الاقتصاد المدني للجيش المصري بين لحظتي يناير 2011 ويوليو 2013 (1)

Egyptian President Abdel Fattah al-Sisi looks at Egypt's Ministery of Military Productions section with heads of the military on the first day of Egypt Defense Expo, showcasing military systems and hardware in Cairo, Egypt, December 3, 2018. In this handout picture courtesy of the Egyptian Presidency. The Egyptian Presidency/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (بالزي المدني) مع قادة الجيش في اليوم الأول لمعرض الدفاع المصري (الجزيرة)

يشمل الاقتصاد العسكري المدني (MCE) إنتاج أو توزيع السلع والخدمات المصممة للاستخدامات المدنية، ويستهدف المستهلكين المدنيين على أساس السوق مع توليد الإيرادات كمحرك.

في دول نامية كثيرة، مثل باكستان وإندونيسيا وتايلند وتركيا ومصر، مارست الجيوش أحيانا سلطة سياسية متفوقة على النخب المدنية. وفي هذه السياقات، تمتعت بدور مهيمن في السيطرة على جهاز الدولة والوصول إلى الموارد العامة، مما سمح لهم بتطوير اقتصادات داخلية تعتمد على سلطتهم السياسية وخدمتها مع مرور الوقت.

وقد تستحوذ الجيوش على الأصول الإنتاجية بهدف توفير السلع والخدمات للتبادل في السوق، مع تحقيق الربح كهدف غالبا، وقد حدث هذا بدرجات متفاوتة مع مرور الوقت في مصر.

ورغم وجود عديد الدراسات التي تناقش تأثير الاقتصاد المدني للجيوش على إعاقة التحول الديمقراطي أو تقويض الحكم الديمقراطي من خلال المساهمة في قدرتها على القيام بانقلابات أو الاحتفاظ باستقلاليتها عن المسؤولين المنتخبين؛ رغم توفر هذه الدراسات فإنه عادة ما ينظر للاقتصاد المدني للجيش المصري في النقاش العام من مدخل مزاحمته للقطاع الخاص، وقليلة هي المقالات التي تناقش التداعيات السياسية لطبيعة دوره الاقتصادي خاصة بعد انقلاب 2013 الذي جعل تأثيره أكثر مركزية على ترتيبات الحكم.

لحظة يناير/كانون الثاني 2011، وجدت المؤسسة العسكرية نفسها في "ورطة سياسية" حين باتت في قلب السياسة بل مسؤولة عن مجمل الفترة الانتقالية، ولم تكن مهيأة للعب هذا الدور؛ لحرص مبارك على أن يبعدها عن لعب دور سياسي في مقابل إطلاق يدها في إدارة شؤونها الداخلية.

ما يحسن أن نؤكد عليه في بداية هذا المقال، أنه لا توجد مزاحمة من اقتصاد الجيش للقطاع الخاص في مصر، لأن الاقتصاد المدني استطاع أن ينمو في ظل قطاع خاص عريض يمثل 70% من الاقتصاد.

ينتهي ناثان براون وآخرون في كتابهم "مصر: الدولة المثقلة والمجتمع المضطرب" إلى نتيجة حاسمة، هي: "الأدلة التي تمكنّا من جمعها حتى الآن لا تدعم وجهة النظر القائلة إن الاقتصاد العسكري المدني (MCE) قد ترقى إلى إحياء التنمية التي تقودها الدولة الناصرية، علاوة على ذلك، كان من الممكن أن ينمو -ومن الواضح في بعض الأحيان- جنبًا إلى جنب مع قطاع خاص أكبر، خاصة منذ الثمانينيات والتسعينيات".

ويضيفون: "على عكس التفكير الشائع، فإن حصة الجيش في الاقتصاد المصري العام أبعد ما تكون عن الهيمنة. تشير البيانات الصعبة القليلة التي لدينا إلى أنه موجود في العديد من القطاعات، ولكنه لا يحتل موقعًا مهيمنًا في أي منها، وليس له أي وجود في مجموعة من القطاعات الاقتصادية الحيوية، مثل الخدمات المصرفية والمالية".

هذه النتيجة لا يمكن فهم تداعياتها الاقتصادية وتأثيرها السياسي إلا في إطار تغير طبيعة دور المؤسسة العسكرية في الدولة المصرية بعد 2011 حتى الآن، بمحطاتها المتعددة وموقعها من ائتلاف الحكم وطبيعة النظام الحاكم وعلاقاته الخارجية ونموذجه الاقتصادي، بالإضافة إلى سيطرته على الأراضي، تلك المسألة المهمة المرتبطة بطبيعة الاقتصاد السياسي لمصر.

