إصلاح المناهج أم رفع مستوى المعلمين؟.. أولويات السياسات التعليمية في الوطن العربي

المدن التعليمية تفيض بالأفكار الجديدة لحث السكان على التعلم طيلة الحياة (اليونسكو)
المدن التعليمية تفيض بالأفكار الجديدة لحث السكان على التعلم طيلة الحياة (اليونسكو)

إذا لم يكن لديك إلا 100 دولار لإنفاقها على إصلاح التعليم في بلد تعاني من مشاكل كبيرة في نظامها التعليمي وتعاني في نفس الوقت من مشاكل اقتصادية تؤثر على الإنفاق على التعليم، فما الطريقة الأفضل لإنفاق الـ100 دولار هذه؟

سؤال الأولويات هنا سؤال رئيسي والمفاضلة بين الخيارات المتاحة عملية صعبة. لكن هذا السؤال يُعرض كثيرا في الدول العربية والدول النامية التي تشبهها. ويقترح البعض إنفاق هذه الأموال في بناء مدارس جديدة من أجل التخفيف من كثافة الفصول. وآخرون لديهم اقتراح بإنفاق هذه الأموال على أنشطة وخدمات مساعدة يمكن تقديمها للطلاب وأولياء أمورهم لدعم استمرارهم في التعليم كدعم لاشتراكات الطلاب في المواصلات العامة أو كإنفاق على الوجبات المدرسية وغيرها من الخدمات.

ولا يمكن التقليل من أهمية مثل هذه الخدمات لكن المفاضلة الرئيسية تكون في الأغلب بين الإنفاق على تطوير المناهج الدراسية والمقررات التعليمية لتكون مواكبة للمعايير العالمية أو الإنفاق على رفع كفاءة المدرسين وخريجي كليات التربية لتأهليهم لإدارة العملية التعليمية بشكل أفضل ولرفع مستواهم المهني والأكاديمي؛ وهذه هي المفاضلة الرئيسية في أغلب الدول النامية.

وقد قابلتُ عددا من أبناء الطبقة الوسطى يتمحور رأيهم على أن "التعليم المجاني" هو السبب الرئيسي في الأوضاع السيئة التي تعيشها الدول العربية حاليا؛ لأن هذا التعليم أنتج خريجين "غير متعلمين". والشكوى الرئيسية هنا من المستوى التعليمي المنخفض للخريجين الذي لا يعادل الشهادات التي حصلوا عليها. ويمكن لأحدهم أن يحمل شهادة دبلوم مهني أو شهادة الثانوية العامة؛ لكنه لا يجيد القراءة والكتابة.

تركيز فنلندا الرئيسي لم يكن على إصلاح المناهج، لكن على رفع مستوى المعلمين. وأغلب المدرسين في المدارس الفنلندية حاصلين على شهادات ماجستير أو دكتوراه. بالإضافة إلى ذلك يوجد طلب عالٍ للالتحاق بالقطاع التعليمي بسبب المرتبات الجيدة التي يحصل عليها المعلمون وبسبب الاهتمام الذي تظهره الدولة لهم.

والحل بالنسبة لهؤلاء هو التركيز على إصلاح المناهج الدراسية لتكون على مستوى أفضل وتوفير مقررات تساعد على إدماج الخريجين في سوق العمل وتعليمهم المعارف والمهارات الأساسية اللازمة لذلك. ويستتبع هذا الحلَ بشكل خفي؛ التركيزُ على عدد أقل من الطلاب ليحصلوا على تعليم أفضل بدلا من التركيز على توفير التعليم للجميع فتكون المخرجات النهائية للعملية التعليمية ضعيفة. فالمستوى النهائي للطلاب أهم من حصول عدد كبير منهم على فرص تعليم متساوية.

ويحمل هذا الرأي قدرا من الوجاهة من الناحية النظرية. ويجد المتابع لسياسات التعليم في مصر على سبيل المثال أن وزير التعليم المصري طارق شوقي ركز بشكل كبير على إصلاح المناهج، وأن رأس السلطة التنفيذية في مصر يفتخر بأن المناهج الموجودة في مصر قد أصبحت من أفضل المناهج في العالم.

ودول أخرى في المنطقة كالأردن ودول الخليج تبنت نفس النهج بالتركيز على إعداد وتطوير المناهج وفقا للمواصفات العالمية. لكن تجارب إصلاح التعليم في دول أخرى تعطينا دلائل على أن إصلاح المناهج ليس هو أفضل سياسة من أجل تحسين مستوى الطلاب التعليمي. وفي هذا السياق، يتم ذكر فنلندا كمثال على بلد استطاع تحسين نظامه التعليمي ليصبح مثالا يحتذى لكثير من الدول. فما الذي قامت به فنلندا لتحقيق هذا التقدم؟ وهل كانت الأولوية هناك لإصلاح المناهج التعليمية أو لا؟

يبدو أن تركيز فنلندا الرئيسي لم يكن على إصلاح المناهج، لكن على رفع مستوى المعلمين. وأغلب المدرسين في المدارس الفنلندية حاصلين على شهادات ماجستير أو دكتوراه. بالإضافة إلى ذلك يوجد طلب عالٍ للالتحاق بالقطاع التعليمي بسبب المرتبات الجيدة التي يحصل عليها المعلمون وبسبب الاهتمام الذي تظهره الدولة لهم.

