معركة الترحم على غير المسلم ومنهجية الاجتهاد

14-وصول جثمان شيرين أبو عاقلة إلى المقبرة لموراراته الثرى(الجزيرة نت)
لحظة وصول جثمان شيرين أبو عاقلة إلى المقبرة لمواراته الثرى (الجزيرة)

خلال السنة الماضية نشرت 3 مقالات تتناول الآتي: الدعاء لغير المسلم بالرحمة والمغفرة، وهل يتنفع الكافر بعمله الصالح في الآخرة؟، والآيات والأحاديث المتعلقة بأعمال الكفار والاستغفار لهم.

في المقالين الأولين ناقشت مذاهب العلماء ومداركهم وتعليلاتهم، وفي الثالث تناولت النصوص التي كانت هي الأصل الذي صدروا عنه وبنوا عليه واختلفت تأويلاتهم له ومناهجهم في التعامل معه، وأوضحت أن الخلاف هنا ليس حول العلم أو الجهل بآية أو حديث يُثبت (أو لا يثبت) جواز الدعاء بالتخفيف عن الكافر من العذاب في الآخرة، أو يُثبت (أو لا يثبت) أن الكافر ينتفع بأعماله في الآخرة، ولكن الخلاف إنما هو حول منهج تأويل هذه النصوص المختلفة والمتعارضة، وحول التوفيق بين هذه النصوص من جهة، والقواعد الكلية التي استقرت في علم الكلام من جهة أخرى.

أما هذا المقال فسأخصصه لمعالجة مسألتين:

الأولى: بيان طريقتي في المعالجة واختيار الموضوعات، لعل ذلك يسهم في فهم مقاصدي ويساعد على الإمساك بالفكرة بدقة بعيدا عن الاجتزاء والتحريش وسوء الظن.

الثانية: مناقشة انتقاد وجّه إلى مقالاتي السابقة بخصوص الفصل والوصل بين مسألتي الدعاء لغير المسلم وانتفاعه بعمله الصالح في الآخرة.

أما في ما يخص المسألة الأولى، فإنني أنطلق عادة من وقائع أو مناسبات محددة أعالجها وفق منهج متعدد التخصصات، فموضوع المقالات المشار إليها -على سبيل المثال- يثير الجدل باستمرار وفي كل مناسبة، ويمكن الحديث عن دوافع مختلفة لذلك ولكنني لن أخوض فيها، كما أنني لن أستسلم لنظريات المؤامرة على الدين والثوابت التي تسكن عقول بعض من يخوضون في ما يرونها "معركة" على الدين أو من أجله وتستباح في سبيل ذلك كل الوسائل، كالكذب وتحريف الكلم عن مواضعه والشرود عن مواضع النزاع والتلبيس على الخصم!

وهذه -في تقديري- هواجس حركية ودعوية لا تشغلني، فما أهتم له هنا كالعادة يعبر عن نوع اختصاص أردته لمقالاتي وطريقتي في الكتابة، ويمكن أن أوضحه من خلال أمور عدة كالآتي:

الأول: الخوض في المناقشات الفقهية والأخلاقية لمسائل الشأن الجاري التي يهتم لها الناس، أو تفرض نفسها على تفكيرنا أو حياتنا، ومثل هذه المناقشات تتناول أفعال المكلفين في الزمن الحاضر، ولأنها كذلك كانت لصيقة الصلة بحقلي الفقه والأخلاق، فمسألة الدعاء لغير المسلم -على سبيل المثال- تتصل بسلوك اجتماعي وأخلاقي من جهة، وبقضايا فقهية وكلامية من جهة أخرى.

وسبق أن تناولت قضايا عديدة كتهنئة غير المسلمين بأعيادهم، والانتحار، والمثلية الجنسية، وجرائم الشرف، والذكاء الاصطناعي، وأخلاقيات الإعلام، وغيرها من القضايا خلال السنين القليلة الماضية.

الثاني: أن الأصل الذي اتفق عليه العلماء أنه لا يحل لمسلم أن يُقدم على فعل لا يعلم حكمه شرعا، ومثل هذه المناقشات الفقهية والأخلاقية التي أخوض فيها قد تساهم في تطوير تقويماتنا وحججنا الأخلاقية التي نصدر عنها في سلوكياتنا، ولو رأى بعضهم أن مثل هذه المسائل لا تستحق أن تناقش أصلا بحجة أنها باتت مسائل عادية، ولكنها في الواقع ليست كذلك، خصوصا ونحن نرى كل هذا الجدل والخلاف الحاد.

