الحب العربي السائل بنكهة مسلسل نتفليكس الجديد

لقطة من فيلم "يوم الحداد الوطني في المكسيك" (مواقع التواصل الاجتماعي)

تتناول فتاتان أقراصا مهدئة لضربات القلب قبل أن تدخلا إلى مقر عملهما في الإذاعة. وعند البوابة الخارجية للمكان تتوجه الشرطة نحوهما بجهاز كاشف لضربات القلب ليقيس إن كانت خفقاته تدل وجود حب أم لا، قبل أن يسمح لهما بالدخول. الشرطي تابع لهيئة منع الحب التي تنتشر في المدينة وتجوب سياراتها الشوارع بحثا عن أي شخص يحمل أي هدية بلون أحمر أو تبدو عليه أمارات العشق، في حين يتفنن آخرون في المدينة في إخفاء مشاعرهم وهداياهم خاصة في عيد الحب أو الفلانتين. تدور الأحداث في إطار من الفانتازيا في بلد خيالي، رغم أنه من الواضح أنه مصر في فيلم "يوم الحداد الوطني في المكسيك" للمخرج خيري بشارة ضمن سلسلة "في الحب والحياة" التي بدأت شبكة نتفليكس في بثها.

في هذا الفيلم يثبت المخرج المصري خيري بشارة أنه لا يزال شابا قادرا على تجسيد معاناة شباب عصره مع الحب والعشق في إطار الفانتازيا الخيالية بعد قدّم أعمالا تعبر عن الاغتراب الشبابي الداخلي مثل فيلمه "آيس كريم في جليم" عام 1992 مع عمرو دياب الفتى الفقير القادم من الإسكندرية للقاهرة ليحقق طموحه في عالم الغناء وليصطدم بالواقع. بعد 40 سنة يطل بشارة مرة أخرى عبر نتفليكس وسط نخبة من المخرجين العرب من المحيط إلى الخليج في سلسلة ثمانية أفلام "في الحب والحياة" ضمن الموسم الأول منها ليطرح إشكالية الحب المعاصر في إطار بوليسي ساخر أبعد قليلا عن الكوميديا التقليدية وأقرب للنقد الاجتماعي.

أفلام السلسلة تحمل قصصا غير مترابطة يجمعها موضوع واحد وهو الحب، وتدور في زمن واحد وهو يوم عيد الحب أو الفلانتين، ومكانيا يرتبط كل منها بدولة معينة من مصر إلى فلسطين إلى السعودية وتونس ولبنان والمغرب. ورغم تباين القصص من حيث الحبكة والشخصيات واللغة البصرية، فإن القاسم المشترك بينها هو التعبير عن أزمة الحب في الوقت المعاصر بعيون شباب من بلدان عربية مختلفة، ومحاولاتهم الدؤوبة لانتزاع المشاعر يوم عيد الحب في أطر مختلفة، ومعظمهم يفشل في تحقيق غايته لأسباب متباينة.

القاسم المشترك الثاني بين كل الأفلام هو الارتباط المرضي بالدوائر الاستهلاكية وأنها أصبحت معبّرة عن المفهوم المعاصر للحب. فآليات البيع والشراء والسعر والمحل التجاري وقيمة المال والمساومة عليه حاضرة بقوة ضمن كل الأفلام تقريبا.

وسواء قصدت شبكة نتفليكس أم لم تقصد، فقد عبرت الأفلام بصدق عن نظرية المفكر البولندي زيجمونت باومان في كتبه "الحب السائل" "والحداثة السائلة"، وكيف حولت الحداثة المعاصرة المشاعر النبيلة وعلى رأسها الحب إلى معادلة معقدة صعبة الحل. وأصبحت العلاقات الإنسانية ضمن هذه المنظمومة هشة جدا ونُزعت عنها صفاتها من ناحية التلقائية والعفوية والديمومة وأُدخلت في دوامة من العلاقات الاستهلاكية المعقدة.

