الحرب تُحرك المياه الراكدة بين أنقرة وواشنطن

ISTANBUL, TURKEY - NOVEMBER 22: Turkey's President Recep Tayyip Erdogan (R) and U.S. Vice President Joe Biden (L) shake hand after a press conference following a meeting at the Beylerbeyi Palace on November 22, 2014 in Istanbul, Turkey.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (يمين) والرئيس الأميركي جو بايدن (غيتي)

عندما أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن 31 أغسطس/آب الماضي موعدا لانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، بدأت إدارته محادثات مع أنقرة كي تلعب دورا في تأمين مطار كابل الدولي وتشغيله بعد الانسحاب الأميركي. بدت تلك اللحظة فرصة جدّية لإعادة ضبط العلاقات التركية الأميركية التي لم تشهد استقرارا طويل الأمد منذ سنوات.

خلال القمة الطارئة لحلف شمال الأطلسي في بروكسل الشهر الماضي، استغل الرئيس رجب طيب أردوغان هذه اللحظة المصيرية في تاريخ الناتو للتذكير بأهمية دور بلاده في الحلف، ودعا الحلفاء الغربيين إلى إنهاء حظر الأسلحة المفروض على تركيا.

بيد أن هذه اللحظة سُرعان ما تبدّدت بعدما أدّى الانسحاب الفوضوي الأميركي من أفغانستان وسيطرة حركة طالبان السريعة على السلطة إلى الإطاحة بمشروع التعاون التركي الأميركي. وفي أعقاب الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا في 24 فبراير/شباط الماضي، عاد زخم التواصل من جديد بين أنقرة وواشنطن، في ظل مساعي إدارة الرئيس بايدن لتوحيد حلف شمال الأطلسي ضد موسكو.

وفي الرابع من أبريل/نيسان الجاري أجرت وكيلة وزارة الشؤون الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند زيارة إلى أنقرة، مُمهّدة الطريق لتفعيل آلية التعاون الإستراتيجي بين البلدين، والتي اتفق عليها في القمة التي جمعت الرئيسين بايدن والتركي رجب طيب أردوغان في بروكسل في يونيو/حزيران الماضي.

كانت أولى النتائج المباشرة لزيارة نولاند إبداء وزارة الخارجية الأميركية في رسالة للكونغرس مقاربة إيجابية حيال مشروع بيع مقاتلات من طراز "إف16" إلى تركيا، مشيرة إلى أن تزويد أنقرة بهذه المقاتلات يصب في صالح وحدة حلف الناتو وقدراته على المدى الطويل وكذلك للأمن القومي الأميركي. ينبع الاهتمام الأميركي الراهن بإصلاح العلاقات مع تركيا بالدرجة الرئيسية من حاجة واشنطن لدور تركي أكبر في دعم أوكرانيا ومواجهة روسيا. فمن جهة، يجعل التهديد الذي تُشكله موسكو ومساعي أوروبا لإيجاد بديل للطاقة الروسية من تركيا أكثر أهمية بالنسبة لحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.

ومن جهة أخرى، تجد الولايات المتحدة نفسها مُجبرة على إصلاح العلاقات مع حلفاء مشاكسين كأنقرة من أجل توحيد الموقف الغربي. تدعم أنقرة كييف بالفعل، وسبق أن زودتها بطائرات (مسيرة) من دون طيار، لكنها في الوقت نفسه تبدو حذرة إزاء الانخراط بشكل أكبر في الجهود الغربية لتكثيف الضغط على موسكو. فعلاوة على تجنب المشاركة في العقوبات على روسيا، لم تكن أنقرة طرفا في العملية الغربية لتسليح أوكرانيا بعد الحرب، وبدل ذلك فضّلت -ولا تزال- لعب دور الوساطة بين موسكو وكييف.

خلال القمة الطارئة لحلف شمال الأطلسي في بروكسل الشهر الماضي، استغل الرئيس أردوغان هذه اللحظة المصيرية في تاريخ الناتو للتذكير بأهمية دور بلاده في الحلف، ودعا الحلفاء الغربيين إلى إنهاء حظر الأسلحة المفروض على تركيا.