بعبارة أخرى، لا يمكن فهم الاقتصاد المدني للجيش المصري إلا في السياقات السياسية والاقتصادية الأوسع وكذا التاريخية، لأن هذا الفهم من شأنه أن يساعدنا على إدراك التداعيات السياسية لهذا الاقتصاد.

إعادة تسييس العسكر (2011-2019)

يجب علينا التوقف أمام لحظات ثلاث مرت بها المؤسسة العسكرية على مدى العقد الماضي:

  1. لحظة يناير/كانون الثاني 2011 التي وجدت فيها المؤسسة العسكرية نفسها في "ورطة سياسية"، حين باتت في قلب السياسة بل مسؤولة عن مجمل الفترة الانتقالية، ولم تكن مهيأة للعب هذا الدور لحرص مبارك على أن يبعدها عن لعب دور سياسي في مقابل إطلاق يدها في إدارة شؤونها الداخلية.
    انتهت هذه الفترة برئيس مدني منتخب على رأسها (القائد الأعلى للقوات المسلحة) وبخروجها بصورة محطمة. فبعد أن كانت الميادين تنادي بأن "الجيش والشعب إيد واحدة"، امتلأت الشوارع بعد ذلك بـ"يسقط يسقط حكم العسكر".
    ربما بدى الاقتصاد العسكري المدني (MCE) مكشوفا سياسيًا فيما بعد يناير، وربما كان عند المؤسسة مخاوف من إعادة صياغة العلاقات المدنية العسكرية مستقبلا بما يفرض -ولو على المدى البعيد- رقابة مدنية على ميزانية واقتصاد الجيش، إلا أن هذه المرحلة انتهت بإضفاء الصبغة الدستورية على الاستقلال المالي والاقتصادي للجيش في الدستور الذي أقرّته جماعة الإخوان المسلمين عام 2012.
  2. انقلاب 2013: في العام الذي حكمه مرسي 2012-2013 استطاعت المؤسسة العسكرية مع تغير قيادتها -أغسطس/آب 2012- أن تعيد رسم صورتها المحطمة، لتقدم نفسها مرة أخرى باعتبارها الحكم بين القوى السياسية المدنية المصطرعة التي لم تستطع أن تصل إلى توافق على ترتيبات الحكم في الفترة الانتقالية، والأهم هو أنها باتت المؤسسة التي يجب أن يثق بها المصريون لقدرتها على استعادة الاستقرار الأمني والاقتصادي الذي عصفت به ثورة يناير، أو هكذا أدرك قطاع عريض من المصريين وقتها.
    استمرت هذه الفترة الانتقالية الثانية حتى انتخاب السيسي عام 2014، وفيه ركزت الاهتمامات السياسية العميقة للجيش على النظام العام والأمن القومي ومحاربة الإرهاب الذي احتلت فيه جماعة الإخوان وحلفائها أولوية كبرى فيه، واستقلاله المؤسسي الطويل المدى عن النخب الجديدة المنتخبة.كانت إحدى النتائج غير المقصودة لـ2011 هي توسع القوة والنفوذ السياسيين الذي لم يتمتع به الجيش بعد عام 1967، باستثناء فترة عبد الحليم أبو غزالة في وزارة الدفاع. إلا أنه بعد 2013 أصبح من الواضح أن الجيش بات الجهة الحكومية الوحيدة المسؤولة عن إعادة تشكيل النظام السياسي في مصر (ولنتذكر لحظة إعلان السيسي ترشحه التي استأذن فيها المؤسسة وارتدى فيها الزي العسكري).
    وبالمناسبة فإن مصر لم تشهد مثل هذه الديناميكية إلا في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، قبل توطيد السلطة تحت رئاسة عبد الناصر بحلول عام 1956، على حد قول ناثان براون في كتابه.
    انتهت هذه المرحلة سريعا بدستور 2014، وفيها اطمأن الجيش على استقلاله الاقتصادي، لكن أضيف إليه الاستقلال التنظيمي والمؤسسي بمسؤوليته عن تعيين قائده العام (وزير الدفاع) لفترتين رئاسيتين.
  3. 2019: كانت التعديلات الدستورية التي جرت في 2019 ونصت على مسؤولية الجيش عن الحفاظ على الدستور وطبيعة النظام السياسي من جهتي المدنية والديمقراطية، بمثابة تتويج لموقعه من الائتلاف الحاكم والدور الذي بات يقوم به في الدولة المصرية.
    فالجيش قد انتدب بشكل مباشر من يحكم، لذا كانت مصر دولته، وكان التوسع اللاحق في الأنشطة الاقتصادية العسكرية سياسيا في المقام الأول، مما زاد من وصول الجيش إلى الموارد لدعم دولة تعاني من مشاكل اقتصادية جمة سيطر عليها.
    استقر هذا التوجه حتى تبلور في مسؤوليته الكاملة عن الدولة، وبذلك نكون بإزاء نقاش مختلف ليس حول حجم تواجده في القطاعات الاقتصادية المختلفة، لكن ما أشار إليه يزيد صايغ في كتابه "أولياء الجمهورية"  من أن 2011 وما أعقبها: "أدّت إلى إعداد المسرح لتحولات أكثر عمقا في علاقتها بالاقتصاد الوطني وبالمالية العامة"، إذ "يتعيّن عليها التأثير -إن لم يكن السيطرة- على أدوات السياسة الاقتصادية والمالية العامة، إذا ما أرادت الحفاظ على مصالحها وتنميتها".

