دلالات ورسائل إعلان أردوغان عن ترشحه للرئاسة

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (وكالات)

في التاسع من الشهر الجاري، أعلن الرئيس التركي لأول مرة بشكل رسمي ومباشر نيته الترشح في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى صيف العام القادم. ففي اجتماع المجلس الاستشاري لفرع حزبه في مدينة إزمير، قال أردوغان بشكل لا لبس فيه "أنا مرشح تحالف الجمهور للانتخابات الرئاسية"، داعيا أحزاب المعارضة للإفصاح عن مرشحها الذي سينافسه.

أثارت بعض الشخصيات المعارضة نقاش مدى أحقية أردوغان في الترشح، مدعية أنه لا يحق له ذلك دستوريا، وهو ما رد عليه حزب العدالة والتنمية في حينه. كما أن بعضها الآخر ألمح إلى أن أردوغان قد يمتنع عن ترشيح نفسه، ويبحث عن مرشح بديل للحزب والتحالف الحاكم

إعلان متأخر

لم يكن أردوغان بحاجة لإعلان من هذا النوع لكي يؤكد ترشحه لانتخابات العام القادم، فالكل في تركيا وخارجها يدرك ذلك، وفي مقدمتهم المعارضة الداخلية. فهو المرشح الطبيعي والبديهي لحزب العدالة والتنمية الحاكم الملتف حول قيادته، كما أن حليفه حزب الحركة القومية قد أعلن أكثر من مرة أن مرشحه للرئاسيات هو الرئيس أردوغان، وأنه لا يفكر في دعم أي مرشح آخر لا من حزبه من أحزاب أخرى.

فلماذا جاء الإعلان إذن؟ وما دلالاته ورسائله؟

أحد أهم الأمور التي تلقي بظلالها على كل ما يتعلق بالانتخابات المقبلة هو "استثنائيتها" واختلافها بشكل جذري عن كل الاستحقاقات الانتخابية التي خاضها أردوغان وحزب العدالة والتنمية منذ تأسيسه. فبعيدا عن رمزية تصادف الانتخابات مع الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية، فهي تأتي في ظل أوضاع اقتصادية صعبة عالميا وداخليا، وفي ظل حالة استقطاب غير مسبوقة، ومنظومة تحالفات غير مستقرة، وتراجع شعبية الحزب الحاكم، والتركيز على ملف الأجانب المقيمين على الأراضي التركية (اللاجئين)، وبوجود أحزاب خرجت من عباءة الحزب الحاكم وتنسيقها مع المعارضة، وغيرها من العوامل التي تجعل الانتخابات استفتاءً على شعبية أردوغان وحزبه في المقام الأول.

كما أن الإعلان أتى بعدما أثارت بعض الشخصيات المعارضة نقاش مدى أحقية أردوغان في الترشح، مدعية أنه لا يحق له ذلك دستوريا، وما رد عليه الحزب في حينه. كما أن بعضها الآخر ألمح إلى أن أردوغان قد يمتنع عن ترشيح نفسه ويبحث عن مرشح بديل للحزب والتحالف الحاكم، مما يعني أن الإعلان من زاوية ما ردٌ غير مباشر على التشكيك في ذلك وإيذان بأن الحزب الحاكم قد تخطى هذه النقاشات عمليا، وبما يغلق الباب أمام أي جدل داخل الحزب الحاكم أو بخصوصه.

ومن زاوية ثالثة يمكن النظر إلى أن إعلان الرئيس التركي عن نيته الترشح للرئاسيات هو الإعلان شبه الرسمي عن بدء الحملات الانتخابية، وهو ما أشار له أردوغان نفسه بعد أيام حين قال إن "العد التنازلي للانتخابات قد بدأ" فعلا.