ويخلق هذا تنافسا مرتفعا للالتحاق بالقطاعات التعليمية، ما يرفع بالتبعية من جودة المقبولين. ويُضاف إلى ذلك أن فنلندا تعمل على توفير الظروف التي تسمح لضمان استمرار عمل المقبولين للعمل لديها لفترة طويلة داخل المنظومة التعليمية. وعلى الجانب الآخر، تسير العملية التعليمة في فنلندا داخل منظومة واحدة. ولا يوجد تقسيم إلى مدارس عامة ومدارس خاصة أو التركيز على قطاعات محددة دون قطاعات أخرى. ويعود سبب ذلك إلى التركيز على المساواة في تقديم الخدمات التعليمية كقيمة أساسية حاكمة في تقديم الخدمات التعليمية للمواطنين.

وتنظر الحكومة الفنلندية إلى التعليم كوسيلة من أجل تحقيق أهداف اجتماعية وسياسية مشتركة. ويهدف التعليم في هذه الحالة إلى تكوين ثقافة مشتركة بين المواطنين وإلى نشر قيم وانحيازات محددة بين المواطنين. ويقوم التعليم أيضا بلعب دور في تقوية المواطنة والديمقراطية داخل المجتمع عبر ترسيخ هذه القيم في وجدان المتعلمين. وإن إعداد الطلاب لسوق العمل أو التأكد من مشاركتهم في عملية التنمية الاقتصادية؛ من الأهداف المهمة، لكن يتم التركيز عليها في مراحل التعليم المتقدمة بعد أن يتم التأكد من أن أغلب المتعلمين قد حصلوا على جودة تعليم متقاربة في مراحل التعليم الأساسية. ووفقا لهذه الرؤية، يلعب المعلم في هذه المنظمة الدور الرئيسي ويكون المنهج الدراسي تابعا له.

ويقول البعض إن ما تحتاجه دولة متقدمة مثل فنلندا في التعليم يختلف عما تحتاجه الدول العربية التي لا تزال لديها مشاكل اقتصادية وتنموية كبيرة. وبالتالي فإن ما يُنفذ في فنلندا لا ينبغي تنفيذه بالضرورة في دولنا العربية. وهذه مقولة صحيحة من حيث المبدأ، لكن عند النظر إلى أوضاع الوطن العربي نجد أننا في حاجة أشد للتركيز على رفع مستوى المعلمين وتقويتهم ماديا ومهنيا وفنيا أكثر بكثير من حاجتنا للتركيز على إصلاح المناهج.

ويوجد في مصر على سبيل المثال عجز في إعداد المعلمين يتجاوز 350 ألف معلم، وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. ويمثل هذا العجز نسبة 30% من أعداد المعلمين التي يجب تواجدها في المؤسسات التعليمة. وإن عجز المعلمين يعني في أحد جوانبه أن شرائح واسعة من الطلاب لا تجد معلما للتدريس. ويمكنك توقع مستوى المتعلمين السيئ في حال عدم توفر معلم لتدريسهم.

ويعني عدم توفر الأعداد المطلوبة من المدرسين أيضا أن مستوى المعلمين لن يكون بنفس الدرجة من الجودة، وأنه يوجد تفاوتات كبيرة بينهم. فلا يوجد تنافس كبير للالتحاق بالوظائف التعليمية وأصحاب المهارات المرتفعة، ولن تنتظر العمل في القطاعات التعليمية الذي يحتاج إلى انتظار طويل، وتتجه بدلا من ذلك إلى البحث عن فرص بديلة. وإن حل هذه المشكلة يتطلب تعيين أعداد أكبر من المعلمين، لكن هذا لم يحدث في السنوات الأخيرة.

وإذا كان تعيين معلمين جدد هو أمر له أهمية كبيرة في تحسين العملية التعليمية، فلماذا لا تقوم الأنظمة المختلفة بتعيين معلمين جدد؟

يعود سبب هذا في الحالة المصرية على سبيل المثال إلى أن النظام يختار التركيز على إصلاح المناهج بدلا من إصلاح أحوال المعلمين، وكذلك يعود السبب إلى عدم كفاية الإيرادات الحكومية لتلبية الإنفاق الحكومي المتزايد بسبب تسديد الديون وفوائدها التي تقتطع النصيب الأكبر من الموازنة العامة. وإن نقص الموارد المالية المستدامة تجعل خيار إصلاح المناهج الدراسية عبر مجموعة قليلة من المستشارين والخبراء ومن خلال إنفاق أموال بأشكال غير منتظمة؛ هي السياسة الأنسب للنظام على المدى القصير. أما على المدى المتوسط والطويل، فإن الكل خاسر من هذه السياسة.

ونعود إلى السؤال الذي عرضناه في أول المقال. لو كان لدينا 100 دولار مخصصة للإنفاق على التعليم، فالأولى إنفاقها على تحسين أوضاع المعلمين. والإنفاق على المعلمين يضمن تراجع أعداد العاطلين عن العمل، وهو أمر مهم من الناحية الاقتصادية. ويضمن تحسين مستوى المعلمين ارتفاع في مستوى الطلبة وتراجع في الفروق فيما بينهم، وهو أمر مهم من الناحية الاجتماعية. ويؤدي تراجع اللامساواة ووجود فرص متساوية في التعليم إلى مجتمع أكثر استقرارا. ويمكن للمعلم الجيد أن يحقق الأهداف التعليمية المطلوبة حتى لو كانت في المناهج بعض العيوب. فالمعلم يمكن أن يكمل المناهج غير المكتملة ويرفع من مستواها، لكن المناهج الجيدة بدون معلم جيد تصبح بلا قيمة؛ فوجود مناهج جيدة بدون وجود معلمين قادرين على إيصالها إلى الطلاب يعني أنّ لدينا قدرات وإمكانيات عالية لكنها لا تعمل.