حرب الولايات المتحدة في أوكرانيا (2) صناعة العدو الجديد

الحرب الروسية على أوكرانيا تغيّر خريطة التحالفات الدولية (رويترز)

في عام 2000، أصدرت الولايات المتحدة الأميركية قانونا يلزم وزارة الدفاع بتقديم تقرير سنوي سري وآخر غير سري حول التطورات العسكرية والأمنية لجمهورية الصين الشعبية، يتناول التقرير المسار الحالي والمستقبلي المحتمل للتطور التكنولوجي العسكري لجيش التحرير الشعبي الصيني، والمبادئ والتطور المحتمل لإستراتيجية الأمن الصينية، وإستراتيجيتها العسكرية، والمنظمات العسكرية، والمفاهيم العملياتية التي تدعم مثل هذا التطور، وذلك على مدى السنوات العشرين القادمة، بما في ذلك المشاركة والتعاون بين الولايات المتحدة والصين في المسائل الأمنية والعسكرية، وإستراتيجية الولايات المتحدة لمثل هذه المشاركة والتعاون في المستقبل.

وبعد 20 عاما على هذا القانون، تأكدت الولايات المتحدة أن الصين هي المنافس الوحيد الذي يشكل تهديدا لها، وتحدّيا دائما للنظام العالمي الغربي. فما الذي فعلته الصين حتى تصبح بهذه الخطورة؟ وكيف تقدمت في خطورتها على روسيا الوريث الشرعي للقطب الدولي السابق الاتحاد السوفياتي؟ وهل الأمر على هذا المستوى فعلاً؟ أم إن هناك عدوا جديدا تجري صناعته ليحل محل الإرهاب العالمي اسمه (الصين)؟

ترى الولايات المتحدة أن إستراتيجية الصين الوطنية تسعى إلى تحقيق "التجديد العظيم للأمة الصينية" بحلول عام 2049، لتجاوز النفوذ العالمي للولايات المتحدة، وإزاحة التحالفات الأميركية وشراكاتها الأمنية في منطقة المحيطين الهندي والهادي، ومراجعة النظام الدولي ليكون أكثر فائدة للصين ومصالحها الوطنية.

صعود القوة الصينية

في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وبينما كانت التدريبات الأميركية للقوات الأوكرانية تجري على قدم وساق، قدّمت وزارة الدفاع الأميركية للكونغرس الأميركي تقريرها لعام 2021 حول التطورات العسكرية والأمنية المتعلقة بالصين، التي وصفها التقرير بأنها المنافس الوحيد القادر على الجمع بين قوتها الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية، وأنها تسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي ليتماشى بشكل أفضل مع نظامها الاستبدادي ومصالحها الوطنية، كعنصر حيوي في إستراتيجيتها لتحقيق "التجديد العظيم للأمة الصينية". وفقًا لهذه النظرة العالمية، كما يرى التقرير، فإن اكتساب الصين القوة الوطنية الشاملة، بما في ذلك القوة العسكرية، ضروري لتهيئة الظروف لها لتأكيد وجودها على نطاق عالمي.

ونلخّص هنا أبرز ما ورد في التقرير مما يوضح لنا حجم الصعود الصيني، وحجم التهديد الذي يمثله للولايات المتحدة وحلفائها، وحجم الخطر الذي يمثله على النظام العالمي الأميركي الراهن، وكيف أن هذا الخطر تجاوز بكثير الخطر الروسي:

إستراتيجية الصين الوطنية

تهدف إستراتيجية الصين الوطنية إلى تحقيق "التجديد العظيم للأمة الصينية" بحلول عام 2049 لمضاهاة أو تجاوز النفوذ والقوة العالمية للولايات المتحدة، وإزاحة التحالفات الأميركية والشراكات الأمنية في منطقة المحيطين الهندي والهادي، ومراجعة النظام الدولي ليكون أكثر فائدة للصين ومصالحها الوطنية. ويمكن وصف هذه الإستراتيجية بأنها السعي الحازم لجهود بعيدة المدى لتوسيع القوة الوطنية لجمهورية الصين الشعبية. فعلى الرغم من جائحة كوفيد-19، فإن بكين واصلت في العام 2020 جهودها لدفع تنميتها الشاملة بما في ذلك استقرار نموها الاقتصادي، وتعزيز قواتها المسلحة، والقيام بدور أكثر حزما في الشؤون العالمية. استجابة للاتجاهات الاقتصادية طويلة وقصيرة المدى، تنظر الصين إلى الولايات المتحدة على أنها مصممة بشكل متزايد على احتواء الصين، مما يخلق عقبات محتملة أمام إستراتيجيتها. بالإضافة إلى ذلك، فإن قادة الصين على استعداد متزايد لمواجهة الولايات المتحدة ودول أخرى في المجالات التي تتباين فيها المصالح.

السياسة الخارجية

تسعى السياسة الخارجية لجمهورية الصين الشعبية إلى بناء "مجتمع المصير المشترك" الذي يدعم إستراتيجيتها لتحقيق "التجديد العظيم للأمة الصينية"، حيث ينبع طموح بكين التعديلي للنظام الدولي من أهداف إستراتيجيتها الوطنية وأنظمة الحزب السياسية والحاكمة. في عام 2019، أدركت الصين أن قواتها المسلحة يجب أن تلعب دورًا أكثر نشاطًا في تعزيز سياستها الخارجية، مما يسلط الضوء على الطابع العالمي المتزايد الذي تنسبه بكين إلى قوتها العسكرية. في عام 2020، كانت جائحة كوفيد-19 قوة دافعة وراء جهود السياسة الخارجية للصين، إذ سعت إلى إبعاد أي مسؤولية عن الفيروس وانتشاره الأولي، والاستفادة من روايتها للنجاح المحلي والمساعدات الخارجية.

