العالم بعد شهر من الحرب الروسية الأوكرانية.. تدحرج إلى اللايقين

أجواء ملتهبة حولهم.. كيف يستعد الأوكرانيون لحرب محتملة مع روسيا؟ أوكرانيا - كييف - تدريبات عسكرية أبطالها مدنيون تطوعوا للدفاع عن كييف عند اشتعال حرب محتملة مع روسيا - مواقع التواصل
تدريبات عسكرية لمدنيين تطوعوا للدفاع عن كييف من زحف القوات الروسية (مواقع التواصل)

بعد مضي أكثر من شهر على حرب روسيا على أوكرانيا، لا تزال الحرب مستمرة ولم تنتصر روسيا ولم تنهزم أوكرانيا، إذ ما زالت المواجهة سجالا على الأرض الأوكرانية بما ينذر باستمرار هذه الحرب واستمرار آثارها على العالم بشكل عام، وعلى الدولتين المتحاربتين وأوروبا بشكل خاص، وبينما تستمر الحرب بين الطرفين، يضج العالم بآثارها، وتصطدم مخرجاتها بالمتغيرات الجيوإستراتيجية والسياسية والاقتصادية على المستوى العالمي، فبعد مضي شهر فإن التأثيرات قد نالت مستويات مختلفة ومتعددة من المتغيرات، من أهمها:

تنامي الخسائر المادية والبشرية بين الطرفين

الروايات الروسية والأوكرانية والأوروبية تعزز الخسائر وأنها تزداد يوما بعد يوم.

خسائر أعلنتها روسيا

ظلت حصيلة الخسائر التي أعلنتها روسيا رسميا في صفوفها ثابتة، ولم تزد على تلك التي أفصحت عنها وزارة الدفاع الروسية في الثاني من مارس/آذار الماضي، والتي أكدت فيها مقتل 498 وإصابة 1597 من العسكريين الروس أثناء العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا.

وكذلك لم تزدد الخسائر التي أعلنتها روسيا في صفوف العسكريين الأوكرانيين، وهي منذ آخر إحصائية نحو 2870 قتيلا وحوالي 3700 جريح، إضافة إلى أسر 572 عسكريا أوكرانيا.

لكن وزارة الدفاع الروسية تعلن باستمرار عن حصيلة تدمير المواقع والآليات: تدمير 5881 موقعا، بينها أكثر من 4 آلاف منشأة للبنية التحتية العسكرية الأوكرانية، و39 منظومة مضادة للجو من طرازات "إس-300″، و"بوك إم-1″، و"أوسا"، إلى جانب 52 محطة رادار.

بالإضافة إلى تدمير 182 طائرة أوكرانية، و1379 دبابة وآلية مدرعة، و132 راجمة صواريخ، و170 منظومة دفاع صاروخية، و514 مدفعا ميدانيا، و1268 قطعة من العربات العسكرية الخاصة، و172 طائرة مسيرة، و90% من المطارات العسكرية الأوكرانية.

خسائر أعلنتها أوكرانيا

وفي صفوفها، أعلنت أوكرانيا عن حصيلتها من القتلى المدنيين التي اقتربت من 3500 مدني على الأقل منذ العملية العسكرية الروسية.

وقدرت أوكرانيا خسائرها في البنية التحتية بأكثر من 565 مليار دولار منذ بدء العملية العسكرية الروسية، بحسب وزير البنية التحتية في أوكرانيا أوليكسندر كوبراكوف.

وفي الجانب الروسي، أظهرت آخر حصيلة أعلنتها وزارة الدفاع الأوكرانية تدمير 194 طائرة روسية بينها 86 طائرة مقاتلة، و108 مروحيات روسية، و444 دبابة، و1435 مدرعة، و201 قطعة مدفعية، و43 نظام دفاع جوي، و56 منصة إطلاق صواريخ من طراز "غراد"، و60 شاحنة، و7 طائرات مسيرة عملياتية، و3 سفن. في حين أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قتل أكثر من 14 ألف جندي روسي.

حصيلة أممية للقتلى المدنيين

وكشفت أحدث حصيلة للأمم المتحدة بلوغ عدد الضحايا من المدنيين 1544 منذ بدء الصراع في أوكرانيا، وذلك بتسجيل 636 قتيلا، و908 مصابين، لكنها تعتقد أن الأرقام الحقيقية "أعلى بكثير"، بحسب وكالات.

