تحرير الإسلام من الدولة.. معركة القرن الـ21

في الزحف غير المقدس حاولت الدولة العربية الحديثة بالتجريم والمنع والمنح احتكار كل مساحات الفاعلية الدينية من مؤسسات وتعليم وفتوى ووقف وغير ذلك وامتد الأمر إلى صياغة المفاهيم والمدركات وبناء التصورات بما يضمن استمرار الهيمنة والتحكم (مواقع التواصل الاجتماعي)

شهدنا على مدار القرن الماضي وما نزال زحفا غير مقدس -على حد قول الدكتورة هبة رؤوف أستاذة النظرية السياسية بجامعة ابن خلدون- من الدولة العربية لتأميم المجال الديني الإسلامي، وآخر "مقدسًا" من قبل الحركات السياسية الإسلامية المعتدلة والعنيفة لنقل الديني إلى الدولة، وعلى الرغم مما يبدو بين الزحفين من صراع وتنافس فإن الجوهر واحد والطبيعة واحدة؛ فالأول مقصده الهيمنة والسيطرة، والثاني لا يرى تمام اكتمال "إقامة الدين" إلا بقيام السلطة/الدولة الإسلامية التي لا يدركها إلا من خلال جوهرها المهيمن والمسيطر أيضا؛ في مصادمة واضحة لأمرين: لمقصده الذي استهدف من ورائه هيمنة الدين على الدولة فشهدنا ابتلاعا له منها، وللخبرة الحضارية الإسلامية التي لم تكن فيها السلطة تتدخل في مجال أو تقوم بوظيفة يستطيع المجتمع أن يضطلع بها، لذا فقد كان كل من التعليم والعلماء والفتوى والوقف والقضاء مستقلا عن الدولة.

لقد توقفت كثيرا منذ أواخر الثمانينيات من القرن الماضي التي شهدت تصاعد دخول الإسلاميين إلى المجال السياسي، ورأيت وقتئذ أن السياسة -بمعنى تضخم المكون السياسي في مشروعهم وإعادة تعريفه للدين وتفسيره ليتمحور حول السلطة- ستبتلعهم.

في الزحف غير المقدس حاولت الدولة العربية الحديثة بالتجريم والمنع والمنح احتكار كل مساحات الفاعلية الدينية من مؤسسات وتعليم وفتوى ووقف… إلخ، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل امتد إلى صياغة المفاهيم والمدركات وبناء التصورات بما يضمن استمرار الهيمنة والتحكم.

البواعث الكثيرة وراء ذلك

  1. فالدولة الحديثة التي نشأت في المنطقة على مدار القرنين الماضيين متأثرة بخبرة الدولة القومية في أوروبا "ثقب أسود يلتهم الأيديولوجيا والأخلاق لمصلحة الهيمنة والتحكم ومصالح رأس المال"، وفق ما نصت عليه الدكتورة هبة رؤوف في كتابها المهم "الخيال السياسي للإسلاميين"؛ فالدولة الحديثة تحوّل الوظائف التي كان يقوم بها المجتمع على مدى قرون إلى مؤسساتها بزعم الكفاءة عن الأفراد والمجتمع.
  2. في كل الأنظمة العربية -وإن بدرجات متفاوتة- يمثل الديني أحد مكونات الشرعية محليا إن لم يكن أساسها في بعض الأنظمة، واستخدم خارجيا عند البعض كأحد مرتكزات القوة الناعمة.
  3. لحماية الدولة من تفسيرات الدين التي قد تقوّض سلطتها، وليُدار ويُنشر ضد المعارضين في معركة شبه مستمرة للسيطرة على المجال العام. أما بواعث الزحف "المقدس" للإسلاميين وإن بدا أنه محاولة لاسترداد الأرض المغزوّة بتأكيده لشمولية الإسلام، أي تعلقه بمجالات الحياة جميعا، لكن سرديته الكبرى ارتكزت على الهيمنة؛ حين احتلت السلطة موقعا مركزيا في تصوره لتطبيق الإسلام الشامل، كما تمحورت حركته حول بناء الأمة أو أسلمتها وفق مثال كل حركة وتفسيرها الديني.

