تاريخية لم تزدني حماسة لمشاريعي الفكرية فحسب، وإنما فضيلتها أنها زادتني أسئلة وانتباها لظواهر ثقافية تحتاج إلى المساءلة العاجلة، فقد تواردت عليّ الخواطر منذ أن علمت بأن توقيع كتابي بنسخته الألمانية سيكون في "الديوان" (البيت الثقافي العربي)، وكنت متطلعا لزيارته ومعرفة مزاياه على الثقافة العربية، وكنت مبتهجا للغاية أن يسلك بلدي هذا الطريق، وأن يسعى إلى بيت للثقافة العربية في برلين يضع العلاقات التاريخية الوثيقة بين الثقافتين الألمانية والعربية في منزلتها اللائقة بها.

وكان لهذا المكان البديع قصة تزيد في ألقه وتترجم فلسفة إنشائه، فقد اشترت دولة قطر مبنى ليكون مقرا للسفارة في برلين، ثم تبين أنه مبنى تاريخي كان يملكه الناشر الألماني فرانسيس كاليه، ثم تحول إلى مركز للشباب الألمان، وبعد الحرب العالمية الثانية تحول إلى ناد للجنود الأميركيين.

هذه الخلفية التاريخية أوحت للمسؤولين في خارجيتنا مشكورين بتحويله إلى بيت لتقديم الثقافة العربية، فافتتح المركز سعادة الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية عام 2017 مع وزير الخارجية الألماني آنذاك، وأطلق على المركز اسم "الديوان" نسبة إلى الكتاب الشعري المهم "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي" لشاعر ألمانيا الكبير يوهان غوته.

لقد لمست الرؤية الواضحة لدى سفارتنا في برلين ممثلة في السفير لأن تبذل كل الجهود إلى أن يتحول هذا البيت إلى بيت للحوار بين الثقافتين، لذلك أبديت من ناحيتي استعداد مكتبة قطر الوطنية لتزويد (الديوان) بكل الكتب والمراجع والربط الإلكتروني، ليتحول البيت إلى مصدر معرفة يسمح للباحثين والطلبة بالاطلاع على المكتبة التراثية المرقمة لمكتبة قطر الوطنية، وحلمت بأن تتعدد المراكز الثقافية القطرية وتصبح ظاهرة بارزة في الدبلوماسية القطرية، وذلك ليس بعزيز على بلدي الذي يولي الثقافة مكانتها المناسبة في رؤيته للتنمية والتقدم.

إن الإيمان بإنشاء مؤسسة ثقافية تحمل طابع الهوية الثقافية العربية في قلب عاصمة الأنوار نوع من الحلم، ولكن الأفكار العظيمة دائما تتخذ في بداياتها صورة الأحلام، وفعلا أنشئ المعهد ليكون علامة مؤسسية للثقافة العربية ولذلك الجسر الرمزي مع ثقافات أوروبا والعالم بأسره، حيث إن باريس هي مفترق ثقافات العالم دون شك

القوة الناعمة الغائبة من الاهتمام العربي

أخذني الخاطر في هذا السياق إلى استحضار نقص الاهتمام العربي بالثقافة كما هو الحال مع اللغة وهو الأمر الذي تعرضت له في مقالي السابق، مع أن الثقافة لها مكانة عالية تشكل قاعدة أساسية للتفاهم الدولي ولخدمة المصالح المشتركة، فقد أدركت الأمم مبكرا أهمية المراكز الثقافية وتبنتها كمرتكز أساسي لتقديم ثقافتها بجوانبها المختلفة، إذ تحتوي على مكتبات تغطي الجوانب السياسية والاقتصادية مع تركيز خاص على الثقافة، وفيها تُعقد الندوات والحوارات وفيها تدرس اللغات وتقام المعارض للفنون ويستضاف مثقفون ومبدعون ومفكرون للحديث عن بلد المركز، وتنظم زيارات للشخصيات المؤثرة لتقديم تجاربها وما إلى ذلك، وتساءلتُ عن وضعنا الثقافي العربي وغياب مراكز ثقافية مماثلة تعاضد دور (الديوان) في العالم لتضيء ثقافتنا وسط سماء الثقافات الأخرى.