الثالث: أن البحث في التقويمات الفقهية والأخلاقية لا يعني بالضرورة أن نصدر عن رأي واحد، بل أن يمتلك كل منا تسويغات تدل على أخلاقية سلوكه بطريقة متسقة ومعللة بحيث لا يتبع هواه حتى لو اختلفنا جميعا في الاجتهاد والتأويل.

ولهذا، أحاول أن أستعيد الإرث الفقهي -على تنوعه وثرائه- وأزج به في قضايا الشأن الجاري، لبيان أنه لا يزال راهنا من جهة، وأنه قادر على إثراء مناقشاتنا الحالية وليس منبتّ الصلة بالواقع من جهة أخرى، إلى جانب الاشتباك مع النقاشات الأخلاقية الحديثة حيث نستثمر أفكارا من تخصصات مختلفة بحسب القضية المبحوثة، وكل هذا من شأنه أن يكشف عن جوانب قصور في بعض الفتاوى المعاصرة التي لا تفي المسائل حقها ومستحَقَّها، بل وليست وفية للموروث الفقهي نفسه.

إن قصد المسلم بالدعاء لغير المسلم تعظيم معتقده الكفري كفر، وإن قصد بالدعاء طلب مغفرة الشرك من الله -عز وجل- اختلف فيه الشافعية فبعضهم قال يكفر، ورد عليهم آخرون فقالوا لا يكفر ولكن يحرم فقط.

كشف الجدل الذي شهدناه خلال الأيام الماضية حول الدعاء لغير المسلم عن توتر بين دائرتي الأخلاق العامة من جهة، والعقيدة التي يرى بعضنا أنها مهددة من جهة أخرى.

وأعني بالأخلاق العامة حسن الخلق مع الناس، كل الناس، لحق أنفسنا أولا بوصفنا كائنات أخلاقية (أي فضائل الذات)، ولحق الآخرين ثانيا بوصفنا أعضاء في جماعة إنسانية توجب لنا وعلينا حقوقا وواجبات (كالزمالة والجوار والقرابة وغير ذلك).

أما التهديد الذي يتناول العقيدة من منظور بعضنا على الأقل فيتمثل في غياب الحدود الواضحة للأديان: الإسلام وغيره، أو التورط في تعظيم معتقدات وشعائر دين آخر من خلال الانفعال لوفاة شخص أو غياب الحدود الفاصلة بين الثناء على شخصه والثناء على معتقده، مما قد يخدش إيمان المرء ويؤدي به إلى الكفر إن قصد ذلك، فالعبادة التعظيم، ولا تستقيم عقيدتان في جوف واحد.

لكن فقهاءنا ميزوا بوضوح بين الفعل والفاعل أو بين ظاهر الفعل وقصد الفاعل، فضلا عن أن الفصل بين الشخص والمعتقد بات أمرا مألوفا في الزمن الحاضر، إذ لا يلزم من تعظيم الشخص تعظيم معتقده، ولهذا يجري الحكم بناء على تحديد أسباب التعظيم، كعمله الصالح وخدمته للمجتمع أو إسهاماته العلمية أو خدمته لقضية عادلة وما شابه ذلك.

أما في ما يخص المسألة الثانية فإن المقالات الثلاثة السابقة تتناول مسألتين رئيستين: الدعاء لغير المسلم من جهة، ومصير الأعمال الصالحة لغير المسلم من جهة أخرى، وقد أشكل هذا الربط بين المسألتين على بعض المعلقين فأثار اعتراضين:

الاعتراض الأول: أن أحدهم زعم أن هذا "سوء تصور عن رحمة الله" بحجة أن الله تعالى إذا أراد أن يرحم كافرا فلا يتوقف ذلك على وجود أعمال صالحة له.

والاعتراض الثاني: أن آخر ذهب إلى أن هذا الربط خلط بين مسألتين منفصلتين بحجة أن انتفاع الكافر بعمله في الآخرة مسألة اعتقادية غيبية، فيما الدعاء للكافر مسألة فقهية تتعلق بأفعالنا نحن، وبناء على هذا استنكر عليّ نقض دعوى الإجماع على حرمة الدعاء للكافر مطلقا بحجة أن انتفاعه بعمله الصالح في الآخرة لا يقدح في الإجماع المذكور ولا ينقضه أصلا، لأن المسألتين منفصلتان.

