القدس كمركز ثقافي سينمائي عربي

الفيلم السينمائي "الغريب"
الفيلم السينمائي "الغريب" (مواقع التواصل الإجتماعي)

يعاني "عدنان" من اغتراب داخلي في وطنه الجولان السوري المحتل، ولم يقو على مواجهة غربة أخرى في روسيا وعاد أدراجه ولم يحقق حلم والده بدراسة الطب هناك، وبعد عودته تحاصره المشاكل الشخصية والعائلية من كل حدب وصوب مثلما يحاصر قريته صوت الرصاص من كل جانب وهو عاجز عن وقف هذا وذاك. أجواء من الملل والانتظار تخيم على قصة عدنان وأسرته لا تخفف منها سوى اللقطات الشاعرية والجمالية التي تحيل منازل وطرقات القرية إلى لوحات فنية في فيلم "الغريب" من تأليف وإخراج المخرج الجولاني أمير فخر الدين، وهو أحد الأفلام المعروضة في مهرجان القدس للسينما العربية في دورته الثانية التي بدأت قبل أيام في مدينة القدس تحت شعار "السينما من أجل القدس".

رشحت فلسطين بشكل رسمي فيلم "الغريب" في مسابقة الأوسكار لهذا العام في دورتها 64، كما حصد جائزة أفضل فيلم في مهرجان فينيسا السينمائي الماضي، وجائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان القاهرة السينمائي.

الفيلم من إنتاج سوري فلسطيني ألماني مشترك، وشارك فيه الممثلان الفلسطينيان أشرف برهوم ومحمد بكري. وأتيح لسكان مدينة القدس أن يشاهدوا هذا الفيلم وغيره من الأفلام مجانا خلال مهرجان القدس للفيلم العربي، الذي تزامن مع الحادث الفاجع لاستشهاد الزميلة الغالية شيرين أبو عاقلة، حيث خيم هذا الحادث على أجواء المهرجان الذي أعلن تسمية جائزته للفيلم الوثائقي باسمها تخليدا لذكراها في الدورة الحالية والدورات المقبلة.

ربما يكون موضوع فيلم الافتتاح التونسي للمهرجان "قدحة" ليس جديدا كونه يتناول قضية الهجرة غير النظامية وتجارة الأعضاء، غير أن النقطة التي تميزه أنه عرض هذه القضايا من وجهة نظر طفل صغير يبلغ 12 عاما فقط، والذي يحاول اكتشاف العالم وهذه القضايا المعقدة من وجهة نظره. وهو أول عمل روائي للمخرج التونسي أنيس الأسود.

وتدور معظم أفلام المهرجان في فئاته المختلفة من روائي ووثائقي وقصير حول قضايا اللاجئين والاغتراب والهجرة في دول عربية مختلفة، وهي قضايا مهمة تتماس مع مستويات المعاناة المختلفة للفلسطينيين؛ فالفيلم المصري "أبو صدام" يتعرض لمسألة عودة سائق شاحنة لعمله بعد انقطاع سنوات ويعرض المشاكل التي تواجهه أثناء عمله على طرق الساحل الشمالي، وهو من إخراج نادين خان وبطولة محمد ممدوح. وفيلم "أوروبا" للمخرج العراقي حيدر رشيد يتعرض لقضية الهجرة غير النظامية عبر رحلة شاب عراقي نحو أوروبا سيرا على الأقدام من تركيا نحو بلغاريا.

وأعتقد لو تم تصنيف هذه الأفلام في المهرجان حسب الموضوعات لكان أنجع وأفضل، أو على الأقل وضع عناوين ثابتة للجوائز بحيث تتبارى الأفلام ذات الموضوع الواحد في فئات محددة بدل شعار السينما العربية العام.

يعد المهرجان خطوة متأخرة من أجل كسر الطوق الثقافي الذي يحاول الاحتلال ضربه حول القدس وتقديم نوع مختلف من السينما العربية يربط المقدسيين وأهل فلسطين بمحيطهم العربي سينمائيا وفنيا من جهة، ويفتح عيون المخرجين العرب على أوضاع القدس وأهلها من جهة أخرى.