حصيلة أميركية لخسائر روسيا

وكشفت أحدث تقييمات استخباراتية أميركية، الخميس الماضي، عن خسائر الجيش الروسي في العمليات العسكرية بأوكرانيا، مؤكدة أن "أكثر من 7 آلاف جندي قتلوا منذ بدء الهجوم يوم 24 فبراير/شباط الماضي".

وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز" (New York Times) الأميركية، فإن "هذا العدد من الجنود الروس يزيد على عدد الجنود الأميركيين الذين قتلوا في العراق وأفغانستان على مدار أكثر من 20 عاما".

وبحسب نيويورك تايمز، فإنه "مع مشاركة أكثر من 150 ألف جندي روسي الآن في الحرب بأوكرانيا، فإن الخسائر الروسية، بما في ذلك ما يقدر بنحو 14 ألفا إلى 21 ألف جريح، تقترب من هذا المستوى".

كما خسر الجيش الروسي 3 جنرالات على الأقل في المعركة، وفقا لمسؤولين أوكرانيين وروس ومن حلف شمال الأطلسي "ناتو" (NATO).

وفقا للباحثين والتقارير الدولية، فإن تكاليف الحرب على الاقتصاد الروسي تتجاوز 20 مليار دولار يوميا، وتزداد مع تزايد الأعمال العسكرية وإطالة أمدها.

أعداد النازحين واللاجئين

وتسبب النزاع في واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في القارة الأوروبية، مع بلوغ عدد اللاجئين إلى الخارج أكثر من 3 ملايين شخص، وفقا لمفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين.

وتتوقع أوروبا أن تستقبل 5 ملايين لاجئ. وميدانيا، من المرجح أن يؤدي تكثيف القصف على العديد من المدن الأوكرانية إلى زيادة عدد القتلى المدنيين المحاصرين.

خسائر العالم اقتصاديا بعد أكثر من شهر من الحرب

يكبد الصراع الدائر في أوكرانيا الاقتصاد العالمي نحو تريليون دولار، وفقا للمعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية في المملكة المتحدة، ويتخذ من لندن مقرا له، والذي أكد أن هذه الخسارة ستسهم في زيادة التضخم العالمي بنسبة 3% خلال السنة الحالية من خلال إطلاق أزمة أخرى من سلاسل التوريد، وكشف المعهد أن مشكلات العرض ستؤدي إلى تباطؤ النمو وصعود الأسعار، وهو سيقلل من مستوى الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو نقطة واحدة مع حلول عام 2023.

وفقا للباحثين والتقارير الدولية، فإن تكاليف الحرب على الاقتصاد الروسي تتجاوز 20 مليار دولار يوميا، وتزداد مع تزايد الأعمال العسكرية وإطالة أمدها.

وخسارة الموارد المالية لروسيا التي كانت تحول من أوروبا مقابل النفط والغاز الروسي والتي تقدر بـ722 مليون دولار يوميا، وكشفت وزارة الاقتصاد الأوكرانية عن حجم خسائر الحرب الروسية، وقالت إنها تجاوزت 119 مليار دولار حتى الآن.

وأضافت أن 75% من الشركات في مناطق القتال توقفت عن العمل. وتعتبر هذه الخسائر أعلى من تقديرات مستشار الرئيس الأوكراني والذي أعلن مؤخرا أن قيمة الأضرار الناجمة عن العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا تبلغ حتى الآن نحو 100 مليار دولار.

وقال مركز الأبحاث الأميركي "معهد بيترسون للاقتصاد الدولي" إن التقييمات الأولية للغاية التي أجريناها تظهر أن قيمة الأصول التي فقدناها والتي دمرت تبلغ حوالي 100 مليار دولار أميركي، وفقاً لفرانس برس. وأوضح أن "حوالي 50% من شركاتنا لم تعد تعمل، وتلك التي لم تتوقف لا تعمل بكامل قدرتها"، كما ذكرت فرانس برس.

ملفات الصراع في العالم

بعد مرور أكثر من شهر من هذه الحرب، كانت التوقعات أن تحدث متغيرات على مستويات الصراع في مناطق ساخنة من العالم. فالصراع في سوريا واليمن وليبيا ما زال في نقطة المراوحة بين الحل السياسي وفرض الأمر الواقع بالقوة الذي لم يحسم.