وكسفير عربي لأكثر من 20 عاما وفي عواصم مهمة كان يراودنا كسفراء عرب أمل أن تكون هناك مراكز عربية مشتركة يشترك فيها كل العرب لتمثل الثقافة العربية في كل مكان في العالم، ولكنه حلم كالسراب بل ازداد بعدا مع تشرذم العرب وانهيار ما كنا نطلق عليه في فترة "العمل العربي المشترك"، إذ يذكر أبناء جيلي هذا التعبير الذي كان مشبعا وقتها بالحماسة والافتخار، يتذكرون كيف حلمنا بـ"العمل العربي المشترك" الذي يتخطى السياسة وتعرجاتها، ويبني للعرب قوتهم الناعمة في العالم.

كنت ولا أزال مؤمنا بدور الثقافة كقوة ناعمة، ولكن أين نحن العرب من ذلك الأمل ومن تحقيق القوة الناعمة التي تتجاوز الإقناع أو القدرة على استمالة الناس بالحجة، فهذه القوة تهدف إلى الجذب، وكي تكون جذابة فإنها تعتمد على موارد كثيرة، من بينها المراكز الثقافية التي تؤسسها الدول المتقدمة لوعيها بدورها الفاعل في الدبلوماسية الثقافية عموما، وقدرتها على أن تجعل من الثقافة عاملا محفزا لبقية القطاعات الحيوية من اقتصاد واجتماع وسياسة.

للثقافة تأثيرها العميق في العلاقات الدولية منذ القدم (الجزيرة)

علينا أن نؤمن بأن للثقافة تأثيرها العميق في العلاقات الدولية منذ القدم، فكل مجال حيوي في المجتمع له صلة مباشرة أو غير مباشرة بالثقافة، إننا نذكر جيدا ما أشار إليه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864-1920) من أهمية الثقافة في تشكيل الاقتصاد حين تعرّض للفوائد الاقتصادية النسبية للثقافات البروتستانتية والكاثوليكية، كما نذكر كيف ربط لوسيان باي (1907-1972) وسيدني فيربا (1932-2019) بين الثقافة الوطنية والتنمية.

وتلمّس أكثر من مفكر عالمي تأثير العامل الثقافي في العلاقات الدولية المعاصرة، فقد نشر لورنس هاريسون البروفيسور في جامعة تافتس الأميركية كتابه "كيف تؤثر القيم الثقافية على النجاح الاقتصادي والسياسي؟"، وبيّن أن الثقافة هي المشكلة الأساسية في تقدم أو تأخر أي بلد، ذلك ما استنتجه من عمله لسنوات في مشروع التنمية الدولية المخصص من قبل الحكومة الأميركية لتنمية عدد من بلدان أميركا الجنوبية، وأدرك حينها أن النجاح صعب لأن التقدم بحاجة إلى ثقافة تدعمه، ومن فضائل أبحاثه في تنزيل الثقافة موقعها الخطير في بناء الدول ما توصل إليه من نتائج في كتابه الشهير "الحقيقة الليبرالية المركزية" الذي تعرض فيه إلى سؤال مُحرِق عندما يقع شعب ما في أزمة حضارية كبيرة فإنه في العادة يسأل نفسه سؤالا واحدا من سؤالين سيحددان طريقة تفكيره بشكل حاسم.

لا أزال أذكر تلك اللحظات التاريخية التي بدأنا فيها التفكير في تأسيس معهد العالم العربي بباريس، فكنت مشاركا في بناء هذا الصرح للثقافة العربية في الثمانينيات أيام كان هناك حد أدنى للعمل العربي المشترك ولكنه استثناء لم يتكرر، ومع ذلك فإني حزين على وضعه الحالي

السؤال الأول هو: ما الخطأ الذي ارتكبناه؟ والسؤال الثاني هو: من فعل بنا هذا؟ أليس علينا أن نطرح هذين السؤالين على نظامنا الثقافي العربي المهترئ؟

هل كان من الممكن الحديث عن المعجزة الاقتصادية لكوريا الجنوبية وتايوان الصينية والمنجزات اليابانية دون ربط ذلك بالقيم الثقافية لتلك الدول؟

معهد العالم العربي بباريس

إننا ما زلنا نتعثر، وهذا توصيف متفائل قياسا بتوصيف آخر قد يكون أقرب إلى الحقيقة، وهو أننا دخلنا منطقة التطلع نحو السراب لما أصاب "العمل العربي المشترك" من وهن على مستويات كثيرة، خاصة المستوى الثقافي.

