أسباب غياب التوثيق السينمائي في العالم العربي

فيلم معركة الجزائر المصدر: يوتيوب الرابط: https://youtu.be/Gr9RZ57yWDw
من فيلم "معركة الجزائر" (الجزيرة)

تقف النساء الجزائريات بزي الحايك التقليدي وسط رجال وأطفال عبر أسلاك شائكة تقطعها نقاط التفتيش العسكرية، وينطلق صوت إعلان من المحافظ العام بقرار إغلاق الأحياء العربية، لأن من وصفهم بالمجرمين قد وجدوا مأوى في هذه الأحياء بعد عدة هجمات قاموا بها على السلطة الفرنسية في الجزائر، يتعرض الجميع للتفتيش والتدقيق في الهويات الشخصية، وحين تقترب امرأة من الجندي ويحاول أن يفتشها تصرخ فيه وتمنعه من التفتيش.

يتراجع الجندي وزميله ويسمحا لها بالمرور في أجواء من التوتر تخيم على أحداث فيلم "معركة الجزائر" الذي أنتج عام 1966 من إخراج الإيطالي جيلو بونتيكورفو، ويروي قصة الكفاح الشعبي الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، وهو أحد العلامات المهمة في تاريخ السينما الجزائرية التي يوثقها "سينماتك" أو متحف السينما الجزائرية في الجزائر العاصمة، إذ يعد المتحف الأول من نوعه في العالم العربي حيث أنشئ عام 1965، والثاني في العالم بعد مكتبة السينما الفرنسية.

التجربة المصرية الرائدة في صناعة السينما عربيا على سبيل المثال لم تعرف هذا التوثيق حتى يومنا هذا لأسباب غير معروفة، ففي الوقت الذي انتشرت فيه عمليات التوثيق والتحقيق للكتب والمخطوطات والآثار في طول البلاد وعرضها وإتاحتها للباحثين والجمهور لم تشهد السينما والأفلام المصرية عملية توثيق وأرشفة وفهرسة حتى الآن

فيلم معركة الجزائر المصدر: IMDB
بوستر فيلم "معركة الجزائر" (آي إم دي بي)

لا تكتسب أهمية هذا المتحف من عراقته وحسب، بل لأنه شاهد على أحد جوانب معركة لا تزال رحاها تدور في الجزائر بين فرنسا المستعمر القديم من جهة وبين الإرادة الجزائرية في التحرر والاستقلال من جهة أخرى.

هذا الجانب يتعلق بالصورة والتاريخ السينمائي، فالمتحف يعرض على سبيل المثال قصة فيلم "معركة الجزائر" الذي كان أكثر من مجرد فيلم عادي، فقد كان أشبه بمشروع استقلال بدأ بعد 4 سنوات من نيل الجزائر استقلالها عام 1962 بميزانية ضخمة، وظل ممنوعا من العرض في فرنسا لمدة 40 سنة، وقد نشأ في البداية بوصفه فكرة قدمها الباحث الفرنسي الصديق للجزائر هنري لانجلوا للمسؤولين في جبهة التحرير الوطني لتأسيس هذا المتحف على اعتبار أن الحفاظ على الذاكرة والتاريخ يساهم في الاستقلال.

في مقابل هذا الإدراك الجزائري المبكر لأهمية هذا التوثيق السينمائي على الصعيدين العربي والعالمي لا توجد محاولات عربية أخرى جادة للقيام بتوثيق التجارب الفيلمية في الدول العربية، فالتجربة المصرية الرائدة في صناعة السينما عربيا -على سبيل المثال- لم تعرف هذا التوثيق حتى يومنا هذا لأسباب غير معروفة، ففي الوقت الذي انتشرت فيه عمليات التوثيق والتحقيق للكتب والمخطوطات والآثار في طول البلاد وعرضها وإتاحتها للباحثين والجمهور لم تشهد السينما والأفلام المصرية عملية توثيق وأرشفة وفهرسة حتى الآن.