تشكو أنقرة منذ سنوات من رفض شركاء غربيين -بما في ذلك الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا- تقديم أنظمة دفاع صاروخي بالإضافة إلى معدات مهمة مثل محركات الدبابات والطائرات الحربية والطائرات المسيرة والمروحيات التي طورتها الشركات التركية. كما تفرض الولايات المتحدة عقوبات على تركيا وطردتها من مشروع تصنيع مقاتلات "إف35" المتطورة بسبب استحواذها على نظام الدفاع الصاروخي الروسي المتقدم "إس-400". تعتقد أنقرة وواشنطن الآن أن الظرف الراهن يُشكل فرصة مناسبة لإعادة إصلاح علاقاتهما. مؤخرا، كشف مسؤولون أميركيون عن تقديم واشنطن مقترحا لأنقرة لتزويد أوكرانيا بمنظومة "إس-400" التي بحوزتها مقابل رفع العقوبات عنها، لكن أنقرة سارعت إلى رفضه خشية أن يؤثر ذلك على علاقاتها مع روسيا.

مع ذلك، يفتح المقترح نقاشا في أنقرة وواشنطن حول المبادرات العملية التي ينبغي اتخاذها لإيجاد حل للأزمة بينهما. منذ تولي بايدن السلطة جددت أنقرة عرضها بتشكيل لجنة مشتركة مع واشنطن لحل هذه المسألة، لكنها لم تتلق ردا إيجابيا. كان الاعتقاد السائد حينها أن بايدن غير مستعد بعدُ للتوصل إلى تسوية مع أنقرة. ما يختلف اليوم أن جهود إصلاح العلاقات ليست من طرف أنقرة فحسب، بل من واشنطن أيضا؛ في مؤشر على أن إدارة بايدن حريصة على إقامة علاقات مع تركيا بشكل أكبر مما كان عليه عندما تولى السلطة.

إلى جانب مسألة "إس-400″، هناك كثير من القضايا الخلافية بين أنقرة وواشنطن، من ضمنها الدعم الأميركي للوحدات الكردية في سوريا، ورفض الولايات المتحدة تسليم المعارض فتح الله غولن لتركيا. ولطالما عملت واشنطن في الماضي على التقليل من شأن هذه القضايا.

بالنظر إلى أن الصراع الراهن يُبرز حاجة الغرب لانخراط تركيا في إستراتيجية الضغوط القصوى على روسيا، فإن ذلك يمنح أنقرة مجالا للضغط على واشنطن لإيجاد تسوية لهذه القضايا أو بعضها على الأقل، لا سيما مسألة إعادة تركيا إلى مشروع تصنيع مقاتلات "إف35". في الأشهر الأخيرة اتخذت إدارة بايدن خطوة مشجعة لإصلاح العلاقات مع تركيا عندما سحبت دعمها لمشروع "ميد إيست" لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر اليونان وقبرص الجنوبية بمعزل عن تركيا، كما دعمت مساعي أنقرة وتل أبيب لإعادة تطبيع العلاقات بينهما. مع ذلك، فإن تحقيق اختراق جدي في الخلافات التركية الأميركية يتطلب إجراءات عملية لإعادة بناء الثقة بين الجانبين.

في المقابل، تبدو أنقرة أكثر اهتماما بإصلاح علاقاتها مع الغربيين كرافعة لإحداث توازن في شراكتها مع روسيا التي تميل لمصلحة موسكو بشكل أكبر. لكن المقترح الأميركي بخصوص "إس-400" يظهر الثمن الباهظ الذي يتوجب على أنقرة دفعه مقابل إصلاح العلاقات مع الولايات المتحدة.

إصلاح العلاقات مع تركيا سيكون مدخلا مهما لناتو منسجم في إستراتيجية ردع روسيا، لا سيما عندما يتعلق الأمر بحليف يعمل على تحقيق توازن مع روسيا في منطقة البحر الأسود ومناطق أخرى.

