هل يجب على المسلمين جميعًا أن يُفطروا ويصوموا معًا؟

هلال رمضان
هلال رمضان (الجزيرة)

عالجتُ -في مقال سابق- مدارك الاختلاف حول إثبات هلال رمضان، وأنه لا يمكن اختزال الاختلاف في ثنائيات بسيطة كاتباع الظاهر في مقابل اتباع المقاصد، أو كالأخذ بالعلم الحديث (الحساب الفلكي) في مقابل التمسك بالوسائل التقليدية (الرؤية البصرية) والخروج بدعاوى عريضة كمخالفة العلم أو العقل. وكنت قد أشرتُ إلى وجود بعد سياسي للنقاش، حول الموضوع، يرتبط بتصورات مفهوم الأمة الإسلامية، ووحدتها السياسية التي ربما رأى بعضهم أن الصوم والفطر أحدُ مظاهرها، ووعدت بمناقشته في مقال مستقل، وهو الغرض من هذا المقال.

ويمكن معالجة السؤال حول ما إذا كان الصوم والفطر ينطويان على بعد أو مظهر سياسي من خلال 4 مسائل ناقشها الفقهاء السابقون وترد في كتبهم الفقهية متناثرة، وهي كتبٌ من نتاج ما قبل الدولة القومية الحديثة، وهذه المسائل كالآتي:

لو رأى المسلم -وحده- هلال رمضان، هل يصوم؟ لو رأى الهلال أهلُ بلد، هل يجب على بقية المسلمين أن يصوموا تبعًا لهم؟ هل ثمة اختلاف بين هلال رمضان (الصوم) وهلال شوال (العيد) أم يجري عليهما قانون واحد؟ في حالة وجود غيم وانحجاب الهلال، هل للإمام السياسي دور في حسم الأمر بحيث يكون قوله هو المعيار في الصوم أو الفطر؟

أما فيما يخص المسألة الأولى، فقد اختلف الفقهاء في من يرى -وحده- هلال الصوم (رمضان) أو هلال الفطر (شوال). فهل يصوم ويفطر أم لا؟ وهل تقوم رؤيته بنفسه لنفسه دليلاً كافيًا على وجوب الصوم في حقه لدخول الشهر في حقه، أم يتبع الناس في الصوم والفطر على خلاف يقينه هو؟ في المسألة 3 أقوال للفقهاء، وقد رويت الثلاثة أيضًا عن الإمام أحمد بن حنبل، وهي كالآتي:

يصوم ويفطر سرًّا، وهذا مذهب الشافعي. وقال ابن عقيل الحنبلي: يجب عليه الفطر سرًّا؛ لأنه تيقن أن ذلك اليوم يوم عيد، وهو منهيٌّ عن صومه. ومأخذ هذا القول عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته"، والخطاب النبوي يتوجه إلى الأفراد أصالة، أما صومه وفطره سرًّا؛ فلأنه إن أظهره عرّض نفسه للتهمة والعقوبة. يصوم وحده، ولكن لا يفطر إلا مع الناس، وهذا هو المشهور من مذهب الأئمة أحمد ومالك وأبي حنيفة. وقد نص الحنابلة على أن من رأى الهلال فرُدت شهادته، لَزِمه الصوم في حق نفسه، لقوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته". فإن أفطر يومئذ بجِماع، فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه أفطر يوماً من رمضان في اعتقاد نفسه، أي أنه لا تلازم هنا بين الدياني (الفردي) والقضائي (الجماعي)، فيتصرف -في حق نفسه- كما لو قُبلت شهادته. أما في حالة الفطر، فلا يُفطر إذا رآه وحده؛ لما روي أن رجلين قدما المدينة وقد رأيا الهلال، وقد أصبح الناس صياماً فأتيا عمر فذكرا ذلك له، فقال لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: بل مفطر. قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأصوم وقد رأيت الهلال. وقال الآخر: أنا صائم. قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأفطر والناس صيام. فقال للذي أفطر: لولا مكان هذا لأوجعت رأسك!. يصوم مع الناس ويفطر مع الناس. قال ابن تيمية: وهذا أظهر الأقوال؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون". وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث بأن معناه أن الصوم والفطر إنما يكون مع الجماعة.

