إعلام أميركا والتقصير في تغطية حرب أوكرانيا

الإعلام الاميركي (الجزيرة)

تعكس تغطية الإعلام الأميركي للحرب الروسية على أوكرانيا إجماع واشنطن الاستثنائي في إدانة الطرف الروسي، وشيطنة الرئيس فلاديمير بوتين، وصناعة أسطورة الرئيس فولوديمير زيلينسكي.

ويمكن أن يرى البعض قيام وسائل الإعلام الأميركية بعمل رائع في تغطية حرب أوكرانيا من داخل ساحة المعركة، إذ أبرزت الخسائر البشرية المروعة، وفي الوقت ذاته يمكن أن يرى آخرون الإعلام الأميركي متحيزا ومقصرا بسبب التعاطف الكبير مع الشعب الأوكراني، وهو ما يفقده الكثير من الموضوعية في تغطيته.

يعرض كثير من الصحفيين الأميركيين صورا وتقارير من ساحات المعارك، مع اعتماد كبير على أصوات السكان المدنيين، وسط تركيز على صور المعاناة الإنسانية؛ سواء تدمير المدن والبنايات السكنية، أو على ملايين اللاجئين في طريقهم للدول المجاورة أو بالقرب من النقاط الحدودية بعد وصولهم إليها، أو على النازحين الذين ينتقلون داخل الأراضي الأوكرانية طلبا للأمان.

ويكرر صحفيو وسائل الإعلام الأميركية التطرق إلى "ما يريده الأوكرانيون" ويتجاهلون "ما تريده روسيا" أو "كيف وصلنا إلى خطوة بدء القتال والغزو".

وبداية، يمثل كل وسائل الإعلام الأميركية البارزة كثير من الصحفيين في مدن أوكرانية عديدة، ويظهر كثير منهم من العاصمة كييف، ومدينة لفيف التي أصبحت بمثابة العاصمة البديلة مؤقتا، ويظهر أحيانا بعض المراسلين من مدينة أوديسا الساحلية وعدد من المدن الأخرى، إلا أن من النادر ظهور هؤلاء المراسلين من داخل إقليم دونباس (شرقي أوكرانيا)، الذي يعد أحد محاور العمليات القتالية الجارية داخل الأراضي الأوكرانية.

ويعرض كثير من الصحفيين الأميركيين صورا وتقارير من ساحات المعارك، مع اعتماد كبير على أصوات السكان المدنيين، وسط تركيز على صور المعاناة الإنسانية؛ سواء تدمير المدن والبنايات السكنية، أو على ملايين اللاجئين في طريقهم للدول المجاورة أو بالقرب من النقاط الحدودية بعد وصولهم إليها، أو على النازحين الذين ينتقلون داخل الأراضي الأوكرانية طلبا للأمان.

وتعتمد الشبكات الإخبارية الأميركية تحديدا على آراء المعلقين والخبراء، وتربط كثير منهم علاقات مهنية ومالية بمؤسسة الأمن القومي الأميركية وشركات صناعة الصلاح. ونادرا ما تعطي تلك الشبكات أي وقت للنشطاء المناهضين للحرب، أو للخبراء الذين يتفهمون وجهة النظر الروسية، مثل أستاذ العلاقات الدولية الشهير جون ميرشايمير الأستاذ بجامعة شيكاغو. وتتجنب شبكات الأخبار الأميركية بصورة شبه منظمة -أو ربما متفق عليها- عدم استضافة أي صوت يمثل وجهة النظر الروسية.

وتستعين الشبكات بعشرات وربما مئات الأوكرانيين المعارضين للغزو، وهذه منطقي، إلا أنها تتجاهل بصورة صارمة أصوات الأوكرانيين المؤيدين للغزو، رغم كونهم أقلية، إلا أنهم جزء مهم في الأزمة الجارية.

ومن الغريب أن الشبكات لا تستضيف أي محليين روس ممن يدعمون الرئيس فلاديمير بوتين، ولا تسمح بظهور خبراء أميركيين لا يوافقون على نهج إدارة جو بايدن في إدارة الأزمة ودعم أوكرانيا.

ولا يتفهم كثير من هؤلاء الخبراء التفاصيل التاريخية للأزمة الحالية، فلا يضعونها في إطارها التاريخي الصحيح، وتغيب عنهم الخبرات ذات الشأن بروسيا وأوكرانيا. ويتشابه حديث كثير من الخبراء والمعلقين وسط تكرار لثوابت موقف واشنطن من الأزمة، مع تنافس في اختيار أشد العبارات قوة لإدانة روسيا ورئيسها بوتين.

وفشلت وسائل الإعلام في توفير أي سياق للغزو غير المشروع، حيث إنه من المهم أن نفهم كيف وصلنا إلى هذا الوضع، الذي تتحمل -ولو جزءا صغيرا منه- واشنطن وحلف الناتو المسؤولية لعدم رغبتهما في أخذ المخاوف الأمنية لروسيا على محمل الجد.