لا أزال أذكر تلك اللحظات التاريخية التي بدأنا فيها التفكير في تأسيس معهد العالم العربي بباريس، فكنت مشاركا في بناء هذا الصرح للثقافة العربية في الثمانينيات أيام كان هناك حد أدنى للعمل العربي المشترك ولكنه استثناء لم يتكرر، ومع ذلك فإني حزين على وضعه الحالي.

كان الإيمان بإنشاء مؤسسة ثقافية تحمل طابع الهوية الثقافية العربية في قلب عاصمة الأنوار نوعا من الحلم، ولكن الأفكار العظيمة دائما تتخذ في بداياتها صورة الأحلام، وفعلا أنشئ المعهد ليكون علامة مؤسسية للثقافة العربية ولذلك الجسر الرمزي مع ثقافات أوروبا والعالم بأسره، حيث إن باريس هي مفترق ثقافات العالم دون شك.

لكن من المؤسف كثيرا ما عاناه هذا المعهد من حالة الضعف المزمنة قياسا بالنمو المطرد لمجموعة المؤسسات الثقافية القائمة في باريس رغم ما يتمتع به من كفاءات وطاقات واهتمام كبير من قبل أبناء المهجر من العرب وغيرهم من الجنسيات، ومن الفرنسيين وزوار فرنسا عموما، وهو اهتمام أصيل لفهم ومعرفة الثقافة العربية طالما قوبل بخيبة الانتظار لعجز المعهد في فترات عديدة عن إشباع حماسة الجمهور الثقافي وتلبية رغباته.

وكثيرا ما رد المسؤولون المتعاقبون على رئاسة المعهد سبب ضعف المعهد إلى العجز المالي المستفحل، وهو دون شك سبب لا يمكن التغاضي عنه، فقد استنكفت دول عربية عديدة عن التمويل، ولكن لم يكن ذلك هو العامل الأساسي في تراجع نشاط المعهد وعدم إيفائه بالأهداف التي أنشئ من أجلها.

أعجبني كثيرا ذلك التصوير المجازي عن تشخيص وضع المعهد من أن "القباطنة يفدون ويغادرون فيما تتأرجح السفينة بصورة متواصلة دون أن ترى في الأفق هدفا محددا لمسيرتها"، وكثيرا ما استحضرت جملة الشاعر الفرنسي آرثر رامبو الأثيرة في قصيدته "المركب السكران"، "إنني أتحسر على أوروبا ذات المتاريس القديمة"، ولكنني أتحسر على معهد العالم العربي ذي المتاريس القديمة، فقد تبين لي أن الأسباب الحقيقية لتراخي عمل المعهد وضياع بوصلته ليس الافتقار إلى المال منذ تأسيسه عام 1987، بل هي أسباب متعلقة بما هو جوهري في رؤية وسياسة المعهد الذي وجد نفسه دون أجنحة طوال فترات كثيرة من مسيرته، حيث نال منه ما نال الثقافة العربية من ركود، وتضرر كثيرا بتدهور النظام الثقافي العربي الذي أصبح فيه هدف وحدة القرار الثقافي نوعا من السراب في ظل انقسام حقيقي في الموقف السياسي العربي تجاه قضايا كثيرة وذات علاقة بما كان يسمى "المصير المشترك".

لقد بات هذا الصرح غريبا عن واقع الثقافة العربية مثلما كان غريبا عن مجريات القضايا المهمة في البيئة التي يتنفس هواء ثقافتها، وفي عديد المناسبات يصم المعهد أذنيه عن الجلبة التي تحدثها القضايا الفكرية والظواهر الثقافية الجديدة من حوله، وصار شبيها بالثقافة العربية في وضعها المتردي اليوم ميالا إلى تمجيد الماضي بدل الإنصات ومتابعة عصف الحاضر.

هكذا نشأ المعهد غريبا وظل غريبا إلى الآن غير قابل للاندماج في نسيج ثقافة الآخر وعاجزا عن تلبية احتياجات الثقافة التي من المفترض أن يبدع في تقديم صورتها ويعمل على نهضتها، بعد أن تلمّس في مراحل سابقة ملامح الرؤية، إلا أن قلة الاكتراث العربي بمسار المعهد ومصيره وخلوه من مدير عربي في الفترة الأخيرة ودخوله منطقة تشوش فكري أبرزته فعالية "معرض يهود الشرق" كلها مؤشرات لفقدان الثقافة العربية جناحا من أجنحتها في المهجر وتقليص حجم قوتها الناعمة المتآكلة.