أما المسألة الثانية، فإذا رأى الهلالَ أهلُ بلد فهل يلزم الناسَ كلَّهم الصومُ بغض النظر عن مواقعهم الجغرافية؟ وهذه المسألة يُعبر عنها لدى الفقهاء بمسألة "اختلاف المطالع". ولا بد هنا من توضيح مهم، وهو أن الخلاف ليس حول نفس اختلاف المطالع وما إذا كان واقعًا أم لا، فإن هذا مما لا نزاع فيه بينهم، كما أوضح الإمام الزيلعي ونقله الإمام ابن عابدين وغيره؛ وهو مسألة فلكية وأمرٌ واقعٌ ومشاهدٌ في اختلاف التوقيت من ليل ونهار بين أقطار العالم، ومطالع القمر كمطالع الشمس في الاختلاف، وإذا زالت الشمس في المشرق لا يلزم أن تزول في المغرب وهكذا. وإنما الخلاف يجري بين الفقهاء في أثر اختلاف المطالع، وهل يُعتبر فيُبنى عليه حكم شرعي أو لا؟ أي هل يجب على كل قوم اعتبار مطلعهم هم فقط بحيث لا يُلزم أحدٌ العملَ بمطلع غيره، أم لا يُعتبر اختلاف المطالع كليًّا، ويجب العمل برؤية من سبق إلى الهلال ويسري حكمه على بقية المسلمين؟

اختلف الفقهاء في هذا على قولين:

الأول: أن اختلاف المطالع لا يُعتبر هنا في الصوم والفطر بالرغم من وجوده؛ فرؤية أهل بلد كافية لإثبات دخول الشهر بالنسبة للجميع في كل مكان؛ إذ إنه قد ثبت دخول الشهر -برؤية بعضهم- فيجب العمل على هذا لدى الجميع صومًا وفطرًا. وهذا هو ظاهر الرواية والمفتى به عند الحنفية، وهو المعتمد عند المالكية والحنابلة. فإنهم لم يعملوا باختلاف المطالع؛ لأدلة الشرع النقلية، ومنها عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته"، حيث تعلق الخطاب -عملاً- بمطلق الرؤية دون تقييدها بمكان، وذلك على خلاف أوقات الصلوات، وهو خطاب للأمة كافة، وقد توسع في بيان هذا ابن عابدين في إحدى رسائله كما أشار هو إلى ذلك في حاشيته.

الثاني: أن اختلاف المطالع مؤثر، فلكل قوم رؤيتهم في الأهلة، كما أن لكل قوم أوقات صلواتهم سواء بسواء، وهو المذهب المعتمد عند الشافعية، ومشى عليه بعض الحنفية كالزيلعي وغيره، وجرى عليه بعض المالكية كالقرافي وغيره حيث ميزوا بين الأقطار البعيد والأمصار القريبة. قالوا: لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم كما في أوقات الصلاة، فالعشاء -مثلاً- لا يجب على فاقد وقته؛ لأنه إنما يجب بدخول الوقت. ورأى القرافي المالكي أن وجوب الصوم، على جميع الأقاليم، برؤية الهلال في قُطر منها، بعيد عن القواعد، والأدلة لم تقتض ذلك. وقال النووي الشافعي: "لكل بلد رؤيتهم، وإن رؤية الهلال ببلد لا يثبت بها حكمه لما بَعُد عنهم".

واستدلوا بأن ابن عباس لم يعمل برؤية أهل الشام لحديث كُرَيب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمتُ الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني بن عباس ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية فقال ابن عباس: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا. هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما المسألة الثالثة، فتتعلق بما إذا كان يمكن التمييز بين حكم هلال رمضان في الصوم، وحكم هلال شوال في الفطر والعيد. والمشهور من مذهب الأئمة أحمد ومالك وأبي حنيفة -كما سبق هنا- أن من رأى وحده الهلال، يصوم وحده، ولكنه لا يفطر إلا مع الناس. فكأنهم ألحقوا الفطر (العيد) بالنحر (الحج)، فكما أنه لا يقف بعرفة وحده كذلك لا يدخل في العيد وحده؛ لأن هذه شعائر جماعية كصلاة العيد وشعائر الحج. في حين ذهب آخرون إلى الربط بين يومي الفطر والصوم (أي بداية رمضان وبداية شوال)، وأن الله تعالى لم يأمر عباده بصوم 31 يومًا؛ فمن أتم الثلاثين وجب عليه الإفطار؛ بغض النظر عن بقية الناس.