غاب عن جدول المهرجان أية أفلام تتناول مسألة القدس سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. ويبدو أن هذا الأمر فرضه سوق الإنتاج الحالي لأن الموضوع نفسه حضر في جلسة نقاشية بعنوان "أفلام تحكي القدس"، وهو أمر مهم يشير إلى قلة الإنتاج السينمائي المتعلق بمسألة القدس ذات الأبعاد الإنسانية المتعددة والتي تتطور الأحداث على الأرض هناك وتتوالى المستجدات في الأخبار، سواء من ناحية الأحداث أو من ناحية القصص الإنسانية بشكل ربما يفوق خيال السينمائيين.

كسر العزلة الثقافية

أكثر ما لفت نظري من أنشطة المهرجان هو ورشة السيناريو لعدة أسباب: أولا لأنها اعتمدت عنوان "القدس عام 2050" لتحفيز خيال المشاركين على كتابة سيناريوهات أعمال عن قصص تدور وقائعها في المستقبل. وثانيا لأنها استخدمت تقنية الواقع المعزز (Augmented reality) التي تتيح تغيير الصور الواقعية بإضافة عناصر أخرى خارجية عنها مما يقفز بخيال المشاركين إلى مساحات أبعد من ناحية الموضوع ومن ناحية تقنيات التصوير والإخراج. وثالثا لأن هذه الورشة تجري عبر الإنترنت ومخصصة أصلا للمشاركين الفلسطينيين، لكن تقدم إليها كثير من المشاركين من تونس ومصر والجزائر وغيرها من الدول، واستوعبت إدارة المهرجان كل هذه الأعداد من المشاركين؛ مما يعني توفير فرصة تثقيف وتعليم سينمائي عن بُعد تنطلق من القدس نحو البلدان العربية بكل ما يحمله هذا من معان سياسية وإنسانية.

يعد المهرجان -في حد ذاته- خطوة متأخرة من أجل كسر الطوق الثقافي الذي يحاول الاحتلال ضربه حول القدس وتقديم نوع مختلف من السينما العربية يربط المقدسيين وأهل فلسطين بمحيطهم العربي سينمائيا وفنيا من جهة، ويفتح عيون المخرجين العرب على أوضاع القدس وأهلها من جهة أخرى. فلم تكن هناك أية مهرجانات متخصصة في السينما العربية في القدس خلال السنوات الماضية؛ وبالتالي كانت هناك فجوة فنية وإبداعية في هذا المجال.

ومن حسنات المهرجان الوليد أنه لم يحصر نفسه في القضايا الفلسطينية وحسب، بل امتدت موضوعات الأفلام لتناقش قضايا اجتماعية واقتصادية وإنسانية من مختلف الدول العربية.

ولا يعد الاهتمام المقدسي بالسينما الفلسطينية والعربية أمرا حديثا، بل هو مجرد إزالة الغبار عن تاريخ المدينة الثقافي العريق ودورها الرائد في الثقافة العربية والإسلامية؛ فقد كانت هناك 4 دور للسينما في مدينة القدس قبل الاحتلال الإسرائيلي، وكان هناك تواصل إنساني وثقافي فعال مع مختلف دول العالم خاصة الدول العربية. ولهذا فإن هذه الخطوة تعيد إحياء التراث السينمائي في القدس وتبدأ بلورة دور للمدينة المقدسة في أن تستعيد أمجادها لتصبح مركز إشعاع ثقافيا على العالم العربي عبر وصل عرى التواصل الإنساني والفني التي انقطعت بسبب الاحتلال وما صنعه من حواجز جغرافية وبشرية بين الفلسطينيين -خاصة المقدسيين- مع محيطهم العربي. لذلك يعد هذه المهرجان خطوة مهمة من أجل مد جسور التواصل الفني والثقافي أيضا عن طريق استضافة مخرجي الأفلام المعروضة عبر الإنترنت ومشاركتهم للجمهور أثناء عرض الأفلام في المهرجان.