موسم الانتخابات الأوروبية بين قوة اليمين ورهان الاتحاد الأوروبي على الديمقراطية

Flags of European Union, Ukraine and the U.S. fly in central Kiev
تظهر أحدث استطلاعات الرأي تفوق "إخوان إيطاليا" (بنسبة 21%)، يليه مباشرة حزب "الرابطة الشمالية" (رويترز)

باهتمام كبير وبارتياب أكبر، يراقب الاتحاد الأوروبي كواليس تحالفات سياسية ويترقب نتائج انتخابات "مصيرية" تجري هذا العام -متعاقبة وأحيانا متزامنة- في عدد من عواصمه القديمة والجديدة. أما بؤرة الصداع في رأس بروكسل فيسكنها القلق من ترسّخ أو تمدد رقعة "اليمين الشعبوي" داخل خريطة الاتحاد التي تضم حاليا 27 من دول القارة العجوز.

فقد ظهرت بصمات اليمين المتطرف جلية في روما مع "مكابدة" 1009 مشرعين من نواب البرلمان والشيوخ وممثلي الأقاليم (على مدى 5 جولات تصويت) لانتخاب رئيس للبلاد، وانتهى ماراثون المناورات السياسية إلى إعادة انتخاب الثمانيني سيرجيو ماتاريلا لولاية جديدة تمتد 7 أعوام أخرى. وكان الدافع الأهم لخرق العرف المتبع في إيطاليا والتمديد للرئيس المنتهية ولايته رسميا في الثالث من فبراير/شباط الجاري، الخوف من أن يؤدي فراغ المنصب وتأجج الانقسام "الواضح" بين أحزاب حكومة الوحدة الوطنية إلى سيناريو انتخابات عامة مبكرة قبل انتهاء الدورة التشريعية في موعدها الطبيعي عام 2023.

الأحزاب اليمينية المتنفذة في البرلمان الإيطالي، تصر على لعب دور "صانع الملوك" -ولو في انتخاب موظف دولة بدرجة رئيس- ونصب أعينها اختبار جدية التحالفات البرلمانية لتحقيق الأغلبية في أول انتخابات عامة

ورغم أن منصب رئيس الدولة في إيطاليا يظل "شرفيا" أكثر منه تنفيذيا، إذ لا يتجاوز نطاق صلاحيته أكثر من تعيين رئيس الوزراء (الحاكم الفعلي) والتدخل في وقت الأزمات الحكومية؛ فقد بدت الصراعات والمواءمات الملتهبة خلف الستار كاشفةً عن مدى سطوة التيار اليميني على المشهد السياسي في بلد يمر بفترة تاريخية عسيرة منذ السقوط في هوة اقتصادية سحيقة تحت وطأة وباء كوفيد-19 أدت إلى أزمة سياسية صاخبة مع انهيار حكومة "الخمس نجوم" الائتلافية برئاسة جوزيبي كونتي، بداية العام الماضي. وبينما بدا خليفته رئيس الوزراء الحالي "ماريو دراغي" -الذي نجح في إدارة الأزمة الصحية وفي إطلاق حملة إصلاحات مستفيدا من خبرته وعلاقاته بوصفه محافظا سابقا للبنك المركزي الأوروبي ومن معونة تحفيز أوروبية (تعادل 192 مليار دولار)- المرشح الأبرز لخلافة ماتاريلا، فقد خشي الجميع من أن يأتي انتقاله لمقعد رئيس الدولة على حساب ما تحقق بالكاد من استقرار في بلد يمتلك ثالث أكبر اقتصاد بمنطقة اليورو.

صحيح أن إمبراطور الإعلام الشهير ورئيس الوزراء الأسبق سيلفيو برلسكوني (85 عاما) خذل حلفاءه اليمينيين وأعلن انسحابه مبكرا من سباق الانتخابات الرئاسية (غالبا لأسباب صحية بعد إدخاله المستشفى للمرة الثانية)، فإن الأحزاب اليمينية المتنفذة في البرلمان الإيطالي، خصوصا "الرابطة الشمالية" الذي يقوده الزعيم المناهض للمهاجرين ماتيو سالفيني، وحزب "إخوان إيطاليا" القومي بقيادة اليمينية المتطرفة جيورجيا ميلوني؛ تصر على لعب دور "صانع الملوك" -ولو في انتخاب موظف دولة بدرجة رئيس- ونصب أعينها اختبار جدية التحالفات البرلمانية لتحقيق الأغلبية في أول انتخابات عامة، والظفر بتشكيل الحكومة.