والواقع أن هذه التعليقات التي تدعي الفصل التام بين المسألتين أقل ما يقال فيها إنها ليس لديها تصور صحيح، ومع ذلك تدعي دعاوى عريضة، وطريقة أهل العلم أن يستفصلوا أو يفرضوا الاحتمالات: إن قصد كذا فكذا، وإن قصد كذا فكذا، وبما أن هذا الربط بين عمل الكافر الصالح والدعاء له بدا غامضا فقد وجدتها فرصة لمزيد توضيح، إذ إننا هنا أمام مسألة يتداخل فيها الفقهي مع الكلامي ويجتمع فيها العملي والنظري.

أما في ما يخص الاعتراض الأول، وهو أن الرحمة الإلهية لا تتقيد بوجود أعمال صالحة فإن كلامنا هنا ليس في كمال القدرة الإلهية، بل في تطبيقات العدل الإلهي وفي القوانين الشرعية المرعية، أما على مذهب المعتزلة في وجوب فعل الصلاح وفعل الأصلح بالنسبة للعباد فيجب على الله -سبحانه وتعالى- الإثابة على الأعمال الصالحة.

أما على مذهب الأشاعرة فإن الشرائع أسباب وأمارات نصبها الشارع لإقامة موازين العدل، وقد قلنا إن مغفرة ما دون الشرك متروكة للمشيئة الإلهية، وكذلك قبول الأعمال الصالحة من المشرك تحت المشيئة، وإنما الدعاء لأجل هذا، وقد قال أبو المظفر السمعاني "الفوز والنجاة جائز للعبد من الله تعالى وناجٍ به، غير أن هذه الطاعات والشرائع المشروعة أمارات وعلامات لنيل تلك السعادة"، فالأعمال الصالحة أمارة للجزاء بها إما في الدنيا وإما في الآخرة للمسلم والكافر لعموم قوله تعالى {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره}، ويقول الشاطبي "الأسباب والمسببات موضوعة في هذه الدار ابتلاء للعباد وامتحانا لهم، فإنها طريق إلى السعادة أو الشقاوة"، أي أن العدل الإلهي جارٍ على القوانين التي وضعها الله سبحانه وتعالى.

أما في ما يخص الاعتراض الثاني فإن الدعاء لغير المسلم له وجهان: كلامي وفقهي.

الدعاء لغير المسلم بالغفران فرع عن ثبوت الإذن الشرعي من الله تعالى بذلك، فالشارع لم يأذن بغفران ذنب الشرك حين قال {إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، ولهذا ترتب على هذا أنه لا يجوز الدعاء منا للمشرك بمحو ذنب الشرك خاصة

فالوجه الأول: الدعاء نفسه، وله حالتان: فإن نظرنا إلى الدعاء من جهة فعل الداعي كان مسألة فقهية، وإن نظرنا إليه من جهة اعتقاد الداعي ومقصوده من وراء الدعاء لغير المسلم كان مسألة كلامية، فإن قصد المسلم بالدعاء لغير المسلم تعظيم معتقده الكفري كفر، وإن قصد بالدعاء طلب مغفرة الشرك من الله عز وجل اختلف فيه الشافعية، فبعضهم قال يكفر، ورد عليهم آخرون فقالوا لا يكفر ولكن يحرم فقط.

الوجه الثاني: أثر الدعاء، فهل دعاء المسلم لغير المسلم بعد موته ينفعه في الآخرة؟ هنا نحن أمام مسألة كلامية أيضا على الرغم من أننا نتحدث عن فعل المكلف، ولكن ترتب عليه فعل لله تعالى، وهذه مسألة غيبية لا تثبت إلا بالنصوص، وهو ما عالجته في بعض مقالاتي السابقة.

الدعاء بالغفران والانتفاع بالأعمال الصالحة

أما انتفاع الكافر بأعماله الصالحة في الدنيا والآخرة فهو مسألة كلامية، ولكن لها وجه فقهي أيضا، وهو أننا إذا قلنا إن الشارع قرر أن يثيب الكافر على أعماله الصالحة بأن يخفف عنه العذاب يوم القيامة لزم من هذا أن دعاءنا له بالتخفيف عنه نافع له في الآخرة، فدعاؤنا له فرع عن ثبوت الإذن الشرعي من الله تعالى بذلك.

