هل تستطيع روسيا والصين تعويض الحماية الأميركية؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) والرئيس الأميركي جو بايدن (وكالات)

مع بدء الحرب الروسية على أوكرانيا، وجد البعض الفرصة لترديد مجموعة من "الإكليشيهات" والمقولات المعلّبة التي لا معنى لها، أو لا تصلح للتطبيق في جميع الحالات على الأقل، وكانت أشهرها مقولة "المتغطي بالأمريكان عريان"، بينما طوّرها البعض ووسّع مداها حتى تصلح للتطبيق على الحرب الأخيرة بسبب وجود الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو ضمن أطراف الأزمة، حتى أصبحت "المتغطي بالغرب عريان"، وفقا لما قاله مذيع مصري يحمل الجنسية الروسية لكنه لا يصرح بذلك على الملأ!

يستند هؤلاء إلى تجارب تاريخية ومعاصرة لإثبات وجهة نظرهم، منها رفض واشنطن استقبال شاه إيران بعد نجاح الثورة في خلعه عام 1979، وكذلك فرار الرئيس الأفغاني أشرف غني من كابل وتركها لمسلحي طالبان ليسيطروا عليها من دون تدخل من الجيش الأميركي، بعد توقيع اتفاقية بين إدارة ترامب وطالبان لانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، فضلا عن تجارب أخرى، مثل سقوط نظام فيتنام الجنوبية الموالي للولايات المتحدة على يد قوات شيوعية.

وبغض النظر عن مدى صحة تطبيق هذه المقولة على تلك التجارب من عدمها، فإن المقولة تبدو كأنها دعاية غير مباشرة للدول المناهضة للغرب، مثل روسيا والصين، إذ في مقابل تلك الصورة عن الغرب الذي يتخلى عن حلفائه ويغدر بهم، تظهر صورة متخيلة أخرى عن "الدب الروسي" الذي "يواجه الإمبريالية الغربية" ويقف بجانب أصدقائه وقت الشدة ولا يتخلى عنهم. لكن من هؤلاء الحلفاء الذين وقفت بجانبهم روسيا حتى أصبحت نموذجا يحتذى به عند البعض؟

لم يستفد آخرون كذلك من هرولتهم تجاه موسكو تحت شعارات "التوجه شرقا" وإعادة زمن عدم الانحياز وأمجاد "الدب الروسي" وغير ذلك من الرطانة الفارغة، إذ لم يقابلهم بوتين بالترحاب الذي كانوا يتوقعونه، لأنه كان يدرك أنها مجرد مناورة من جانبهم تجاه الولايات المتحدة لانتزاع تنازلات منها في ملفات داخلية.

إن مسحا سريعا سيكشف بوضوح أن روسيا لم تقف بجانب "دول" بالمعنى الإيجابي، وإنما وقفت بجانب مجموعة من أكبر الأنظمة الدكتاتورية وأكثرها طغيانا، بدءا من نظام قديروف في الشيشان، مرورا بمساندة نظام الأسد في سوريا، ونظام لوكاشينكو في بيلاروسيا، فضلا عن الأنظمة الحاكمة في كازاخستان وفنزويلا وأفريقيا الوسطى وإثيوبيا ضد الاحتجاجات والثورات وحركات التمرد التي اندلعت ضدها من شعوبها.

وحتى في السودان، بدأت تظهر للعلن قصص الغرام المتبادل بين المجلس العسكري الحاكم وروسيا، والتي كانت آخرها زيارة حميدتي إلى موسكو، بالإضافة إلى تقارير عن وجودٍ لمرتزقة فاغنر الروس في السودان، وتسريبات عن إمكانية إنشاء قواعد بحرية روسية على الأراضي السودانية.

كما يحضر هنا خليفة حفتر ومليشياته صاحبة المجازر والمقابر الجماعية ضد المدنيين الليبيين، كما تقف روسيا حائلا دون محاكمة مجرمي الحرب أمام المحكمة الجنائية الدولية، وهو على ما يبدو أهم ما يثير إعجاب القادة السياسيين من سياسات موسكو لأنهم معنيون بذلك بشكل أو بآخر. فهل هذه الأنظمة "الهمجية منزوعة الإنسانية" هي التي يجب أن نحتذي بها وفقا لما يردده هؤلاء من دون تفكير؟

وحتى إذا فحصنا تلك الحالات بدقة، بعيدا عن الصور السائدة، سيتضح لنا أن تلك الأنظمة "تعرّت" في أحيان كثيرة رغم أنها تحتمي بروسيا؛ فالأجواء السورية ساحة مفتوحة أمام الطيران الإسرائيلي يمرح فيها كما يشاء ويقصف ما يريد من أهداف ومواقع عسكرية تابعة لنظام الأسد أو لإيران، وفقا لتفاهمات بين موسكو وتل أبيب، رغم أن الأولى نشرت أنظمة دفاع جوي متقدمة، لكنها تصاب بالعمى على ما يبدو أمام الطائرات الإسرائيلية! وقد كشفت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية عن أن الطيران الإسرائيلي نفذ أكثر من ألف غارة جوية على أهداف في سوريا خلال 5 سنوات، بفضل التنسيق مع روسيا لمنع اعتراض الطائرات الإسرائيلية أثناء تنفيذ هجماتها!

