كيف أحيا ترامب نظرية "الاستبدال العظيم"؟

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب (رويترز)

نظمت قوى يمينية مسيرة بمدنية تشارلوتسفيل بولاية فيرجينيا في أغسطس/آب 2017 أطلقوا عليها مسيرة "وحدوا اليمين". وأطلق المشاركون خلالها هتافات عنصرية ورفعوا شعارات نازية إلى جانب حمل بنادق نصف آلية، وأعلام كونفدرالية، كما رفعوا شعارات معادية للمسلمين واليهود والمهاجرين.

وكان أكثر الشعارات تداولا "اليهود لن يستبدلوننا". وشملت أهداف المسيرة توحيد حركة القومية البيضاء الأميركية، ومعارضة إزالة تمثال الجنرال روبرت لي قائد قوات الجنوب بالحرب الأهلية التي انهت عبودية السود في الولايات المتحدة.

واندلعت اشتباكات اليوم التالي، بين المعارضين والمشاركين في المسيرة، نتج عنه مقتل سيدة واحدة عندما اقتحم يميني أبيض متطرف حشود المحتجين السلميين. ثم أثار الرئيس السابق آنذاك دونالد ترامب عاصفة من الاستنكار عندما قال إن مسؤولية أعمال العنف تقع على كلا الطرفين، قبل أن يضيف "كان هناك أشخاص طيبون من الطرفين". العام التالي، وداخل كنيس (معبد يهودي) في بيتسبرغ بولاية بنسلفانيا، أطلق شخص أبيض، له تاريخ في تداول المنشورات المعادية للسامية على الإنترنت، النار على 11 مصليا، وألقى باللوم على اليهود للسماح "بالغزاة" المهاجرين بدخول الولايات المتحدة.

عام 2019، فتح أبيض آخر غاضبا مما أسماه "الغزو الإسباني لتكساس" النار على المتسوقين في متجر وول مارت بمدينة آلباسو بولاية تكساس، مما أسفر عن مقتل 23 شخصا، وأخبر الشرطة لاحقا أنه سعى لقتل المكسيكيين.

وقد جمع بين مرتكبي هذه الحوادث الثلاث إيمان بنظرية الاستبدال، والتي تدعي أن النخب الغربية، التي يتلاعب بها اليهود في الكثير من الأحيان، تريد "استبدال" الأميركيين البيض وإضعاف قدراتهم.

عاش ترامب كل عقود عمره السبعة في منطقة مانهاتن بمدينة نيويورك. وقد عشتُ فترة ليست بالقصيرة في نيويورك، وأتصور أنه من الصعب على أي شخص أن يكون عنصريا ويستمر في العيش في مانهاتن ونيويورك، ولا يمكن لشخص أن يكون ناجحاً في أي مجال إذا عرفت عنه شبهة العنصرية

وخلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، بث طالب في المرحلة الثانوية ويبلغ من العمر 18 عاما على الهواء مباشرة إطلاقه النار على 13 شخصا، قتل منهم 10 داخل سوبر ماركت معظم زبائنه من المواطنين السود بمدنية بافالو بولاية نيويورك.

وقبل ساعات من اقتراف جريمته، كتب المشتبه به على الإنترنت أنه كان مدفوعا بنظرية "الاستبدال العظيم" وهي نفس الفكرة العنصرية التي مفادها أن المواطنين البيض يتم استبدالهم عمدا بأشخاص ملونين من المهاجرين والمسلمين والسود في أميركا الشمالية والقارة الأوربية.

لم تكن هذه النظرية ركنا أساسيا بين النظريات السياسية المتعارف عليها في الولايات المتحدة، وكانت دائما على الهامش البعيد لليمين الأميركي، ولم يكترث بها أحد لسنوات.

واليوم أصبحت نظرية الاستبدال رائجة ولها في وسائل الإعلام اليمينية مروجون أقويا، وفي الدوائر السياسة المحافظة حيث تم استعارة النظرية وإعادة مزجها لجذب الغاضبين، وجمع التبرعات للوقوف في وجه ما يرونه جهودا دؤوبة لتغيير أميركا البيضاء والمسيحية.

ومنذ ظهور المرشح دونالد ترامب عام 2015، ظهر اتجاه جديد يطبع هذه الأفكار ليجعلها شائعة في أوساط الجمهوريين حيث تم التحدث بها بصوت عال في جلسات الاستماع بالكونغرس، ورددت في إعلانات الحملة الانتخابية للحزب الجمهوري، وتبنتها مجموعة متزايدة من المرشحين اليمينيين مثل إليز ستيفانيك التي تشغل ثالث أهم منصب بين جمهوري مجلس النواب، وعدد من الشخصيات الإعلامية على رأسهم المذيع تاكر كارلسون الأكثر مشاهدة في شبكة فوكس الإخبارية.