ويضيف براون في كتابه المتقدم: "أثبت الوصول إلى الموارد الاقتصادية -المتولدة بشكل مستقل عن أي قطاع آخر وغير الخاضع للمساءلة أمام أي جهة فاعلة داخل الدولة أو المجتمع المدني- أنه ضروري لتمكين الجيش من الوصول إلى السلطة بعد عام 2011، وإجهاض أي تحوّل سياسي ذي مغزى". ونضيف أنه بدلا من استخدام موقعه داخل الدولة لإثراء أعضائه فقط، استخدم الجيش الأموال لتأمين دور سياسي أكثر بروزا لنفسه.

كان الجيش هيئة حكومية مهنية، هرمية صارمة، ومؤسسية للغاية، تتعامل مع الدولة أكثر من أي نظام أو رئيس معين، كما أنها كانت القوة المؤسسة للأنظمة الاستبدادية في مصر، والتي لم تتدهور رغم ذلك إلى الحكم العسكري المباشر.

محددات ثلاثة للتداعيات السياسية

تؤكد عديد الدراسات أن شكل الاقتصاد المدني للجيش المصري الحالي لم يصدر عن إستراتيجية متماسكة وتصور كلي طويل المدى من جانب الجيش أو النظام، كما لم يكن التوسع والتكوين القطاعي مقصودًا دائمًا وإنما تم تشكيل الكثير من نطاق وحجم وشكل الاقتصاد العسكري المدني (MCE) من خلال التغييرات في طبيعة النظام السياسي الذي بات مسؤولا عنه، وسياسة مصر الخارجية، ونموذج التنمية، وعلاقته بالمجتمع المصري الذي ازداد تغلغلا فيه واحتكاكا بفئاته وطوائفه.

أولا: طبيعة الحكم

من خصائص نظام 2013 شخصنة الدولة بغياب وتآكل مؤسساتها، ومزيد من عسكرة الجهاز البيروقراطي، مع إلغاء المجال السياسي بالكلية.