هنا ملاحظة جديرة بالتوقف أمامها طويلا، هي: هل اكتمل مشروع الحركات السياسية الإسلامية باعتراف الجميع بمسألة شمولية الإسلام بغض النظر عن الخلاف حول كيفية حضوره في كل مجال من مجالات الحياة، وأن ما تبقى من هذه الحركات هو الصراع السياسي على السلطة؟ لقد توقفت كثيرا منذ أواخر الثمانينيات من القرن الماضي التي شهدت تصاعد دخول الإسلاميين إلى المجال السياسي، ورأيت وقتئذ أن السياسة -بمعنى تضخم المكون السياسي في مشروعهم وإعادة تعريفه للدين وتفسيره ليتمحور حول السلطة- ستبتلعهم، أي السياسة بهذا المعنى، وتعيد إنتاجهم على شاكلتها ووفق مثالها هي لا وفق مثاليتهم، وقد أكدت مخاوفي حقبة الربيع العربي بخاصة في موجتها الثانية وقد كانوا في السلطة أو مساندين لها؛ فهم في الحكم كما في المعارضة يتصرفون مثل الفواعل السياسية الأخرى حين تحركهم إدراكاتهم لمصالحهم الذاتية التي يبغون تحقيقها، ويبنون تحالفاتهم ليس وفق أسس أيدلوجية بل كان التنافس فيما بينهم أشد من تنافسهم مع الآخرين، والأهم أن الربيع العربي بموجتيه أثبت بما لا يدع مجالا للشك أنهم لا يملكون مشروعا فارقا للسلطة بل يتصرفون كأي حاكم عربي: الانتهازية السياسية التي طبعت تجربة وممارسة كثير منهم؛ في الحكم وخارجه، وتقلبات مواقفهم وتحالفاتهم، وتعدد انتقالاتهم من خندق إلى آخر، وتفشي مظاهر الفساد في بعض أوساطهم، أسقط عنهم لبوس "التقوى"، وأزاح من فوق رؤوس قادتهم "هالة القداسة".

وإذ أثبتت السنوات الأخيرة أن المشروع في بنيته السياسية والفكرية متهافت لدرجة لا تؤهله ليكون مشروعًا للحكم يقدم البديل للدولة العربية المأزومة، على العكس أظهرت تجربة الإسلاميين أن المشروع الذي حملته حركات الإسلام السياسي يزيد الواقع مأساة؛ فهو منفصل بقدر كبير عن متطلبات الواقع وما يمليه، ويميل في معظمه إلى الشعاراتية التي لا تدعمها رؤية مختلفة عن مشروع الحداثة، ولا برامج ولا مشاريع واضحة للحكم، والأهم قدرته على إعادة تعريف الدولة العربية بما يضمن تفكيك بنيتها المهيمنة. فما الذي ترتب على الزحفين المقدس وغير المقدس؟

 

إن النجاح في معركتنا في ما تبقى من القرن الـ21 تجعل من دولة وائل حلاق المستحيلة دولة ممكنة؛ نسترد بها جوهر تجربتنا الحضارية في الزمن المعاصر، وتضعنا في قلب الجدل الدائر حول تغوّل الدولة الحديثة الذي تصاعدت حلقاته بعد كورونا.

ظواهر كثيرة معقدة ومركبة نلتقط منها:

