نظرات وعبرات | هل نشهد قريبا "سيف القدس 2″؟

يكرر مستوطنون إسرائيليون اقتحاماتهم لساحات المسجد الأقصى بالقدس المحتلة بحراسة مشددة من الشرطة (وكالة الأناضول)

المواجهات التي يشهدها المسجد الأقصى هذه الأيام، في أعقاب العمليات الاستشهادية المتتابعة التي قام الشباب الفلسطيني في مدن الكيان الصهيوني وأسفرت عن مقتل وإصابة العشرات، جعلت الأنظار في فلسطين والشارع العربي والإسلامي خاصة تتجه من جديد صوب المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وفي مقدمتها كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ترقبًا لبدء معركة "سيف القدس 2". فهل تعيد المقاومة الفلسطينية سيناريو معركة "سيف القدس" خصوصا وأن سياق الأحداث الحالية يشبه كثيرا سياق الأحداث التي سبقتها؟ وماذا لدى الفلسطينيين من خيارات غير ذلك؟

المقاومة هي الورقة الرابحة التي يمتلكها الشعب الفلسطيني منذ 80 عاما، وهي ورقة الضغط الأقوى التي تزعزع استقرار الكيان الصهيوني، وتفند ادعاءاته، وتهدم أساطيره التي يشغل بها العالم. والشعب الفلسطيني لن يتنازل عن هذه الورقة مهما طال الزمن، ومهما بلغت التضحيات.

في مثل هذه الأيام من العام الماضي، اندلعت المواجهات الفلسطينية في القدس والمسجد الأقصى بسبب قضية حي الشيخ جرّاح، انتهت بتصعيد عسكري نوعي قامت به المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة لأول مرة في تاريخها، وذلك في العاشر من مايو/أيار من العام الماضي، إذ أمطرت فيها الكيان الصهيوني بزخات من الصواريخ محلية الصنع في معظمها، أصابت العديد من مدنه ومناطقه، فيما أطلقت عليه حركة المقاومة الإسلامية (حماس) اسم معركة "سيف القدس"، وبعد 11 يوما توقفت المواجهة، بوساطة مصرية، بعد أن فقد فيها الفلسطينيون في قطاع غزة أكثر من 200 شهيد، وتكبّد الكيان الصهيوني أكثر من 13 قتيلا.

عام من الفشل

قبل أن ينتهي العام الأول على مرور معركة "سيف القدس" التي تحتاج إلى استعدادات خاصة للاحتفال بها، فلسطينيا وعربيا وإسلاميا، وقبل أن نشهد حدوث "سيف القدس 2″، لا بد من عملية جرد حساب لما تحقق في أعقاب "سيف القدس 1" على مدار عام، فرغم استثنائية المعركة، ونوعية النتائج المباشرة التي أسفرت عنها، ورغم الفرص الكبيرة التي أتاحتها للشعب الفلسطيني، ورغم الوعود والآمال والمكاسب التي كان الشعب الفلسطيني ينتظرها في الداخل والخارج، فإن شيئا منها لم يتحقق، وخاصة على المستويات التالية:

الانقسام الفلسطيني

ما زال الانقسام على حاله، رغم كل النتائج السلبية التي يتركها على الواقع السياسي والتنظيمي للشعب الفلسطيني، وخاصة بين أكبر تنظيمين في الساحة الفلسطينية: حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وحركة حماس. وقد أدى ذلك إلى استمرار فشل الجهود الرامية إلى إجراء انتخابات رئاسية ونيابية قد تؤدي إلى تحريك الوضع السياسي الفلسطيني قليلاً إلى الأمام، أو على الأقل تزحزحه من مكانه الذي تجمّد فيه منذ سنوات.

تعاون السلطة الفلسطينية مع الكيان الصهيوني

ما زالت السلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس (أبو مازن) تصر على التعاون سياسيا وأمنيا مع حكومات الكيان الصهيوني، الذي لا يقدّر مطلقًا هذا الدور للسلطة الفلسطينية، فعنف المواجهات والاعتقالات والاقتحامات والاستيطان ومصادرة الأراضي والاعتداء على المزارع وارتفاع عدد ضحايا المواجهات.. كل ذلك لم يتغير منه شيء تقديرا من الكيان الصهيوني لإصرار السلطة الفلسطينية على الوقوف إلى جانبه. ولو أن السلطة الفلسطينية تعاملت في موضوع الانقسام الداخلي والمصالحة مع حركة حماس بالروح نفسها التي تتعامل بها مع الكيان الصهيوني، لانتهى الانقسام منذ سنوات.

غياب المشروع السياسي الفلسطيني الوطني

ما زالت السلطة الفلسطينية متمسكة بوهم حل الدولتين الذي لا يعترف به الكيان الصهيوني، وكنتيجة حتمية للانقسام بين حركتي فتح وحماس، فإن كافة المحاولات والجهود التي تبذل لإصلاح المؤسسات السياسية الفلسطينية، والتوافق على مشروع سياسي فلسطيني وطني مشترك لتحرير فلسطين، جميعها -للأسف الشديد- باءت بالفشل، وقد أدى ذلك إلى أن يستمر الحراك الفلسطيني بكل تضحياته على غير هدى.