لكن هناك ملفات شهدت انفراجة نسبية كملف فنزويلا والعلاقات مع الولايات المتحدة والملف الإيراني النووي، وتراجع الحديث عن الأزمة في هونغ كونغ وأقلية الإيغور، كما أن الصين بدأت حراكا تجاه أفغانستان والهند بزيارة وزير الخارجية الصيني للهند.

ومن المتوقع في ظل الشد والجذب من الأطراف الفاعلة في الحرب الأوكرانية الروسية، أن تتوجه ملفات الصراع إما نحو الحل الإقليمي وإما التفلت نحو الاستعار والتشدد، كما أنها عرضة للمساومات الدولية بين الأطراف الفاعلة في المشهد.

الخسائر البيئية والتسريبات النووية والإشعاعية

نظراً لأزمة الطاقة الناشئة من هذه الحرب، فقد ارتفع حجم الاستهلاك للفحم الحجري في الصين، ورفع إنتاجه نحو 12 مليون طن في اليوم، مما يؤثر على المعدلات البيئية.

أضف إلى ذلك ارتفاع الاتجاه نحو زيادة الحفر الصخري لاستخراج النفط الخام في الولايات المتحدة لسد العجز في أسواق الطاقة.

هذا الأمر أدى بالفعل إلى إفراغ قرارات مؤتمر المناخ الدولي الـ26 "كوب 26" (COP26) في جلاسكو في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، والتي وجهت لاعتماد خطة عمل لتقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون تبعاً للمناطق وقطاعات الأنشطة.

كما أن شبح وخطر التسريبات من المنشآت النووية الأوكرانية يلوح في الأفق، وإن لم يحدث رغم استهداف روسيا لمنشآت نفايات نووية بالقرب من العاصمة كييف.

متغيرات التحالفات والاستقطاب الدولي والإقليمي

شهد الشهر الماضي منذ بدء الحرب جولات مكوكية واتصالات على مستوى عال، وتفعيل أدوات ضغط هائلة على كثير من الدول الإقليمية وخصوصا المنتجة للنفط والطاقة، فقد تعرضت الهند لاستقطاب شديد بين المعسكريْن خصوصا وأنها لها اتفاقيات إستراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه هي عضو في مجموعة البريكس، وكذلك دول مثل البرازيل وجنوب أفريقيا، وهناك محاولات لاستقطاب إندونيسيا والأرجنتين لأحد الأطراف في هذه الحرب.

وازدادت الضغوط على دول الخليج من الطرفين من أجل تغطية عجز السوق وتوفير مصادر بديلة عن النفط والغاز الروسي. إلا أن دول الخليج لم تخضع إلى هذه الضغوط ولا لأي مساومة على التفضيلات والخيارات التي تضمن لها أمنها وتضعها في موقع الحياد من الحرب الدائرة هناك، وأعرب المسؤولون في دول الخليج عن دعمهم لحل دبلوماسي ينهي الحرب، بالطبع سيصبح الوضع صعبا مع استمرار الحرب، على الرغم من تنوع حذر في المواقف بين هذه الدول بما يخفف عنها الضغط من الأطراف المتحاربة.

ومع تطور ملف العلاقات التركية الإسرائيلية خلال شهر، وخصوصاً فيما يتعلق باحتمالات تطوير التعاون في غاز البحر المتوسط، فإن هناك جنينا جديدا يتطور لإيجاد تحالف إقليمي بدأ يتشكل بلقاء خماسي بحضور ملك الأردن ورئيس مصر ورئيس العراق وولي العهد الإماراتي ووزير الدولة السعودي تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز، ويأتي اجتماع العقبة لتعزيز تفاهمات هذه الأطراف مع إسرائيل.

ويشكّل هذا التحالف بعدا جيوإستراتيجيا من حيث توازن علاقات هذه الدول المتوقعة مستقبلا بين الأطراف الكبرى (روسيا والولايات المتحدة والصين وأوروبا)، وبين جغرافيا هذه الدول التي تشكّل منطقة حيوية ذات منافذ حيوية للتجارة العالمية، كما أن ملف الطاقة والغاز هو نقطة الارتكاز المعتمد عليها لتطوير علاقات دولية متزنة، ويصطدم ذلك بمصالح إيران في المنطقة، كما يصطدم بإستراتيجية إسرائيل في المنطقة العربية وخصوصا الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.