فالشارع لم يأذن بغفران ذنب الشرك حين قال {إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، ولذلك ترتب على هذا أنه لا يجوز الدعاء منا للمشرك بمحو ذنب الشرك خاصة، ولكن ماذا عن الدعاء له بالتخفيف عنه فقط، لذنوبه التي هي دون الشرك؟ هنا نقول إن ثمة دلالتين:

الدلالة الأولى: دلالة نصية، وهي أن قوله تعالى {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} عام في المسلم والكافر، ومن ثم فإن الدعاء للكافر بمغفرة ما دون الشرك هو طلب من الله تعالى أن يحقق مشيئته سبحانه في بعض عباده، وهذا معنى ثابت بنص القرآن.

الدلالة الثانية: دلالة قياسية، وهي أنه لما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قصة عمه أبي طالب حين قال له رجل: ما أغنيتَ عن عمك، فإنه كان يَحوطك ويغضب لك؟ قال "هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" كما في لفظ عند الإمام البخاري، وفي بعض الروايات عند البخاري أيضا "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة..".

والشفاعة دعاء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وعلى هذا يجوز الاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في الدعاء للكافر بتخفيف العذاب لعمل صالح عمله، خصوصا أنه لا يوجد دليل في النص يحيل إلى أن هذا الفعل خاص به صلى الله عليه وسلم أو بعمه، بل لدينا نصوص أخرى تفيد هذا المعنى أيضا، وقد أشرت إلى بعضها في أحد مقالاتي السابقة.

هكذا يتضح -وفق الاجتهاد الفقهي- أن الدعاء فرع عن مسألة التخفيف وليس كما توهم بعضهم أنه لا صلة بينهما، ولما كان هناك قول للسلف قديم في تخفيف العذاب وانضم إلى ذلك عموم الآية السابقة جاز الدعاء للكافر بالتخفيف بطلب تحقيق مشيئة الله تعالى ليس إلا.

أما النصوص الأخرى التي ظاهرها منع الاستغفار للمشركين فمعناها النهي عن الدعاء بمغفرة الشرك تحديدا وهو المنصوص عليه قطعا في آية {إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، وسبق أن نقلت في مقال سابق مذهب من فهم ذلك من فقهاء الشافعية المتأخرين (ولا صحة لمن نفي وجود ذلك، فالنصوص ثابتة ولعلي أخصص مقالا لهذا).

فدعوى الإجماع على المنع واردة على تحريم طلب مغفرة الشرك حصرا وهو الثابت في النص القرآني، أي تحريم الدعاء المطلق الذي يشمل مغفرة الشرك لا مطلق الدعاء للمشرك الذي يشمل طلب التخفيف عنه فقط، وقد فصلت القول في هذا في مقالاتي السابقة، ثم إن دعوى الإجماع على المنع من مطلق الدعاء (لا الدعاء المطلق) منقوضة بدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- (أو شفاعته) لعمه أبي طالب.

ولا يقال إن الدعاء بتخفيف العذاب لا معنى له، لأنه نوع من المواساة، وإلا لما كان لشفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- في أبي طالب معنى، وقد قال ابن رشد الجد "وقد روي عن الإمام مالك بن أنس -رحمه الله- أن للرجل أن يعزي جاره الكافر بموت أبيه الكافر لذمام الجوار، فيقول له إذا مر به "بلغني الذي كان من مصابك بأبيك، ألحقه الله بكبار أهل دينه وخيار ذوي ملته". وقال سحنون إنه يقول له "خلف الله لك المصيبة، وجزاك أفضل ما جازى به أحدا من أهل دينه، فالمسلم بالتعزية أولى، وهو بذلك أحق وأحرى".

وقد قال ابن عرفة في تفسير دعاء مالك، ثم تابعه الحطاب المالكي "قلت: في الأول (أي دعاء مالك) إيهام كون أهل ملته -بعد هذه الملة (الإسلامية)- في سعادة، وإلا كان دعاء عليه"، أي أن مالك كان يدعو بالفعل له لمنفعته في الآخرة، إذ لا معنى لأن يسخر منه وهو يبين حقه في ذمام الجوار.

كل ما سبق يوضح الخطأ الفاحش الذي ارتكبه أحد المفتين حين زعم أن مسألة تحريم مطلق الدعاء للمشرك من المعلوم من الدين بالضرورة، وهذا يستلزم تكفير كل من قال بصورة من صور الدعاء، وهذا يخل بميزان الشرع من جهة أن الواقع أنه لا يندرج ضمن فئة "الضروري" الذي يعلمه كل أحد، وإلا ما وقع كل هذا الجدل اليوم ولا طرأ عليها الخلاف بين العلماء في (بعض) صوره كما فصلته، وما هذا إلا نقيض من طلب الفردوس الأعلى لغير المسلم، والله أعلم.