لا يزال هناك طريق ثالث يمكن للبلدين أن يسلكاه لإيجاد تسوية متوازنة تضمن للولايات المتحدة دورا تركيًّا أكبر في ممارسة الضغط على روسيا، ويضمن في المقابل لأنقرة الحفاظ على علاقة مستقرة مع موسكو. عندما زار أردوغان كييف في فبراير/شباط الماضي، اتفق مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على تزويد الجيش الأوكراني بمزيد من الطائرات المسيرة التركية.

هذا الاتفاق يكتسب أهمية للولايات المتحدة كونه يُساعد كييف في مقاومة الهجوم الروسي لفترة أطول. علاوة على ذلك، ينسجم قرار تركيا فرض قيود على عبور السفن الحربية الروسية عبر مضيقي البوسفور والدردنيل بموجب معاهدة مونترو مع الأهداف الأميركية والغربية بتقييد حركة القوة البحرية الروسية بين البحرين الأسود والمتوسط. لن يكون بمقدور أنقرة أن تذهب أبعد من ذلك في معارضة الغزو الروسي بالنظر إلى علاقتها المتشابكة مع روسيا في مجالات عديدة، لكن حرصها على تأكيد هويتها الأطلسية في هذا الصراع يجعل موقفها حيويا بالنسبة للمصالح الأميركية.

على مدى السنوات الماضية، قلّصت الخلافات التركية الأميركية فرص التعاون بين البلدين في مجالات عديدة، بينما استغلت روسيا هذه الخلافات من أجل بناء شراكة أعمق مع أنقرة. بالنظر إلى أن الحرب الراهنة تجعل استعادة وحدة وفعالية الناتو أولوية أميركية، فإن إصلاح العلاقات مع تركيا سيكون مدخلا مهما لناتو منسجم في إستراتيجية ردع روسيا، لا سيما عندما يتعلق الأمر بحليف يعمل على تحقيق توازن مع روسيا في منطقة البحر الأسود ومناطق أخرى.

رغم أن تركيا تميل إلى تبني الحياد الإيجابي في الحرب، فإن قدرتها على موازنة شراكتها مع روسيا تضعف كلما تضررت علاقتها بالغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص. على عكس الفترات الماضية التي لم تتوفر فيها أرضية مشتركة لتعاون تركي أميركي أكثر فعالية فإن الغزو الروسي لأوكرانيا يُشكل بيئة مناسبة لمثل هذا التعاون في المستقبل.

يتبنى الديمقراطيون في الولايات المتحدة خطابا عدائيا تجاه أردوغان، ويعدون تعاونه مع روسيا تهديدا للمصالح الأميركية. لكن هذه النظرة متناقضة مع السياسة الأميركية تجاه حلفاء آخرين لديهم علاقات عسكرية مع روسيا. ولا تزال واشنطن تتجنب فرض عقوبات على الهند بعد شرائها منظومة "إس-400" الروسية لضمان عدم تأثيرها على إستراتيجية احتواء الصين في جنوب آسيا والمحيط الهادي. سيكون من غير الصائب مواصلة معاقبة حليف قوي يمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو ويشكل حجر زاوية في موازنة روسيا في كثير من المناطق كسوريا والبحر الأسود وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى وأفريقيا.

في الوقت الراهن، سيتعين على بايدن ممارسة نفوذه على الكونغرس من أجل تمرير صفقة بيع المقاتلات الحربية كبداية لمرحلة جديدة مع أنقرة. في السنوات الأخيرة، ساد اعتقاد بأن واشنطن وأوروبا غير جادتين في إحراز تقدم في العلاقة مع تركيا بانتظار الانتخابات التركية المقبلة منتصف العام المقبل لاعتقادهما بأن أردوغان سيُهزم فيها. الرهان على هذا الافتراض لم يعد صالحا في خضم التحولات الكبيرة التي أحدثتها الحرب في الحسابات الجيوسياسية للغرب وتركيا على حد سواء.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.