لو تأملنا مسالك التعليل ومداركهم في بناء الأحكام هنا نجد أن مدارها على مسائل كلية كالعمل بيقين الفرد الذي ثبتت عنده الرؤية وتغليبه في حق نفسه على ظن الجماعة، وتأكيد جانب المسؤولية الفردية في العبادة وهو أساس التكليف، والتمييز بين الجانب الدياني والجانب القضائي

ويحتمل هذا التمييز بين هلال الصوم وهلال الفطر معنيين:

المعنى الأول: أن الصوم عبادة يُطلب فيها الاحتياط، في حين أن الفطر فيه حظ للنفس، وهي تميل إلى الترخّص غالبًا، فاتباع الناس أسلم وأضمن لتحري عدم اتباع الميل النفسي أو لنفي التهمة في جلب منفعة للنفس (وهي الفطر) بخلاف هلال رمضان فإنه لا تهمة فيه، ولهذا ميز بعض الفقهاء بين هلال رمضان وهلال شوال أيضًا في عدد شهود الإثبات، ففي هلال رمضان اكتفى بعضهم بشاهد واحد؛ لأنه لدخول عبادة، والعبادة مبنية على الاحتياط، ولأنهم حملوه على الرواية ويُقبل فيها خبر الواحد، بينما لم يقبلوا في هلال شوال أقل من شاهدين؛ لأنهم حملوه على الشهادة ولا تكون بأقل من اثنين، ثم هي شهادة على الخروج من العبادة (الصوم)، فأُلحق بالحقوق طلبًا لبراءة الذمة.

المعنى الثاني: أن الصوم لُحظ فيه الجانب الفردي للعبادة، والفطر لُحظ فيه الجانب الجماعي والاجتماعي الذي به إنما يكون العيد عيدا، وربما يُستأنس في هذا بما اشترطه الحنفية لإثبات هلال شوال -في حالة الصحو- وهو أن يكون الشهود جماعة يحصل العلم للقاضي بخبرهم، واشترط المالكية في هلال شوال الرؤية المستفيضة أو شهادة عدلين من الذين يشهدون في الحقوق العامة.

أما المسألة الرابعة، وهي هل تحسم السلطة السياسية الأمر في حالة وجود غيم يحول دون رؤية الهلال، بحيث يكون قرار الحاكم هو المعيار في اختيار الصوم أو الفطر في حال احتجاب الهلال لغيمٍ؟

رُوي عن الإمام أحمد 3 روايات في هذه المسألة، واحدة منها فقط تقول: إن الناس تبعٌ للإمام، فإن صام صاموا وإن أفطر أفطروا، وهو قول الحسن البصري ومحمد بن سيرين أيضًا، ومأخذهم فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون"، ومعناه -كما سبق- أن الصوم والفطر مع الجماعة ومعظم الناس، لأننا لو حملناه على ظاهره لكان الكلام لغوًا وتعطل الحديث!. أما الرواية الثانية فهي أنه يجب صومه، ويُجزئ هذا الصوم إذا ما تبين بعد ذلك أن ذلك اليوم من شهر رمضان، وقد اختار هذه الرواية أكثر الحنابلة، وهو مذهب عمر وابنه، وعمرو بن العاص وأبي هريرة وأنس ومعاوية، وعائشة وأسماء بنتي أبي بكر، وبه قال غير واحد من التابعين. أما الرواية الثالثة فهي أنه لا يجب صوم ذلك اليوم، ولا يجزئه صومه له عن رمضان إن صامه، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ومن تبعهم.

من اللافت أن المسائل الأربع السابقة تؤكد عدة أمور:

الأول: أنها تستبعد تمامًا فكرة الحساب الفلكي من التفكير الفقهي في عبادة الصوم، وقد عالجناه في مقال سابق، وقلنا إن الحساب الفلكي لا يكفي لحسم الموضوع كما يُتصور.

