حرب روسيا على أوكرانيا.. ما لم نعرفه من قبل عن النفاق الغربي

يكشف العدوان الروسي على أوكرانيا الكثير من الحقائق التي يمكن أن نكتشف المستقبل في ضوئها، ومن أهم تلك الحقائق أن الولايات المتحدة تطبق معايير مزدوجة وتتعامل مع الشعوب بتحيز وعنصرية.

يقول بيتر أوبورن إن الغرب اندفع لمساعدة أوكرانيا ضد الغزو الأجنبي، لكن لم تكن لديه رحمة على غزة واليمن وسوريا وميانمار.

ولذلك يصف أوبورن الغرب بالنفاق، فإدانة حرب روسيا على أوكرانيا ووصفها بالوحشية تتطلب في الوقت نفسه إدانة كل أشكال العدوان على الشعوب ورفض انتهاك حقوقها في الحرية والديمقراطية.

نحن نتعاطف مع شعب أوكرانيا الذي يتعرض للعدوان الروسي الذي يستخدم فيه بوتين كل أسلحة الإبادة والتدمير والتخريب، لكن هذا لا يعني أن العالم كله يجب أن يقف بعد أن ينقشع غبار العدوان الروسي ضد المعايير الغربية المزدوجة وأن يرفض النفاق الغربي

بوتين يستغل النفاق الغربي

ولقد لاحظ بوتين ذلك النفاق الغربي واستغله في الهجوم على الغرب وعلى وسائل الإعلام الغربية، فقال إن الغرب يهتم بالأوكرانيين لأنهم بيض، مشيرا إلى تعليق قناة "سي بي إس" الأميركية بأن أوكرانيا دولة أوروبية متحضرة ليست مثل العراق وسوريا.

وعندما ذهبت سامانثا باور لتوزيع المعونات الأميركية على اللاجئين الأوكرانيين الذين فروا من جحيم العدوان الروسي إلى الحدود البولندية قالت إنهم يشبهوننا، وهذا ما يسبب لنا صدمة، فالحرب لم تعد تستهدف الشعوب البعيدة الفقيرة.

كانت باور -التي تقود الآن عملية الإغاثة الأميركية للشعب الأوكراني- سفيرة أميركا في الأمم المتحدة، وكانت تستطيع أن تساعد في وقف الحرب على اليمن، لكنها لم تفعل، وفضلت سياسة الصمت، ولم تحاول إدانة القنابل التي تدمر المستشفيات والمدارس اليمنية، ولم تعبر عن أي تعاطف مع شعوب اليمن وسوريا وغزة وميانمار.

بعد أن ينقشع الغبار

هذا لا يعني أننا لا نتعاطف مع شعب أوكرانيا الذي يتعرض للعدوان الروسي الذي يستخدم فيه بوتين كل أسلحة الإبادة والتدمير والتخريب، لكنه يعني أن العالم كله يجب أن يقف بعد أن ينقشع غبار ذلك العدوان ضد المعايير الغربية المزدوجة، وأن يرفض النفاق الغربي ويبحث عن وسائل لحماية حقوق الشعوب في الحرية والديمقراطية ويحميها من العدوان الأجنبي بدون تمييز أو تفرقة عنصرية.

إن قوة المبادئ تتجلى في تطبيقها على الجميع دون تمييز، والغرب يضعف تلك المبادئ عندما يطبقها بشكل متحيز وطبقا لمصالحه.

إن إدانة العدوان الخارجي يجب أن تكون قاعدة لبناء السياسات الخارجية العادلة للدول التي تحترم نفسها، وتريد أن تبني صورتها في أذهان الشعوب على أساس دورها في حماية المبادئ الإنسانية، ودفاعها عن حقوق الإنسان والشعوب.

أما الدولة التي تدين العدوان على شعب لمجرد أنهم من البيض أو أنهم يشبهون الدول الغربية في الوقت الذي تتجاهل فيه مآسي الشعوب العربية والإسلامية فإنها لا تستحق الاحترام، وهي تقوم بتشويه صورتها عندما تطبق المعايير المزدوجة وتكيل بمكيالين.

كما أن الغرب لا يخدم بذلك قضية أوكرانيا وشعبها الذي يتصدى ببطولة للعدوان الروسي، فالشعوب سوف تنظر للشعب الأوكراني على أن الغرب يؤيده لا لعدالة قضيته وانتمائه للأسرة الإنسانية، ولكن لأنه أبيض ويشبه الشعوب الغربية، وهذا الموقف الغربي من قضية أوكرانيا العادلة يشوه صورتها ويضعف تأييد الشعوب وتعاطفها مع هذه القضية.

المجد للمقاومة

إن مقاومة الشعب الأوكراني العدوان الروسي تثير الإعجاب في نفوس كل الأحرار، وتلهم الشعوب التي تكافح لانتزاع حقوقها وتحرير أرضها من الاحتلال، فالمقاومة ضد العدوان والاحتلال تستحق التمجيد والفخر، فمقاومة الشعب الأوكراني تجربة مهمة في تاريخ الإنسانية توضح أنها يمكن أن تهزم القوة العسكرية المادية الصلبة مهما بلغ تقدم الأسلحة وتطورها.

ومن المؤكد أن كل الشعوب يمكن أن تنظر بإعجاب للمقاومة الأوكرانية، وتطبق بعض جوانب التجربة التي تتفق مع ظروفها، لكن يجب أن يتم النظر إلى تجارب كل الشعوب في المقاومة بعدالة، وتمجيد تلك التجارب دون تمييز أو تفرقة عنصرية، فهناك تجارب عظيمة قدمتها الشعوب مثل المقاومة الفلسطينية، وهي بالتأكيد يمكن أن تلهم الشعوب وتلهم الشعب الأوكراني معاني الشجاعة والإصرار والصمود والبطولة والتضحية.