الصراع الإستراتيجي بين روسيا وأميركا وحلفائها

بعد أكثر من شهر من الحرب، تعمّق الصراع الإستراتيجي بين الأطراف المتحاربة؛ روسيا وحلفائها من جهة، وأوكرانيا والأوروبيين والولايات المتحدة من جهة أخرى. إذ يسهم كلا الطرفين في تأكيد الخوف من التمدد الجيوإستراتيجي والمحيط الحيوي للكتلتين باتجاه الآخر.

كما أن الدول المحيطة بأوكرانيا وعلى تماس مع حالة الحرب كبولندا ورومانيا أو الدول الأخرى كلاتفيا وليتوانيا، تشهد تقديرا متناقضا للموقف من حيث مصالحها الخاصة في عدم تطور الحرب ومصالحها الإستراتيجية في وجود قوة رادعة ضد روسيا تجمعها كقوة الناتو.

وقد أعلنت كرواتيا أنها ستسحب جنودها من الناتو حال نشوب صراع مع روسيا، وأعلنت الحكومة البلغارية أنها لن تشارك دون موافقة البرلمان. ورفضت الحكومة المجرية هي الأخرى استضافة وحدة من وحدات الناتو، لذلك فإنه على المستوى الجيوإستراتيجي ما زالت الحرب في بدايتها لم تحسم في اتجاه إستراتيجي معين لصالح طرف دون طرف، والكل يستخدم أدواته لسد الفجوة الإستراتيجية التي خلفتها آثار شهر من الحرب.

الداخل الروسي والحرب

نشرت مجلة "ناشيونال إنترست" (The National Interest) الأميركية تحليلا في الثاني من مارس/آذار الماضي قالت فيه: تشير بيانات استطلاعات الرأي إلى أن معظم السكان الروس لا يؤيدون سياسة خارجية عدوانية وتوسعية تذكرهم بالعصر السوفياتي، وتؤكد استطلاعات الرأي في عام 2021 أن معظم الروس والأوكرانيين لديهم مواقف إيجابية تجاه بعضهم بعضا كأفراد، وأن غالبية الروس على عكس بوتين يقبلون أوكرانيا دولة مستقلة.

وتؤكد استطلاعات أخرى معارضة معظم الروس للعمل ضد أوكرانيا، وتعكس هذه المواقف قلقا واسع النطاق من أن كلاً من الروس العرقيين والأوكرانيين العرقيين الذين يشتركون في قرون من العلاقات بفعل الزواج، فضلا عن الروابط السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، يمكن أن يعانوا ويهلكوا بأعداد كبيرة في الحرب.

أزمة بايدن الخارجية والداخلية بعد الحرب

وفق ما نشرته مجلة "وول ستريت جورنال" (The Wall Street Journal) في افتتاحيتها في 28/3/2022 ونقلته "الجزيرة" على موقعها، فإن بايدن وُوجه بنقد شديد على خطابه الذي ألقاه في بولندا يوم السبت الموافق 26/3/2022، ودعا فيه لعدم بقاء بوتين في السلطة، مما استدعى تدخل البيت الأبيض لتوضيح التصريح بأن "واشنطن لا تسعى لتغيير النظام داخل روسيا"، وقد انتقدت أطراف سياسية بايدن، وطالبت إيقافه عن التحدث أمام الجماهير خصوصا في ظل تصريحات سابقة عن الإستراتيجية الأميركية تجاه الأزمة الأوكرانية، واضطر مسؤولون في البيت الأبيض مرارا للتدخل وتصحيح التصريحات الخاطئة. وتوضح الاستطلاعات الجديدة أن 7 من كل 10 أميركيين شملهم الاستطلاع أعربوا عن ثقة منخفضة في إدارة بايدن في التعامل مع الصراع الدائر بين روسيا وبين أوكرانيا ودول حلف الناتو.

العالم يتدحرج نحو اللايقين

إنَّ العالم يتجه نحو اللايقين في تماسك النظام الدولي واشتداد الاستقطاب والضغوط الكبرى على الدول الإقليمية والدول الصغيرة خصوصا ذات المصادر النفطية والغاز، وإن ذلك ولّد الخوف من تمدد الحرب إلى دول مجاورة، وزيادة أزمة اللاجئين في أوروبا، والحرب الاقتصادية المتبادلة بين روسيا وأوروبا بما ينذر بأزمة إنتاج وغذاء عالمي، علاوة على الاتجاه نحو بناء تكتلات إقليمية جديدة خصوصا أن تكتلا جديدا في الشرق الأوسط بدأ في الظهور.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.