  1. كان الجيش هيئة حكومية مهنية، هرمية صارمة، ومؤسسية للغاية، تتعامل مع الدولة أكثر من أي نظام أو رئيس معين، كما أنها كانت القوة المؤسسة للأنظمة الاستبدادية في مصر، والتي لم تتدهور رغم ذلك إلى الحكم العسكري المباشر.
    إن إضفاء الطابع المؤسسي على أنظمة ما قبل 2013 المتعاقبة سمح وعكس استقلالية الجيش وإضفاء الطابع المؤسسي عليه، والعكس صحيح؛ فإن غياب المؤسسات جميعا وشخصنة الدولة في شخص واحد عصف باستقلالية المؤسسة العسكرية ذاتها وقدرتها على إدارة شؤونها الذاتية، فقد استطاع السيسي أن يعزل وزير الدفاع صدقي صبحي في تعدٍّ -ضمني وليس صريحا – على دستور 2014 الذي جعل تغييره رهنا بموافقة المجلس العسكري، كما جعل قانون 134 لسنة 2021 مدة قادة الفروع الرئيسة للقوات المسلحة سنتين فقط بدلا من أربع؛ بما يهدد استقرار مركزها القانوني أمام السلطة الأعلى، وجعل للرئيس سلطة التمديد لهم بعد السنتين في تهديد واضح لما كانت تتمتع به المؤسسة سابقا من استقلال عن النظام ورأسه، بما سمح لها بالتمايز عن مبارك 2011.
    وعلى ما يبدو، فإن هناك مقايضة بين النظام وبين المؤسسة، فقد سمح لها بالتوسع في قطاعات الاقتصاد المدني بما يتيحه من موارد لها ولأفرادها، مقابل التخلي عن استقلالها التنظيمي بما يسمح له بالتدخل بشكل يمنع الانقلابات.
    تلك السياسة التي حكمت علاقة رأس النظام بالمؤسسة العسكرية على مدار تاريخها بعد 52.
  2. تتميز رئاسة السيسي عن سابقاتها بثلاثة أمور: الاحتقار غير المقَنّع لكفاءة ونزاهة هيئات الدولة المدنية، والاعتقاد الصريح بأن القوات المسلحة وحدها هي التي تستطيع التهرب من قيود البيروقراطية الحكومية لإنجاز الأمور، ورغبة واضحة في السيطرة على المؤسسات الحكومية كافة عبر عملية عسكرة الدولة، فقد تحولت الدولة في عهده إلى دولة يحكمها العسكر، فالسيسي لا يخجل من استخدام الجيش في كل ملامح الحياة المصرية، مُنحياً المدنيين -سواء بشكل رسمي أو غير رسمي- بل إنه قدم برامج في أكاديمية ناصر العسكرية لتلقين موظفي الدولة المدنيين أهمية الخضوع للسيطرة العسكرية.
    ولا يؤدي النمو الذي تقوده الدولة على نطاق واسع ويأتي استجابة لمبادرات فوقية من أعلى إلى أسفل يقوم بها الرئيس، سوى إلى توكيد دور المؤسسة العسكرية كلاعب اقتصادي أو حتى كلاعب أكبر، ومد نفوذها أبعد من برنامج المشروعات القومية، وتوليد الدخل الذي أطلق بعد عام 2013، وتوسيع هذا الدور على المدى البعيد.
    هذا التوسع أسس للجيش شبكات المحسوبية الخاصة به، مستخدما امتيازه في الوصول إلى سلطة الدولة من أجل تأمين الأصول وحصص السوق. [تأمل عزيزي القارئ أن 3 من قضايا الفساد الكبرى مؤخرا تورطت فيها قيادات عسكرية سابقة، ناهيك عما يتردد من استيلاء على أموال عامة من قبل عدد من ضباط الصف الأول في المؤسسة].
  3. يؤدي اختفاء المجال السياسي في مصر إلى فراغ كبير لم يستطع السيسي بشعبويته أن يملأه، وفاقم من ذلك ضعف مؤسسة البرلمان والأحزاب السياسية، مع غياب التنظيم السياسي المساند، بالإضافة إلى تآكل شبه تام للنقابات العمالية والمهنية القادرة على التعبير عن مصالح أعضائها.
    المشكل أن تصحير المجال السياسي بهذا الشكل يجري في ظل سياسات اقتصادية لم يعد غالبية المواطنين المصريين قادرين على تحمل أعبائها لزيادة الفقر (يبلغ 34%) وتفاقم اللامساواة، وقد دفع هذا إلى مزيد من هيمنة المؤسسات القمعية بما فيها المؤسسة العسكرية على هذا المجال، ودفعهم للقيام بأدوار إغاثية وخدمية للتخفيف من حدة الأعباء الاقتصادية لبرنامج صندوق النقد الدولي.
    خصائص النظام السياسي وطبيعته تجعل المؤسسة وأفرادها في مواجهة مباشرة مع المصريين، وتزيد الاحتكاك معهم بما يلقي بظلال كثيفة على الثقة التي كانت تتمتع بها المؤسسة تاريخيا، والتي أشارت إليها استطلاعات الرأي المتعاقبة.

الخلاصة: أن التوسع الاقتصادي للجيش مع دور سياسي أكبر -وعلى خلاف الخبرة التاريخية بعد 1967- يزيد من اندماجه في الحياة المصرية بجميع جوانبها ومشكلاتها، ومن غير المرجح أن يعود العسكر طوعاً في المستقبل إلى ثكناتهم وجيبهم الاقتصادي الذي كان قائماً قبل عام 2013، بغض النظر عن الوُجهة التي سيتخذها الاقتصاد والسياسة في البلاد.

ويضيف صايغ في كتابه المتقدم لهذه الخلاصة: "بيد أن الأولانية التي حققها في الميدان السياسي الذي تم تفريغه على نحو منهجي من كل المنافسين الجدّيين منذ عام 2013، تمكّنه من الدخول في مرحلة جديدة من التوسّع والتجذّر".

في المقال القادم، نناقش النقاط الثلاث التالية لمحددات التداعيات السياسية لاقتصاد الجيش المصري.