لكن، وإضافة لكل ما سبق، لا شك في أن الهدف الرئيسي لإعلان الرئيس التركي هو الضغط على المعارضة عموما، والأحزاب الستة التي تريد العودة للنظام البرلماني خصوصا، وبشكل أكثر تحديدا وتخصيصا على زعيم المعارضة ورئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو. ولذلك فإن أردوغان لا يفوّت خطابا له منذ لحظة هذا الإعلان إلا ويعيد نداءه للأخير -والذي تحول لشعار سياسي- أن "أعلِنْ ترشُّحَكَ، أو أعلِنْ مرشحك" للانتخابات الرئاسية. وهو النداء الذي كان يرد عليه زعيم المعارضة بمطالبة أردوغان نفسه بأن يعلن بدوره عن ترشحه، فكان إعلان الأخير ردا ضمنيا على ذلك وإمعانا في الضغط عليه.

لماذا الآن؟

ولعل السؤال الأهم الذي يحيط بالإعلان هو سياقه وتوقيته، مما يساعد على فهم دلالاته والرسائل المحملة في طياته وبين سطوره.

فالأحزاب الستة، الشعب الجمهوري والجيد والسعادة والديمقراطي والمستقبل والديمقراطية والتقدم، تجتمع وتنسق منذ سبتمبر/أيلول من العام الماضي بهدف العودة بالبلاد من النظام الرئاسي إلى البرلماني، طبعا في حال فوزها بالانتخابات المقبلة. لكن، ورغم ذلك، فإن هذه الأحزاب لم تعلن حتى اللحظة أنها تشكل تحالفا متماسكا، بل لا تزال تستخدم مصطلح "طاولة الستة" للإشارة للقاء التنسيقي بينها، في ظل إشارات عديدة على صعوبة تحوّلها لتحالف موحد.

كما أن الشهور الفائتة أثبتت أن هذه الأحزاب، متعددة الخلفيات والأيديولوجيات والأفكار والبرامج، تختلف فيما بينها في عدة أمور رئيسية في مقدمتها فكرة المرشح التوافقي ومعايير اختياره. ولذلك فهي لم تناقش حتى اللحظة هذا الأمر بشكل رسمي، فضلاً عن أن تعلن اسم مرشحها، رغم تنظيمها خمسة اجتماعات دورية على مستوى رؤسائها.

فقد صدرت عن رئيس الحزب الديمقراطي تصريحات غمزت في أحمد داود أوغلو وعلي باباجان، القائدين السابقين في العدالة والتنمية والمشاركَيْن الرئيسيين في طاولة الستة، قبل أن يتراجع عنها لصالح الحديث عن معايير لاختيار المرشح التوافقي. ومن جهته، فإن حزب الديمقراطية والتقدم بقيادة باباجان أعلن أنه "سيخوض الانتخابات بمفرده وباسمه وشعاره" مع استمرار التزامه بدعم مرشح توافقي للمعارضة إن اتُّفِقَ على ذلك. ثم أكد داود أوغلو قبل أيام أنه مرشح للانتخابات الرئاسية "ولكن إن حصل توافق بين الأحزاب فإننا مستعدون لنقاش ذلك".

في المقابل، فإن كليجدار أوغلو ما زال يصر على ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية، وفق ما يصدر عنه من إشارات وتصريحات، رغم اعتراض أطراف داخل حزبه وأحزاب وازنة في المعارضة على ذلك، إذ يرى هؤلاء أن فرصه في منافسة أردوغان أضعف من فرص مرشحين آخرين من المعارضة، وأنه بإصراره على ترشيح نفسه يغامر بإفشال المعارضة وإعادة انتخاب أردوغان.

فالحزب الجيد، ثاني أحزاب المعارضة من حيث الحجم والوزن، كرر أكثر من مرة على لسان مسؤوليه، وفي مقدمتهم رئيسته ميرال أكشنار، رغبته بمرشح آخر غير كليجدار أوغلو وخصوصاً رئيس بلدية إسطنبول الكبرى أكرم إمام أوغلو، بل إن أحد قادة الحزب قال صراحة إن الأخير لن يستطيع الفوز بالانتخابات "لأنه علوي"، وهو تصريح أثار جدلا كبيرا قبل أن يعتذر الحزب الجيد عنه.