وذكّرت روسيا -مع وثائق من العديد من التحقيقات من قبل مصادر غربية- العالم بوعد الولايات المتحدة وألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا عام 1991 بعدم توسيع حلف شمال الأطلسي بوصة واحدة إلى الشرق، في مقابل أن يسمح الاتحاد السوفياتي بإعادة توحيد ألمانيا. ويتجاهل الإعلام الأميركي -في أغلبه- النظر إلى تاريخ شن الغزوات ضد روسيا من الجانب الغربي لحدودها، ويمكن للمرء أن يفهم لماذا قد يرغب الروس في تعهد بعدم ضم أوكرانيا للحلف المعادي لروسيا. ولا يتطرق إعلام أميركا -على سبيل المثال- لخسائر روسيا (الاتحاد السوفياتي) خلال الحرب العالمية الثانية، التي تشير التقديرات إلى فقدانه أكثر من 26 مليون شخص، أي نحو 13% من سكانه عام 1939.

ولا يتطرق الإعلام الأميركي كذلك لتحذير السفير آنذاك لدى روسيا وليام بيرنز -الذي يشغل الآن منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية- لواشنطن من خطر التمسك باحتمال عضوية الناتو لأوكرانيا. وحذر من أن ذلك قد يؤدي إلى حرب أهلية بأوكرانيا، ويعرض روسيا لأزمة على حدودها قد تضطر فيها إلى التدخل. وبدل محاولة منع حدوث هذا الوضع، تصرفت الولايات المتحدة بطرق أدت إلى حدوث هذه الأزمة المتوقعة.

في القتال الدائر داخل الأراضي الأوكرانية، لا تعد الولايات المتحدة أحد الأطراف المتحاربة، فقط تمد واشنطن الجانب الأوكراني بكثير من الأسلحة والمساعدات المختلفة لدعم مقاومتها القوات الروسية الغازية.

ورغم عدم تورط الولايات المتحدة عسكريا (على الأقل حتى الآن) في القتال، فإن شبكات الأخبار الرئيسية تنقل المؤتمر الصحفي اليومي للمتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية جون كيربي لمعرفة آخر التطورات الميدانية والعملياتية في جبهات القتال داخل أوكرانيا!

ويتبنى الكثير من الخبراء لغة تبدو تصعيدية تنطوي على تشجيع مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا، خاصة في حالة الدعم والمطالبة بفرض منطقة حظر طيران فوق أوكرانيا، ولا يواجهون معارضة من مقدمي البرامج. ويبالغ كثير من مقدمي البرامج التلفزيونية الأميركية عند الإشارة إلى "ضعف الجانب الروسي ووحشيته، وقوة الجانب الأوكراني وإنسانيته". وهناك تصوير بأن الصراع ينطوي على شرير واضح المعالم صنع للتلفزيون متمثلا في شخص الرئيس بوتين. في حين يلعب دور بطل الخير الرئيس الأوكراني زيلينسكي. ويلعب الرئيس الكوميدي السابق دورا بطوليا على شاشة الشبكات الأميركية كل ليلة، في حين أن خصمه الشرير، المسلح نوويا، يجلس وحيدا يملؤه الشك فيمن حوله في نهاية طاولة طويلة داخل الكرملين.

وارتدى الكثير من مقدمي البرامج في مختلف الشبكات الأميركية "الرداء الأخلاقي"، ويعيدنا ذلك إلى مشكلة الكيل بمكيالين في تصوير الضحايا والمتضررين من الجانبين. وبرزت التحيزات التي تدعم فرضة الواجب الأخلاقي للدفاع عن افتراضات متأصلة حول الخير والشر، والبطل والشرير، الضحايا والأعداء، من هنا لا يستحيل التعرض لكل الأطراف بموضوعية فحسب، بل لا يمكن حتى التطرق لكيف وصل الطرف الآخر لقرار شن الحرب، وبدء الغزو.

بعد أكثر من شهر ونصف الشهر من بدء القتال، لا تزال أوكرانيا القصة الخارجية الأهم في وسائل الإعلام الأميركية، ومن المحتم أن تبدأ تغطية الحرب في مرحلة ما بالتراجع التدريجي، لكن هذا التراجع يمكن أن يكون تدريجيا وطويلا، خاصة إذا أحسنت الشبكات الأميركية التركيز على "قصص وتقارير الناس"، وهو ما يستمر في جذب ملايين المشاهدين الذين يهتمون بالبعد الإنساني، بدل عرض تطورات المعارك التي أصبحت لا تُظهر إلا صور المدن والقرى المدمرة، أو صور خسائر الجانب الروسي بشرا وعتادا.