ربما يعود الأمر لأسباب سياسية تتعلق بسحب أو الرقابة على بعض الأفلام، ومما يعزز وجهة النظر هذه محاولات فرض سردية بعينها من التاريخ في الحقب الزمنية المختلفة التي مرت بها البلاد، خاصة الحقبة الناصرية في تعاملها مع الحقبة الملكية، فإن كانت وصلت إلينا بعض الأفلام والمواد البصرية من هذه الحقبة الأخيرة إلا أن مواد أخرى لم تصل، ومنها على سبيل المثال غياب أي مادة ولو مسموعة للملك الراحل فاروق رغم انتشار الإذاعة في وقته.

وتختلف عملية التوثيق عن فكرة حقوق البث والعرض، لأن الأخيرة تعني العرض العام، سواء عبر شاشات التلفزيون أو السينما وتحكمها قوانين وقواعد مختلفة محليا وعالميا عن فكرة التوثيق الذي يبقي على وضعية أصحاب الحقوق المادية والأدبية للمادة الفيلمية ولكنه يحتفظ بنسخة منها لأغراض الأرشفة.

وتستهدف عملية التوثيق تجميع التراث السينمائي ليستفيد منه المتخصصون في مجال السينما والباحثون والطلاب وحتى الزوار، وتشمل أيضا ما هو نادر وغير معروف من الأفلام أو الأفلام ذات النسخة الواحدة. وهو تأريخ للحركة السينمائية وما مرت به من مدارس وتحولات والذي يعد بدوره نوعا من التأريخ للبلاد وأحداثها والتحولات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها.

التوثيق السينمائي عالميا

لا تعد فكرة إنشاء متحف شامل أو مكتبة مركزية للسينما فكرة جديدة، حيث تنتشر في معظم دول العالم مثل معهد الفيلم البريطاني، وهو منظمة خيرية تأسست عام 1933 ولا يزال قائما حتى الآن ويضم أكبر مكتبة في العالم للأفلام والأعمال التلفزيونية.

كما يقوم هذا المعهد بأنشطة لدعم وتدريب الأجيال الجديدة من الشباب، بالإضافة إلى تنظيم مهرجانات وعروض سينمائية، ويتيح قسما كبيرا من أعماله عبر الإنترنت.

كذلك الأمر بالنسبة للسينما الألمانية، حيث يقف مبنى "بيت الفيلم" ذي الأربعة طوابق في العاصمة برلين ليفتح نافذة للسياح والمتخصصين على أكثر من 150 سنة من تاريخ السينما الألمانية بشقيها الغربية والشرقية، ويحتوي المكان على معرض دائم للسينما والتلفزيون الألماني وفيه توثيق لتاريخ السينما هناك بشكل زمني متسلسل، كما يعرض أعمالا من هوليود لفنانين ألمان ممن هاجروا للولايات المتحدة هربا من الحكم النازي في الثلاثينيات من القرن الماضي.

لقد عرفت بعض البلدان العربية فكرة المتحف السينمائي، مثل المتحف السينمائي في مدينة ورزازات المغربية، وهو وجهة سياحية مهمة لكنه لا يتعلق بالسينما المغربية حصرا أو بمحاولة التوثيق السينمائي، وإنما أقرب للحفاظ على مواقع التصوير المهمة التي استخدمتها السينما العالمية في هذا المكان الذي يعود إلى نحو 100 عام مضت.

كما أن هناك محاولات ومبادرات عديدة في هذا الإطار لم ير أي منها النور، منها مثلا مبادرة المنتج المصري هشام سليمان، بالإضافة إلى مشروع تخرج منذ عامين لـ8 طالبات من كلية الإعلام في جامعة مصر الدولية وسعين لأن يتم تطبيقه على أرض الواقع، وقد حاز بالفعل على المركز الثالث في المسابقة التي أقامها مهرجان الجونة السينمائي.

والمشروع الأخير فيه كثير من الأفكار الجيدة تتعلق بفكرة المتحف التفاعلي واستدعاء شخصيات سينمائية عبر تقنيات الهولوغرام وتمكين الزائرين من معايشة الأفلام عبر تقنية الواقع الافتراضي، غير أن معظم هذه الأفكار لم تجد طريقها للتطبيق على أرض الواقع بعد رغم مرور كل هذه السنوات على الحلم الذي يداعب خيال معظم العاملين في قطاع السينما في العالم العربي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.