الثاني: مركزية الأدلة النقلية في بناء الأحكام، رغم أنني لم أستقص الأدلة فيما سبق، وإنما ذكرت بعضها للإيجاز. وهذا دأب الفقهاء في المسائل التعبدية حيث الدليل النقلي هو الإمام، وإنما يُتحرى فيها إرادة الشارع، ويكون الاجتهاد فيها مضيَّقًا ومقيَّدًا بالنصوص ومنهج كل مذهب في تأويلها والعمل بقول الصحابي وبناء التعليلات اللازمة.

الثالث: أننا لو تأملنا مسالك التعليل ومداركهم في بناء الأحكام هنا نجد أن مدارها على مسائل كلية كالعمل بيقين الفرد الذي ثبتت عنده الرؤية وتغليبه في حق نفسه على ظن الجماعة، وتأكيد جانب المسؤولية الفردية في العبادة وهو أساس التكليف، والتمييز بين الجانب الدياني والجانب القضائي، فحتى لو رُدت شهادته في القضاء فإن ذلك لا يغير من حقيقة يقينه شيئًا ولا يصيّر اعتقاده باطلاً؛ وإنما عليه أن يعمل بما ثبت لديه سرًّا، لتحقيق الانسجام الداخلي أولاً ولتماسك النظام العام ثانيًا، وهكذا يتم الجمع بين البعدين الفردي والجماعي، ورعاية طبيعة الشعائر نفسها، وأن منها ما لا يتحقق إلا في جماعة كصلاة العيد والوقوف بعرفة، بخلاف بدء الصوم، فإن الجانب الفردي فيه غالب وهكذا. معنى هذا أن رعاية الاعتبارات السياسية كوحدة الأمة وفرقتها أو مفهوم الأمة نفسه أجنبي عن التفكير الفقهي السابق على الدولة القومية الحديثة، بل إنه لا يتفق مع قاموس ومفاهيم الصنعة الفقهية في الاستنباط والتعليل، بخلاف مسلك الإسلاميين الحركيين اليوم حيث أقحموا مثل هذه الاعتبارات في العديد من مسائل الفقه.

الرابع: أن الدور المنوط بالسلطة السياسية في عبادة كالصوم هامشي جدًّا في النقاشات الفقهية السابقة، فحتى على القول بالبعد الجماعي للصوم والفطر فهو عَرِيٌّ عن الظلال السياسية؛ إذ إنه إنما أنيط بالجماعة المسلمة لا السلطة السياسية، فضلاً عن الدولة القطرية. والإمام السياسي ربما كان له دور هامشي فقط عند بعضهم كما تبين من رواية عند الإمام أحمد وفي حالة واحدة وهي ما إذا طرأ غيم واحتجت الهلال، ومع ذلك فمعتَمَدَ مذهبه بخلافها، ومذهب الجمهور أن الإمام لا دور له في هذه العبادة الخالصة لله تعالى.

في المقابل، فإن غالب ما يجري عليه العمل اليوم في دول المسلمين وجماعاتهم، هو الأخذ باختلاف المطالع، وههنا تلعب السلطة السياسية المحكومة بمسائل السيادة والحدود الجغرافية دورًا مهمًّا في تعيين بدء ونهاية الصوم؛ رغم أنها عبادة دينية مرتبطة ببعدين: فردي (دياني) من جهة، وجماعي (اجتماعي وقضائي) من جهة أخرى، ولكنه ليس سياسيًّا ولا سياديًّا، ومع ذلك باتت جزءًا من السلطة التنظيمية للدولة القومية. وإذا ما راقبنا دولاً كدول الخليج، من العسير أن نجد دولة من دول محيط السعودية -مثلاً- تتقدمها أو تخالفها في تعيين بداية الصوم ونهايته، باستثناء سلطنة عمان وإيران في الغالب؛ رغم أنه حتى من قال باختلاف المطالع فإنما قال فيه بالنسبة للأقطار البعيدة لا الأمصار القريبة، ومع ذلك فإن السعودية لا تلتزم المذهب الحنبلي في هذه المسألة.