كتب وصول ترامب إلى سدة الحكم قبل 6 سنوات شهادة ميلاد جديدة للتيارات العنصرية المتطرفة اليمينية الأميركية وغير الأميركية.

ورغم وجود حالة استقطاب سياسي وانقسام مجتمعي حاد خارج واشنطن حول كل القضايا الداخلية مثل الرعاية الصحية وحقوق المثليين والإجهاض وحمل السلاح، وغيرها كثير، فإن هذه الانقسامات تبقى بعيدة عن عرقلة المسيرة الديمقراطية الأميركية بسبب وضوح قواعد اللعبة السياسية وصرامتها من خلال تقديس الدستور الذي وضع معادلات تبتعد عن العنف كوسيلة لحل الخلافات السياسية.

غير أن ما يشهده المجتمع الأميركي منذ بدء ظاهرة ترامب، وتبنيه شعار "فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" ليتم فهمه من أنصاره على أنه دعوة "لجعل أميركا بيضاء مسيحية مرة أخرى".

في الوقت ذاته، لا تترك نظرة سريعة على سجل ترامب مرشحا كان أو رئيسا، أي شخص إلا أكثر قناعة أننا أمام رئيس عنصري، غير أن أكثر ما يميز عنصرية هذا الرئيس أنها بالاختيار، أي أنه قد لا يكون شخصا عنصريا تقليديا ممن يؤمنون بسمو ذوي البشرة البيضاء في حالته بالضرورة، بل هو عنصري بالاختيار خدمة لمصالحه وأهدافه السياسية.

عاش ترامب كل عقود عمره السبعة في منطقة مانهاتن بمدينة نيويورك. وشخصيا عشت فترة ليست بالقصيرة في نيويورك، وأتصور أنه من الصعب على أي شخص أن يكون عنصريا ويستمر في العيش في مانهاتن ونيويورك. ولا يتمتع أصحاب أي عرق، أو جنس، أو لون، أو ديانة بالأغلبية في مانهاتن. الجميع هناك أقليات بصورة أو أخرى، ولا يمكن لشخص النجاح في أي مجال، ناهيك عن حياة الأعمال والصخب والتسلية والتلفزيونات إذا عرفت عنه شبهة العنصرية. ولم يمكن لترامب أن يحقق كل ما حققه قبل وصوله للبيت الأبيض من شهرة تعود لنجاحات كبيرة وإخفاقات واسعة ويكون عنصريا. ولم يكن لترامب أن يعيش ويحيا داخل مانهاتن إذا كان عنصريا.

من ناحية أخرى، وخلال النصف قرن الأخير، دفعت ديناميكية المجتمع الأميركي، والذي هاجر معها ما يقترب من 60 مليونا من دول أميركا الوسطى الكاثوليكية بالأساس وآسيا غير المسيحية بصفة أساسية، الولايات المتحدة ومجتمعها، إلى أن تكون أكثر تنوعا واختلافا عما يعتقد كثيرون.

ويبلغ عدد سكان أميركا حاليا ما يقرب من 334 مليون نسمة، منهم 60.4% من البيض مقابل 18.3% من الهيسبانيك (مكسيكيون كاثوليك بالأساس) و13.4% من السود الأفارقة، و5.9% من الآسيويين، والبقية متنوعة. في ذات الوقت انخفضت نسبة البروتستانت من 50% عام 2003 لتصل 36% عام 2017، وفى الوقت نفسه تقلصت نسبة المسيحيين إجمالا لتنخفض من 83% إلى 72% في نفس الفترة.

ويرفض الكثير من المتعصبين البيض البروتستانت الاعتراف بواقع أميركا الجديد، ويرون في تلك التغيرات تهديدا وجوديا لهم ولأميركا التي في مخيلتهم الجمعية. ولم تكفِ خطابات ترامب العنصرية والفاشية الوقحة، ضد كل من هو غير مسيحي أبيض، كي لا يثنى الجمهوريين عن اختياره لتمثيلهم، بل يبدو أنها كانت السبب المباشر والأهم في فوزه بالبيت الأبيض عام 2016. وتبنى ترامب خطابا سياسيا ديماغوغيا يدغدغ عواطف المواطنين من أجل كسب ولائهم، وقد نجح ترامب مرة، وقد ينجح مرة أخرى بعد عامين.

نعم خرجت نظرية "الاستبدال العظيم" على يد المنظر والناشط السياسي الفرنسي رينو كامو قبل أكثر من عقد من الزمان، وتتلخص في أن الدول الأوروبية وثقافتها المسيحية البيضاء تتعرض لاستبدال السكان البيض الأصليين بوافدين جدد من الأفارقة والمسلمين. إلا أن تبنى ترامب لها منحها قبلة حياة ونقلها لقلب النقاش السياسي الأميركي والعالمي.