أما في أوكرانيا نفسها، فإن روسيا لم تستطع أن تفعل شيئا لنجدة حليفها الرئيس الأسبق فيكتور يانوكوفيتش في وجه المظاهرات الغاضبة ضده عام 2014، ليهرب الأخير ويترك منصبه، وتكتفي موسكو برد فعل عسكري تمثل في احتلال شبه جزيرة القرم، وهو ما أدى إلى زيادة كراهية الأوكرانيين لروسيا وتوحيدهم ضدها أكثر من أي وقت مضى، فقد كسب بوتين القرم وأجزاء من شرق البلاد لكنه خسر الشعب الأوكراني بأكمله بعد القتل والتدمير الذي مارسته وتمارسه الآلة العسكرية الروسية على مدار أسابيع. كما لم يفعل بوتين شيئا لحليفته أرمينيا العام قبل الماضي، وتركها لقمة سائغة لأذربيجان التي استطاعت استرداد أراضيها المحتلة منذ 3 عقود.

ولم يستفد آخرون كذلك من هرولتهم تجاه موسكو تحت شعارات "التوجه شرقا" وإعادة زمن عدم الانحياز وأمجاد "الدب الروسي" وغير ذلك من الرطانة الفارغة، إذ لم يقابلهم بوتين بالترحاب الذي كانوا يتوقعونه، لأنه كان يدرك أنها مجرد مناورة من جانبهم تجاه الولايات المتحدة لانتزاع تنازلات منها في ملفات داخلية.

فقد استخدم بوتين ورقة السياحة الروسية لابتزاز مصر بعد سقوط الطائرة الروسية فوق سماء سيناء عام 2015، وظل يماطل عدة سنوات للسماح لسياح بلاده بالعودة. ورغم الخطر الذي يمثله سد النهضة الإثيوبي لمستقبل مصر واعتباره قضية وجودية، فإن روسيا وثقت علاقتها بالحكومة الإثيوبية، ووقعت معها اتفاقية عسكرية بهدف "تحديث قدرة الجيش الإثيوبي في المعرفة والمهارات والتكنولوجيا"، واتفق الطرفان على تعزيز التعاون العسكري وزيادة المبيعات العسكرية الروسية لأديس أبابا، ومنها منظومة "بانتسير" للدفاع الجوي، وبناء محطة للطاقة النووية بإثيوبيا.

وأخيرا جاءت الحرب الروسية على أوكرانيا لتكون مصر من أكثر الدول تضررا منها، إذ أصبحت مهددة بأزمة في إمدادات القمح بسبب تعثر واردات القمح الأوكراني والعقوبات الغربية على روسيا التي ستؤدي إلى انخفاض كبير في أعداد السياح الروس، الذين يمثلون نسبة معتبرة من عائدات السياحة في مصر، فضلا عن نتائج غير مباشرة تمثلت في خروج مليارات الدولارات من الأموال الساخنة التي سحبها المستثمرون خوفا من تداعيات الحرب، وهو ما سيؤدي إلى موجة تضخم وارتفاع كبير في الأسعار وتخفيض لقيمة الجنيه، مما ينذر بأزمات اجتماعية كبرى.

حتى إيران، الحليف الرئيسي لروسيا في الشرق الأوسط، تعرضت لابتزاز مدهش من موسكو؛ فبعد التوصل إلى حل وسط بين طهران والقوى الكبرى بشأن توقيع اتفاق نووي جديد، دخلت روسيا على الخط واشترطت إلغاء بعض العقوبات المفروضة عليها بعد حربها على أوكرانيا حتى تتمكن من التعامل الاقتصادي مع إيران، وهو ما أدى إلى تعثر المفاوضات وعرقلة التوصل إلى اتفاق كانت تحتاجه إيران بشدة للتخلص من أثر العقوبات الخانق على اقتصادها. كما رأى محللون أن روسيا لا تريد أن تتمكن إيران من العودة سريعا إلى تصدير الغاز حتى لا تكون بديلا عن الغاز الروسي الذي يواجه عقوبات. هذا ما يفعله "الدب الروسي" مع حلفائه والمهرولين إليه والذين يتخذونه قدوة ومثلا، فما بالنا بالباقين؟!

وحتى إذا رجعنا بالزمن إلى الوراء، سنجد تجارب عدة لأنظمة سياسية لم ينفعها الغطاء الروسي. على سبيل المثال، هُزمت مصر في حرب 1967، رغم اعتمادها الكبير على الدعم السياسي والعسكري من الاتحاد السوفياتي. أما أفغانستان فقد مثلت حالة نموذجية، إذ اجتاحت القوات السوفياتية البلاد عام 1979 لدعم الحكومة الشيوعية الحليفة لها، ورغم ذلك لم تتمكن من فعل شيء طوال ما يقرب من 10 سنوات، لتعلن انسحابها بعد ذلك.

ورغم الدعم المكثف الذي قدمته موسكو لحكومة الرئيس محمد نجيب الله "العميلة لها"، والذي تمثل في مساعدات عسكرية واقتصادية ضخمة، فضلا عن الأغذية والوقود والتقنيات والأسلحة المتطورة، وكذلك دعم مباشر من القوات الخاصة، فإن النظام الأفغاني انهار في نهاية المطاف واحتجز نجيب الله عدة سنوات حتى أعدمته حركة طالبان بعد دخولها كابل للمرة الأولى عام 1996، وعلّقت جثته في إحدى الساحات العامة وسط كابل ليكون عبرة ومثالا للواهمين بأنهم في مأمن من شعوبهم، حتى إذا تغطوا بالغرب أو الشرق.