من جهة أخرى، لا يمثل زعيم المعارضة الخيار الأمثل للحزبين المنشقيْن عن العدالة والتنمية (المستقبل، والديمقراطية والتقدم) ولا لحزب السعادة المحافظ، بسبب الخلافات الكبيرة والعميقة بينها وبين حزبه سياسيا وفكريا وأيديولوجيا وتاريخيا، وحتى لو أيدت قيادات هذه الأحزاب ترشحه فإنه يُتوقع أن شرائح واسعة من أنصارها لن تلتزم بذلك في تصويتها.

بناء على كل ما سبق فإنه من المتفهم أن الهدف الرئيسي لأردوغان من إعلانه هو زيادة الضغط على كليجدار أوغلو أولا، وثانيا -ومن خلال ذلك- إذكاء الخلافات وتعميق الجدل داخل الإطار السداسي المعارض. فهو من جهة يدفعهم لنقاش الأمر بينما هم يريدون ترحيله، ومن جهة أخرى يظهر عدم قدرتهم على الاتفاق بشأنه، أو على أقل تقدير تأجيلهم هذا النقاش بما سيحاول الحزب الحاكم إظهاره ضعفا وخلافا.

في المقابل، وبافتراض أن ضغوط أردوغان آتت أكلها وأعلنت المعارضة عن مرشح توافقي لها لمنافسته العام المقبل، ولو كاسم افتراضي بشكل مبدئي لنقاشه، فإن ذلك سيمنح الرئيس التركي الفرصة الكافية والوقت المناسب ليركز خطابه وخطته الانتخابية لمواجهة اسم محدد بغية إضعاف فرصه، في حين أنه مضطر اليوم للاشتباك السياسي والإعلامي مع ستة أحزاب سياسية والتركيز على زعيم المعارضة كمرشح "محتمل" لها.

كما أن النداءات المتكررة من الرئيس التركي للمعارضة لتحديد اسم مرشحها المنافس له تعد خطوة سياسية ذكية، إذ هي من باب تحديد أجندة النقاش في البلاد. وهو أمر يمنحه المبادرة ويضع المعارضة في إطار الردود، فضلاً عما يتيحه ذلك من صرف الأنظار عن المشاكل الاقتصادية وبعض الملفات التي تراها المعارضة مفيدة لها نحو التركيز على فكرة المرشح التوافقي.

ويبدو أن مبادرة أردوغان قد آتت بعض أكلها من حيث طرح الموضوع على أجندة المعارضة، وكذلك من حيث الخلافات فيما بينها. ففي الإطار الأول، ذكرت بعض التقارير الإعلامية أن رئيس حزب الديمقراطية والتقدم علي باباجان سيطرح في الاجتماع المقبل للأحزاب الستة أربعة أسماء مقترحة من قبل حزبه لمنافسة أردوغان كمرشح توافقي في مقدمتها الرئيس الأسبق عبد الله غل. وفي الإطار الثاني، خرج رئيس إحدى البلديات التابعة لحزب الشعب الجمهوري منتقدا في العلن رئيس حزبه لعدم الرد على أردوغان وإعلان ترشحه، وتجاوز ذلك ليبدي استعداده هو -أي رئيس البلدية- للترشح ضد أردوغان، مؤكداً ثقته بالفوز، وهو أمر سيضعه خارج عتبات حزبه فيما يبدو بعد أن حُوِّل للجنة التأديبية فيه إثر هذه التصريحات.

وفي الخلاصة، فإن تصريح أردوغان أبعد بكثير من مجرد الإعلان عن نيته الترشح للانتخابات الرئاسية العام المقبل، فهي حجر كبير ألقي في مياه المعارضة الراكدة بانتظار أن يحدث أثرا هناك. ذلك أن الرئيس التركي يدرك أكثر من غيره أنه لن ينافس مرشحا منفردا وإنما تحالفاً يدعم مرشحا ما ضده، وأن منظومة التحالفات ستكون أحد أهم العوامل المحددة لاسم الرئيس المقبل لتركيا، ولذلك فإن تصريحه يستهدف بشكل مباشر تماسك المعارضة في مواجهته وإحداث بلبلة وخلافات داخلها.