  1. صراع في المجالات كافة؛ داخلي وبين الدول حول من يمثل الإسلام، إلا أنه كما انتهيت في مقال سابق فإن الصراع على "روح الإسلام" يدور الآن حول إسلام منزوع الديمقراطية، ذي طبعة نيوليبرالية، وعنيف لأنه يمزج القوة الصلبة بالناعمة، ومتسامح مع الآخر خارج دائرته العقائدية؛ إقصائي مع أتباع دينه، كما استخدم فيه محاربة التطرف العنيف أو ما أطلق عليه الإرهاب لمزيد من الهيمنة والسيطرة.
  2. استقطاب يجري فيه توظيف الديني في الصراع السياسي.
  3. صراع سنّي شيعي تحركه أساسًا المذهبية الجيوسياسية.
  4. طائفية متصاعدة؛ حيث يُنظر إلى العديد من القضايا الدينية وغيرها من خلال عدسة الطائفية.
  5. بيروقراطية الإسلام؛ وهي إستراتيجية تسخر الدولة بها القوة الاجتماعية للدين من خلال الهيئات التنظيمية الرسمية، والمؤسسات، والموظفين الحكوميين، على حد وصف عالم الاجتماع وينسكوت.
  6. الأهم -من وجهة نظري- أن الزحف كان على دنيا الناس وصلاحها؛ وكما يؤكد الماوردي -الفقيه السياسي التراثي- أنه إذا أفسدت الدولة دنيا الناس أفسدت عليهم دينهم. هنا يمكن أن نشير إلى 3 ظواهر متشابكة من فساد دنيا الناس: الأولى غياب التنمية، والثانية شيوع الاستبداد وافتقاد الديمقراطية، والثالثة أن تصاعد الجدالات الدينية/الثقافية وهيمنتها على النقاش العام حرف السياسة عن وظيفتها في تغيير السياسات. ويلتفت ناثان براون -أستاذ دراسات الشرق الأوسط بالجامعات الأميركية- في كتابه المهم عن "جدال الإسلام" إلى عدد من المفارقات والتناقضات من قبيل حقيقة أن كثيرا من الجدل العلني يحدث على أرض الإسلام إلا أنه يغيّب السياسة الحقيقية؛ أي التي تترجم إلى سياسة عملية نتيجة غياب التشكيلات السياسية وضعفها.

فشل التأثير بالحجة على الحكم والسياسة العملية يعزز الاستقطاب، ولا يعطي مساحة صغيرة للإقناع، ويوفر القليل من المكافآت للتسوية أو محاولات التوصل إلى اتفاق وحلول وسط. وأخيرا، فإن هناك تنازلات رمزية أو مؤسسية للمعتقدات والممارسات والقوانين الإسلامية من قبل السلطة، لكن السلطة السياسية النهائية ظلت في مكان آخر؛ في يد الحاكم المستبد المتسلط.

والخلاصة أن ما أطلقت عليه في منتصف العقد الأول من هذا القرن "فائض التدين"، أي المزيد من تصاعد حضور الديني في المجال العام والصراع حوله منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، لم يؤدّ إلى تغيير حقيقي في حياة الناس، وأخشى أن يكون قد أفسد عليهم بعض دينهم. زحف مقدس جديد أتصور أن مهمتنا في ما تبقى من هذا القرن هي استرداد الأرض المغزوّة من الدولة بتحرير جميع ما احتلته من مجال ديني، وهي عملية أصعب بكثير من انتقال الديني إلى الدولة لأنها تتطلب عدّة نظرية تفهم طبيعة الدولة القومية الحديثة، وباجتهاد مبدع نسترد به ذاتنا الحضارية التي وقع احتلالها بتصورات مسمومة من الحداثة، ودراسات ميدانية ترسم خرائط التدين في واقعنا المعاصر.

هذا الزحف المقدس له شروط خمسة:

  1. إجماع وطني، وتيار رئيس حول المسألة الديمقراطية؛ فكلما تم تحرير جزء من المجال الديني زاد -في تقديري- منسوب الديمقراطية في المجتمع، لأنها تؤدي إلى مزيد من انتشار السلطة داخله وعدم تركزها في المستوى المركزي.
  2. عقد اجتماعي جديد يقوم على الحرية والتوزيع العادل للثروة والدخل والفرص.
  3. إخراج الديني من ساحة الصراعات السياسية الحزبية.
  4. رفض العنف بأشكاله كافة.
  5. أما الاتفاق على حد أدنى مشترك بين الفواعل الدينية المختلفة فيتحقق بالتفاعل الحر فيما بينهم على مدى زمني طويل نسبيا، ويدعمه إجماع على القيم التي ينبغي أن تحكم المجال السياسي. إن النجاح في معركتنا في ما تبقي من القرن الـ21 تجعل من دولة وائل حلاق المستحيلة دولة ممكنة؛ نسترد بها جوهر تجربتنا الحضارية في الزمن المعاصر، وتضعنا في قلب الجدل الدائر حول تغوّل الدولة الحديثة الذي تصاعدت حلقاته بعد كورونا، وستتصاعد بحكم تطورات التكنولوجيا وتغير طبيعة التحديات التي ستواجهها البشرية في المستقبل مثل التغير المناخي وغيره.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.