استمرار تقدم مشروع "أبراهام"

يستعد أصحاب مشروع "اتفاقيات أبراهام" الصهيوني للاحتفال بانضمام وجبة جديدة من الدول العربية والإسلامية إلى المشروع، في حين قطعت الدول التي التحقت بالاتفاقية، كالإمارات والبحرين والمغرب، أشواطا متقدمة، تجاوزت حدود التصورات، في إجراءات وفعاليات واتفاقيات التطبيع مع دولة الكيان الصهيوني في كافة المجالات، دونما اعتبار لأثر ذلك على القضية الفلسطينية، التي بدت بالنسبة لهم وكأنها لم تكن موجودة في يوم من الأيام.

الفشل الفلسطيني الإقليمي والدولي

حالة الانقسام السياسي التي يعاني منها المشهد الفلسطيني، أدت إلى فشل الاستفادة من نجاحات "سيف القدس" في تعزيز الموقف السياسي، وزيادة الضغط على الكيان الصهيوني، والدول الغربية المساندة له، وبالتالي لم نشهد أي حراك سياسي مؤثر ضمن هذا الإطار، مما أدى إلى إهدار فرصة رائعة ونادرة من صور انتصارات المقاومة الفلسطينية.

الخيار الثالث

في ظل هذا الفشل السياسي الذريع للسلطة الفلسطينية ومن بعدها القوى الفلسطينية السياسية والنقابية والاجتماعية والمدنية، لم يبق أمام الفلسطينيين من خيار سوى الاستمرار في المقاومة، وتصعيدها دون حدود، كخيار ثالث، لفشل حل الدولتين، وانعدام الفرصة حاليا لحل الدولة الواحدة. هذا الخيار الثالث سيحقق للشعب الفلسطيني العديد من المكاسب، وفي مقدمتها ما يأتي:

  • تأكيد أن الطرف الرئيسي في الصراع العربي الفلسطيني هو الشعب الفلسطيني، الذي لن يتنازل عن حقوقه المشروعة مهما بلغ حجم الإجحاف الدولي والتخاذل العربي، وأنه لن يسمح بمرور أي مشروعات تسوية أو تصفية على حساب حقوقه.
  • تأكيد أن المقاومة هي الورقة الرابحة التي يمتلكها الشعب الفلسطيني منذ 80 عاما، وأنها ورقة الضغط الأقوى التي تزعزع استقرار الكيان الصهيوني، وتفند ادعاءاته، وتهدم أساطيره التي يشغل بها العالم. وأن الشعب الفلسطيني لن يتنازل عن هذه الورقة مهما طال الزمن، ومهما بلغت التضحيات.
  • وضع العصا في عربة التطبيع، والوقوف في وجه المراحل التالية من مشروع "اتفاقات أبراهام"، وتأكيد أن مصير هذه الاتفاقات هو الفشل، مهما بلغت جهود الدول الراعية والشريكة في هذا المشروع، وتأكيد أن المشروع لن يمر إلا على أجساد الشعب الفلسطيني.
  • التنبيه المستمر للمجتمع الدولي بأن القضية الفلسطينية على رأس الأولويات، وأن الشعب الفلسطيني لم ينس قضيته، ولم يتنازل عن حقوقه، وأنه سيواصل مقاومته للكيان الصهيوني وجرائمه مهما بلغ دعمهم له، وتسترهم عليه.

اقترحت في مقال سابق، بعد معركة "سيف القدس"، قبل حوالي عام، دخول الشعب الفلسطيني في انتفاضة ثالثة مفتوحة، وإذا كانت بعض القيادات الفلسطينية التي أكلها الصدأ، قد خذلت الشعب الفلسطيني، فإن الدماء الحارة التي تجري في عروق الشباب المتجدد قادرة على إشعال هذه الانتفاضة، التي لن تكون ضد الاحتلال الصهيوني ومستوطنيه فقط، وإنما ضد كافة المعوقات الداخلية والخارجية التي تمنع التوصل إلى حلول نهائية لمأساة الشعب الفلسطيني.

هذه الانتفاضة الثالثة ستكون ضد اتفاقيات "أوسلو" وحل الدولتين، وضد السلطة الفلسطينية التي أكلها الصدأ وشلّها الفساد والمكتسبات الوهمية، وضد الانقسام الفلسطيني الذي أصبح عارا لا يمكن السكوت عنه أكثر من ذلك، وضد التخاذل العربي والعجز الرسمي الإجرامي، وضد المجتمع الدولي ومؤسساته وتخاذلها في حق القضية الفلسطينية، وازدواجيتها في محاباة الكيان الصهيوني، وضد "اتفاقيات أبراهام" ومشروعاتها المستقبلية.

ربما تعيق الحسابات السياسية ومكتسباتها مثل هذه الخطوات، ولكن انسداد الأفق، وصعوبة البدائل والخيارات، لا تترك أمام الشعب الفلسطيني وقواه الحقيقية الكثير من الوقت للتفكير، وخصوصا وأن الشعب الفلسطيني في جميع الأحوال يقدم يوميا من أبنائه ودمه وعمره ثمن التخاذل والتردد والتراجع والخيارات الخاطئة.