وتُظهر أحدث استطلاعات الرأي تفوق "إخوان إيطاليا" (بنسبة 21%)، يليه مباشرة حزب "الرابطة الشمالية" (الذي تراجع من المركز الأول بعد دعمه ائتلاف حكومة دراغي الوطنية)، وهما الحزبان اليمينيان اللذان أكدا أنهما سيخوضان انتخابات 2023 متضامنين مع حزب يمين الوسط "فورتسا إيطاليا" بزعامة برلسكوني؛ مما يعني أنه إذا بقيت الأوضاع على ما هي أو قررت إيطاليا تبكير الانتخابات، فالمرجح أن يحصل هذا التحالف اليميني بين الأحزاب الثلاثة على الأغلبية البرلمانية، ومن ثم تصبح ميلوني مرشحة لرئاسة الحكومة (بحكم ترتيب حزبها من حيث الشعبية). وحينئذ سيكون على الاتحاد الأوروبي التعامل مع كل ما ستجلبه حكومة إيطالية بهذا التشكيل من ضوضاء وصخب في أكثر من ملف ساخن، ليس أهونها قضايا الهجرة وحقوق اللاجئين.

وعبر الجانب الآخر من الحدود الشمالية الغربية لإيطاليا، تتعالى أصداء الجدل حول التأثير المحتمل لأصوات التيار اليميني المتطرف وتحالفاته في اختيار حاكم قصر الإليزيه. فقبل أسابيع من انطلاق الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في أبريل/نيسان المقبل، تختمر معركة سياسية يرسم ملامحها صعود واضح للأجنحة اليمينية، خصوصا المتطرفة منها، وتراجع تاريخي للأحزاب اليسارية، وعلى رأسها الحزب الاشتراكي. وإذا كانت الاستطلاعات الأخيرة تمنح الرئيس إيمانويل ماكرون (الذي خرج من عباءة الحزب الاشتراكي) موقع الصدارة بنسبة مريحة نسبيا، فإن المرتبتين التاليتين يسيطر عليهما اليمين المتطرف بزعامة "مارين لوبان" ثم الإعلامي اليهودي (من أصول جزائرية) "إريك زمور". وبينما يطمح ماكرون إلى أن يكون أول رئيس فرنسي منذ عهد الاشتراكي جاك شيراك (1995-2007) يفوز بولايتين رئاسيتين، فليس بخافٍ على أحد أنه لم يتوقف عن مغازلة اليمين المتطرف -على مدى سني ولايته- منذ تفوقه على لوبان التي فاجأت الجميع ببلوغ المرحلة الثانية في انتخابات 2017.

 

الاتحاد الأوروبي -المعجب بخطاب ماكرون الوحدوي قاريًّا والمتحيّر من توجهاته اليمينية داخليا- لا يستطيع أن يبتعد عن سباقات انتخابية أخرى في دول أعضاء قد تبدو أقل وزنا وأضعف تأثيرا، لكنها أكثر إزعاجا وأقرب تهديدا لمنظومة الديمقراطية

وتمثّل أحدث معالم ذلك الغزل حين استغل ماكرون تنامي مشاعر العداء للمهاجرين والمسلمين بوجه خاص بعد ذبح المدرس الذي أساء للرسول صلى الله عليه وسلم، فأصدر قوانين وإجراءات تقيّد الحريات الدينية للمسلمين، مما رفع رصيده "الانتخابي" في أوساط اليمينيين. بل إنه ذهب إلى حد الإدلاء بتصريحات شكك فيها بوجود "أمة جزائرية" بهدف استقطاب أكثر اليمينيين غلوا وعنصرية، مغامرا بخسارة أصوات أكثر من مليون ناخب من أصول جزائرية (كانت حاسمة في الدور الأول من انتخابات 2017) فضلا عن مئات الآلاف من المسلمين الفرنسيين من ذوي الأصول المختلفة. والمؤكد أن ماكرون ليس غافلا عن تلك المجازفة، بل إنه بمزايداته العلنية الأخيرة على خطاب "زمور" و"لوبان" (أقطاب العنصرية) بشأن المهاجرين يبدو مقتنعا بأفضلية أصوات اليمين المتطرف الذي تشير التقديرات الفرنسية إلى أنه بات يشكّل أكثر من 30% من قاعدة التصويت الشعبية، متفوقا على اليسار بكل أطيافه.