السياسة الاقتصادية

تتناسب أهداف التحديث العسكري للصين مع تطلعاتها التنموية الوطنية الأوسع. فالجهود التنموية الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية والاجتماعية والأمنية التي تبذلها يعزز بعضها بعضا، وتدعم إستراتيجيتها لتشكيل البيئات الدولية والإقليمية التي تقبل وتسهّل مصالح بكين. تدعم التنمية الاقتصادية للصين تحديثها العسكري ليس فقط من خلال توفير الوسائل لميزانيات دفاعية أكبر، ولكن من خلال المبادرات المدروسة التي يقودها الحزب مثل: مبادرة صنع في الصين لعام 2025، ومعايير الصين 2035، فضلاً عن الفوائد النظامية للصناعة الوطنية المتنامية وقاعدتها التكنولوجية. عند بدء تنفيذ الخطة الخمسية الرابعة عشرة لجمهورية الصين الشعبية (2021-2025)، أعلن الحزب الشيوعي الصيني عن التحول إلى "نمط تطوير" جديد يتمثل في "التداول المزدوج" (Dual Circulation)، الذي يركز على تسريع الاستهلاك المحلي كمحرك للنمو الاقتصادي، والتحول إلى التصنيع عالي الجودة، وخلق "اختراقات" في التقنيات الرئيسية على طول سلاسل التوريد العالمية المتطورة والحاسمة. مع التأكيد على الاستثمار الأجنبي لتوفير رأس المال والتكنولوجيا الضروريين للنهوض بالابتكار التكنولوجي المحلي لدعم أهداف الأمن والتنمية في الصين.

إستراتيجية تطوير الاندماج العسكري المدني

تتابع الصين إستراتيجية تطوير الاندماج العسكري المدني "إم سي إف" (MCF) لدمج إستراتيجيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، لبناء نظام وقدرات إستراتيجية وطنية متكاملة، من أجل دعم أهداف التجديد الوطنية للصين. تتضمن إستراتيجية "إم سي إف" أهدافًا لتطوير واكتساب التكنولوجيا المتقدمة ذات الاستخدام المزدوج للأغراض العسكرية، وتعميق إصلاح صناعات علوم وتكنولوجيا الدفاع الوطنية، لتعزيز القوة الوطنية.

سياسة الدفاع والإستراتيجية العسكرية

يؤكد قادة الصين على حتمية تقوية الجيش الصيني ليصبح جيشًا "من الطراز العالمي" بحلول نهاية عام 2049. وضع الجيش الصيني عام 2020 خطة للتحديث حتى عام 2027، تهدف إلى تسريع التطوير المتكامل للميكنة والمعلوماتية والذكاء للقوات المسلحة الصينية، والتي إذا تم تحقيقها ستزودها بخيارات عسكرية عالية. في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، أصدرت اللجنة العسكرية المركزية "مخطط العمليات المشتركة للجيش الصيني" الذي يعتبر القانون الأعلى للعقيدة القتالية للجيش الصيني. في عام 2020، ظل الجيش الصيني موجهًا بشكل أساسي نحو "حماية" مصالح "السيادة والأمن" في المنطقة، مع التأكيد على دور عالمي أكبر لنفسه، مثل تقديم مساعدات كوفيد-19 في الخارج والسعي وراء منشآت عسكرية خارجية. يبلغ مجموع القوات النظامية ما يقرب من مليوني فرد، منها حوالي مليون فرد في الخدمة الفعلية. وقد سعى الجيش الصيني إلى تحديث قدراته وتحسين كفاءاته في جميع مجالات الحرب، حتى يتمكن كقوة مشتركة من إجراء مجموعة من العمليات البرية والجوية والبحرية، بالإضافة إلى الفضاء والفضاء المضاد والحرب الإلكترونية "إي دبليو" (EW) والعمليات الإلكترونية.

تستمر القدرات والمفاهيم المتطورة للجيش الصيني في تعزيز قدرة الصين على "القتال والفوز بالحروب ضد "عدو قوي"، وهو تعبير ملطف محتمل للولايات المتحدة، واستعراض القوة على الصعيد العالمي. تعتبر البحرية الصينية من الناحية العددية أكبر بحرية في العالم، مع قوة قتالية إجمالية تبلغ حوالي 355 سفينة وغواصة. واعتبارًا من عام 2020، سيكون لديها منصات حديثة متعددة الأدوار. وعلى المدى القريب، سيكون لديها القدرة على شن ضربات دقيقة بعيدة المدى ضد الأهداف البرية من الغواصات باستخدام صواريخ كروز للهجوم الأرضي. تعمل الصين على تعزيز قدرات وكفاءات الحرب المضادة للغواصات لحماية حاملات الطائرات وغواصات الصواريخ الباليستية التابعة لها.

تعتبر القوات الجوية الصينية أكبر قوة طيران في المنطقة، وثالث أكبر قوة في العالم، مع أكثر من 2800 طائرة، منها ما يقرب من 2250 طائرة مقاتلة (بما في ذلك المقاتلات والقاذفات الإستراتيجية والقاذفات التكتيكية والطائرات التكتيكية متعددة المهام والهجوم).

لم ينته التقرير الأميركي "غير السري" حول الصين عند هذا الحد، أما التقرير السري فما زال سريا.

(يتبع)