ولذلك لم يكن مستغربا أن يكون القاسم المشترك بين معظم أفلام الموسم الأول لهذه السلسة هي الدراجة النارية والسيارة وفكرة السعي الحثيث والسرعة والجري المستمر للحاق بشيء ما. وليس بالضرورة أن يكون هذا الشيء مهما، وإنما المهم الركض والسرعة لتحقيق شعور ذاتي. فالفتاة السعودية في فيلم "حب في ستوديو العماريّة" للمخرج محمود الصباغ تجري من المطار قرب منتصف الليل لتلحق بأستديو صوت في منطقة شعبية لتسجل مقطعا صوتيا من أجل رجل ثري لا تعرفه، وتسابق الزمن قبل حلول موعد بث حي مع معجبيها على وسائل التواصل الاجتماعي. والشاب المغربي يدخل في دوامة من المشاكل ويتنقل من سيارة لسيارة بسرعة بعد أن يحاول أن يقدم هدية لفتاة قبل أن يكتشف أن سيارته قد سرقت في فيلم "سيدي فلنتاين" للمخرج هشام لعسري.

الدائرة الاستهلاكية للحب المعاصر

القاسم المشترك الثاني بين كل الأفلام هو الارتباط المرضي بالدوائر الاستهلاكية وأنها أصبحت معبرة عن المفهوم المعاصر الحب. فآليات البيع والشراء والسعر والمحل التجاري وقيمة المال والمساومة عليه حاضرة بقوة ضمن كل الأفلام تقريبا. وهو تأكيد إضافي لنظرية باومان الذي يصف المجتمع الاستهلاكي الحديث بأنه يولد حاجات جديدة بشكل مستمر، ولذا ينبغي اللهث وراء التحديث والتجديد لأن ما في أيدينا سيصبح قديما وبالتالي مستهجنا.

فالشاب التونسي يخوض معركة مع الزمن من أجل شراء ملابس لزوجته هدية في عيد الحب، ويمر على المحل عدة مرات أثناء سير الفيلم. مرة لينظر لما يرده من نافذة العرض، ومرة ليعرف السعر، ومرة لإقناع البائعة بإعادة فتح المحل وهي على وشك الإغلاق من أجل شراء ما يريد في فيلم "مسلخ السعادة" للمخرجة كوثر بن هنية. حتى في فيلم "يوم الحداد الوطني للمكسيك" يذهب أبطال الفيلم لمهرب تارة لشراء هدية، ومرة إلى سوق سرية لشراء لعبة دب حمراء، وأخرى لصيدلية رغم أن محور القصة بعيد عن عمليات الشراء.

لا تقدم أفلام الموسم الأول من هذه السلسلة إجابات عن هذه الإشكالية الحداثية، وليس مطلوبا منها ذلك بوصفها أعمالا فنية جمالية في المقام الأول. لكنها قدمت نموذجا مختلفا في فيلم "أخويا" للمخرجة ساندرا نشأت، وهو الفيلم الذي ضم نجوما معروفين مثل الممثلين المصريين أحمد عز وصلاح عبد الله. فالقصة خلت كحالة استثنائية من فكرة الحب الاستهلاكي المرتبط بالبعد الشرائي، رغم أنها أبقت على حالة اللهث والجري مستمرة. وأظهرت أيضا بُعدين جديدين هما حب الحيوانات من جهة، وطريقة ذوي الإعاقة في الحب من جهة أخرى. كما قدم الفيلم أحد الأبطال الرئيسيين هو طفل مصاب بمتلازمة داون، وهي لفتة هامة بأن يحصل طفل بهذه المواصفات على دور نجومي في فيلم هام بجوار ممثلين مشهورين.

الفيلم الفلسطيني "كازوز" من إخراج هاني أبو أسعد وأميرة دياب، دار في فلك فكرة اللهاث والاستهلاكية نفسه، إذ تصر عروس فلسطينية على أن يحضر لها عريسها لعبة دب أحمر يوم العرس الذي يوافق الفلانتين، ويتكبد المشاق في سبيل تحقيق ذلك لأنه كان عليه أن يذهب لمدينة القدس مع مخاطر العبور بين الحواجز الإسرائيلية كي يعود إلى القرية في اليوم نفسه ليلحق حفل الزفاف. ومن اللفتات الإيجابية في الفيلم أنه قدم معاناة العائلات الفلسطينية مع الحواجز الإسرائيلية ومع فكرتي الموت والزواج في إطار فانتازي كوميدي يقرب المعاناة الإنسانية للمشاهد بطريقة غير مباشرة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.