مبادرات وبيوت عربية للثقافة

ولم يكن معهد العالم العربي هو المؤسسة العربية الوحيدة التي تعنى بنشر الثقافة العربية في العالم، إذ نشير إلى المعهد الثقافي العربي في واشنطن الذي تأسس في ثمانينيات القرن الماضي بهدف تعزيز وعي وفهم المجتمع الأميركي لدول العالم العربي، وهو معهد لا يتبع دولة بعينها، فداعموه في المقام الأول هم أصحاب الأعمال الخيرية من أفراد ومؤسسات داعمة في الولايات المتحدة والعالم العربي، لذلك فإنه لا يمكننا أن نتجاهل تلك المبادرات الفردية والجماعية التي قام بها ولا يزال مثقفون عرب من خلال تأسيس بيوت عربية للثقافة في العالم، وتذكرني حماستهم بما قام به الأديب طه حسين من إنشاء مركز ثقافي في مدريد في وقت مبكر إيمانا منه بضرورة مد الجسور مع الثقافات.

لقد استطاعت الدبلوماسية الثقافية في ألمانيا وفرنسا أن تمر إلى مرحلة ابتكارية لتوطيد الصداقة بينهما ولمزيد نشر الفكر الأوروبي، إذ لم تكتف فرنسا بما لديها من مراكز ثقافية، وكانت قد أنشأت منظمة الأليانس فرانسيز في عام 1883 في باريس، وهي تمثل اليوم الشبكة الثقافية العالمية الأولى، إذ إنها تضم 1040 مركزا في 136 بلدا.

لكن هذه المبادرات غير كافية إزاء ما تزخر به الثقافة العربية وما يطمح إليه العرب من التعريف بثقافتهم والتواصل مع ثقافات شعوب العالم، وظلت مبادرات الدول قليلة ولا تقاس أبدا مع ما أنجزته الدول الأخرى في سبيل ثقافتها، فلو نظرنا في خريطة المراكز الثقافية الأجنبية لأدركنا مكانة الثقافة لدى تلك الدول وفهمنا المغزى العميق من التعويل على الثقافة، واستكشفنا كيف استنتجت أمم أخرى أن خطط التنمية فاشلة إن هي أغفلت البعد الثقافي، وفي ضوء ذلك نشطت المراكز الثقافية التابعة لها.

التجربة الألمانية

أذكر ما قالته المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل عن قيمة معهد غوته "إنه لمن دوافع فخري أن تكون لأدبنا بطاقة تعريف مثل هذه في الخارج"، وفعلا ها هي مراكز "غوته" المنتشرة في 82 بلدا تساهم في نقل تصورات ألمانيا عن الديمقراطية ودولة القانون وحقوق الإنسان، وتعمل على ترويج الثقافة واللغة الألمانيتين، ليكون المعهد رمزا للتبادل الثقافي والنافذة الواسعة التي تعرّف العالم بالثقافة الألمانية بواسطة تعليم اللغة الألمانية والفعاليات الثقافية المختلفة التي يقوم بها المعهد في الخارج.

لم تتوقف ألمانيا عند هذا الحد من العمل الثقافي الدولي بشكل منفرد، بل عززت دبلوماسيتها الثقافية بانخراطها في مشاريع معاهدة "إكس-لا – شابيل" ذات الأولوية من خلال إنشاء المعاهد الفرنسية الألمانية، فافتتح أول معهد في مدينة باليرمو في صقلية عام 2021، وستفتتح في مرحلة آجلة 9 معاهد إضافية ستعزز شبكة التعاون والأنشطة الثقافية، أما المعهد الثقافي الفرنسي الألماني اللاحق الذي يُتوقع افتتاحه في عام 2023 فسيكون في كردستان العراق بقلعة أربيل المصنفة في قائمة اليونسكو للتراث العالمي للإنسانية.

لقد استطاعت الدبلوماسية الثقافية في ألمانيا وفرنسا أن تمر إلى مرحلة ابتكارية لتوطيد الصداقة بينهما ولمزيد من نشر الفكر الأوروبي، إذ لم تكتف فرنسا بما لديها من مراكز ثقافية، وكانت قد أنشأت منظمة الأليانس فرانسيز في عام 1883 في باريس، وهي تمثل اليوم الشبكة الثقافية العالمية الأولى، إذ إنها تضم 1040 مركزا في 136 بلدا.