والأيام الماضية أثبتت أن شعب أوكرانيا لم يخضع ويستسلم كما كان يظن بوتين، ولم ينكسر أمام صواريخه ودباباته وطائراته وقسوة جيشه، لكن وسائل الإعلام لم تقدم الصورة الحقيقية لشعب يقاوم ويتحدى القوة الصلبة، وتجاهلت التجارب الإنسانية، فيما ركزت على الصواريخ والدبابات والمنازل المحترقة.

وشعب أوكرانيا قدم الكثير من صور البطولة والمقاومة حتى الآن، والتي تستحق التمجيد والفخر بها لكن لم يتم تصويرها، في الوقت الذي لجأ فيه البعض إلى التزييف والتزوير، حيث تم نشر صورة الفتاة الفلسطينية عهد التميمي التي واجهت بقوة وشجاعة جنديا إسرائيليا وكان عمرها آنذاك 11 عاما، في صورة حية وجميلة للمقاومة، لكن تم نشر هذه الصورة على وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها صورة لفتاة أوكرانية تواجه ببطولة جنديا روسيا، وحصلت هذه الصورة على أكثر من 10 ملايين إعجاب.

يذكّر بيتر أوبرون العالم بأن الفتاة عهد التميمي حكم عليها الاحتلال الإسرائيلي بالسجن دون أن يهتم الغرب بها أو يشعر بالأسى من أجلها، لكنه استخدم صورتها كفتاة أوكرانية تقاوم وتتحدى جنديا روسيا.

إن هناك الكثير من الفتيات الأوكرانيات يمكن أن يقلدن عهد التميمي في صمودها وتحديها للمحتل الغاصب، ووسائل الإعلام يجب أن تقوم بتصويرهن دون تزييف أو تزوير، وفي الوقت نفسه فإن هذه الوسائل يجب أن تصور التكامل بين تجارب كفاح الشعوب ومقاومتها للاحتلال، وأن تمجد كل صور البطولة والمقاومة والتضحية.

ليس إرهابا

إن الرجل الأوكراني الذي فجر نفسه في دبابة روسية يستحق التمجيد والفخر به وتقديمه كبطل ضحى بحياته دفاعا عن حرية بلاده واستقلالها، لكن في الوقت نفسه هناك الكثير من الرجال الفلسطينيين قاموا بعمليات استشهادية وفجروا أجسادهم في دبابات المحتل الإسرائيلي وجيشه لتحرير أرضهم.

وفي الوقت الذي قام الغرب بتمجيد البطل الأوكراني تم وصف الأبطال الفلسطينيين الذين قاموا بالفعل نفسه بالإرهاب، وهذا بالتأكيد يشكل دليلا على خطورة المعايير المزدوجة التي يطبقها الغرب، وعدم العدالة في التعامل مع كفاح الشعوب للتحرر من الاحتلال.

إننا نعبر عن إعجابنا ببطولة الرجل الأوكراني الذي ضحى بنفسه وقدم نموذجا لفعل مؤثر في مقاومة الاحتلال، ويمكن أن يقدم الكثير من الرجال هذا النموذج البطولي، لكن في الوقت نفسه لا بد أن يحترم العالم بطولة رجال فلسطين الذين ضحوا بأنفسهم في مواجهة المحتل الإسرائيلي والتعامل معهم كأبطال يستحقون التكريم والفخر ببطولتهم وتضحياتهم، فهم استخدموا الأسلوب عينه الذي استخدمه الرجل الأوكراني الذي اعتبره الغرب بطلا وافتخر به.

إن حروب التحرير تعتمد على تضحيات الرجال الذين يؤمنون بحقهم في الحرية، ويكافحون لتحرير أوطانهم، وهذه التضحيات تستحق الفخر والتمجيد، يتساوى في ذلك البطل الأوكراني مع البطل الفلسطيني دون اعتبار للون أو العرق أو الجنس، وتلك هي العدالة التي يبدو أن الغرب لا يعرفها.

المقاطعة أيضا

ينقل بيتر أوبرون عن مدير "مركز التفاهم العربي الإنجليزي" كريس دويل أن الفلسطينيين لاحظوا أن العالم اندفع لفرض العقوبات على روسيا، ومنعها من المشاركة في الفعاليات الثقافية والرياضية رفضا لاحتلالها أوكرانيا، لكن الغرب واجه الدعوة لمقاطعة الاحتلال الإسرائيلي بالرفض، ووصفها بمعاداة السامية، وقامت الحكومة البريطانية بتجريم هذه الدعوة، لذلك فإننا ندعو إلى مقاطعة روسيا التي احتلت أوكرانيا، لكن ذلك يجب أن يطبق على الاحتلال الإسرائيلي، فهذه هي العدالة.

وفي الوقت نفسه، فإن الغرب يجب أن يتحرر من عنصريته ونفاقه، ويجب أن تصور وسائل الإعلام كفاح الشعوب وتروي قصص أبطالها الذين يقاومون الاحتلال، فالأحرار الذين يتحدون العدوان بكل أشكاله يستحقون أن تفخر بهم البشرية، ومن حقها أن تعرف قصصهم لأنهم يلهمون الشعوب في كفاحها لتحقيق استقلالها وانتزاع حقوقها من الطغاة والمستبدين والقوى الاستعمارية.