الشبكة الثقافية الفرنسية

وتنظم الشبكة الثقافية الفرنسية في الخارج زهاء 50 ألف تظاهرة ثقافية في السنة، بالإضافة إلى إنشاء شبكات مستدامة تضم المبدعين وأيضا المسؤولين عن رسم السياسات الثقافية، ويدرس أكثر من 450 ألف شخص كل عام من مختلف الأعمار اللغة الفرنسية في مراكز الأليانس فرانسيز، ونتساءل في هذا السياق: كم لدينا من متعلم للغة العربية في العالم؟ وأين هي المراكز الثقافية التي تعنى بذلك وبتمويل من الدول العربية؟

لم تتوقف فرنسا عند هذه الشبكة لترويج اللغة والثقافة الفرنسيتين في آن واحد، بل سارعت في 2011 إلى إنشاء المعهد الفرنسي الذي أصبح الوكالة التنفيذية الوحيدة للنشاط الثقافي الفرنسي في الخارج، ويضطلع بمهمة تنفيذ السياسة الدبلوماسية الفرنسية في المجال الثقافي والتواصل مع الثقافات الأجنبية.

كذلك هو شأن بريطانيا التي سعت من خلال المجلس الثقافي البريطاني إلى إبراز حضور ثقافتها في أكثر من 120 بلدا، وأيضا شأن روسيا التي أسست المراكز الثقافية الروسية منذ عام 1917 ولها الآن 44 فرعا حول العالم، وكذلك شأن تركيا التي أنشأت معهد "يونس إمره" في 58 دولة في العالم، وكلها تجارب في الدبلوماسية الثقافية ولإبراز فضائل القوة الناعمة التي تحقق التقارب الإنساني وتزيد الإيمان بدور الاختلاف في الإبداع الحضاري، وتسهم في إشعاع الثقافات المحلية، ومن جديد: أين نحن من كل هذا؟

ما أحوجنا اليوم ليس فحسب إلى الإنفاق على الثقافة وإنما إلى تصميم رؤية ثقافية تستوعب التحديات الجديدة التي فرضها وضعنا الإقليمي العربي ومجريات السياسة الدولية، فلا يمكننا المحافظة على خطط سنوات سابقة لمواجهة تحديات الحاضر

إن الثقافة العربية تواجه مخاطر كثيرة، وهي مهددة في لغتها العربية أولا وفي قدرتها على الإبداع ثانيا، ومع ذلك ما زلنا نؤمن بأن وسائل تجسير العلاقات الدولية انطلاقا من الثقافة أمر غير مستحيل، فقد سبق لحضارتنا أن أنجزت ذلك باقتدار، وليس أمامها غير استئناف حركتها في التاريخ المعاصر.

إننا على يقين بأن الحوار العربي الأوروبي لن يكون مثمرا إلا إذا كان العالم العربي مزدهرا، ولن تستطيع أوروبا أن تعول على الدول العربية باعتبارها شريكة لها إلا إذا كانت هذه الدول في نمو واضح ومتسارع، ولا يمكن المكوث في موقف التحسر عما مضى من هذه العلاقات التاريخية التي كان فيها الأوروبيون يسعون لأخذ المعرفة في جامعات الأندلس، ومن ذلك ما قام به جيرارد الكريموني (1114-1187) الذي اتجه نحو طليطلة ليطلب كتاب "المجسطي" لبطليموس فإذا به يضطر للدراسة في جامعتها ويترجم أكثر من 80 مخطوطا في مختلف العلوم ويعود بها إلى موطنه الأوروبي.

ولا ننسى حين كانت صقلية مركزا علميا يلتقي فيه العلماء العرب والعلماء الأوروبيون، وظلت الكتب العلمية -خاصة كتب الطب العربي- تدرّس في الجامعات الأوروبية حتى القرن الـ18.

وكل تلك العلامات ليست غير دليل مبسط على ذلك الحوار والتبادل الثقافي الذي كان موجودا في العصر الوسيط وبعده، في أزمنة كان العرب فيها يؤمنون أكثر بدور الثقافة في بناء التقارب الإنساني وإظهار الجوانب الحضارية لثقافتهم لاعتقادهم بأن "كل شيء ينقص بالإنفاق منه إلا العلم فإنه يزيد بالإنفاق"، ولكن ما أحوجنا اليوم ليس فحسب إلى الإنفاق على الثقافة وإنما إلى تصميم رؤية ثقافية تستوعب التحديات الجديدة التي فرضها وضعنا الإقليمي العربي ومجريات السياسة الدولية، فلا يمكننا المحافظة على خطط سنوات سابقة لمواجهة تحديات الحاضر.