أما الشأن الوحيد الذي يحتفظ به إيمانويل ماكرون ذو 44 ربيعا بمسافة "واضحة" عن خصومه اليمينيين فيتمثل في تمجيد علاقة باريس بالقارة الأوروبية والتغني بحماية وحدتها. فالرئيس الفرنسي الذي تسلمت بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي مع بداية 2022، حريص على طرح نفسه في موقع الزعيم المدافع عن الوحدة الأوروبية، أي على طرف النقيض من النبرة القومية الشعبوية لمنافسيه السياسيين.

وفي خطابه الأخير أمام أعضاء البرلمان الأوروبي بستراسبورغ، الذي وصفه مراقبون بأنه صيغ في الأساس لتلميع صورته الانتخابية، طالب ماكرون بأن يشيّد الأوروبيون حلفا "أمنيا" خاصا بهم، وأن يعيدوا تسليح أنفسهم (ردا على التصعيد العسكري الروسي مع أوكرانيا)، متعهدا بالعمل على تحديث ميثاق حقوق الاتحاد الأوروبي.

وإذا كانت الانتخابات الرئاسية الفرنسية تستأثر بالنصيب الأكبر من الاهتمام الإعلامي والشغف الدولي بحكم وزن الدولة التاريخي وثقلها السياسي، فإن الاتحاد الأوروبي -المعجب ربما بخطاب ماكرون الوحدوي قاريًّا والمتحيّر من توجهاته اليمينية داخليا- لا يستطيع أن يبتعد بأنظاره عن ساحات سباق انتخابي أخرى في دول أعضاء قد تبدو أقل وزنا وأضعف تأثيرا، لكنها أكثر إزعاجا وأقرب تهديدا لمنظومة الديمقراطية المتعارف عليها، نتيجة انتهاجها مسارا شعبويا يعيد إلى الذاكرة الأوروبية كوابيس بداية القرن 21.

فبعد نحو عقدين من البزوغ المباغت لنجم اليمين المتطرف -في حقبة هجمات 11 سبتمبر/أيلول2001- عبر انتصارات انتخابية صدمت "مسلّمات" المعادلة السياسية المألوفة في الديمقراطيات الأوروبية (بلغت ذروتها في النمسا وإيطاليا والبرتغال وهولندا والدانمارك حيث شكّلت قوى يمينية متشددة الحكومة أو شاركت في ائتلافات حاكمة)، عاد نجم ذلك التيار الذي خفت لاحقا "نسبيا" ليتوهج بشكل أوضح هذه المرة في عدد من الدول حديثة العضوية كانت حتى وقت غير بعيد تدور في فلك الاتحاد السوفياتي. وسوف تشهد 3 من دول تلك الكتلة الشيوعية سابقا والتي أصبحت تتمتع بكامل حقوق العضوية في الاتحاد الأوروبي (منذ توسعه شرقا عام 2004) انتخابات ستقرر شكل الحكومة وسياسة الحكم فيها. المفارقة أن زمام السلطة في تلك الدول بيد قيادات "شعبوية" لم تدخر جهدا في السنوات الأخيرة للتكشير عن أنيابها اليمينية المتطرفة والجهر بمعاداة بعض الثوابت التي على أساسها وُلد الاتحاد الأوروبي من رحم معاهدة ماستريخت الموقعة في 1992، وفي مقدمتها سيادة مبادئ الديمقراطية كحرية الرأي وحكم القانون. واليوم، يبدو المستقبل الغامض للحكومات المشاكسة في أوروبا أكثر قابلية للتأثير ليس فقط على آلية عمل أنجح كيانات التعاون الإقليمي والاقتصادي في العالم، بل على خريطة التحالفات السياسية على مستوى القارة الأوروبية.

في المجر (هنغاريا) التي تستعد لانتخابات نيابية في أبريل/نيسان هذا العام، ستجاهد الأحزاب المعارضة لتجاوز انقساماتها الداخلية واستثمار الصخب الشعبي والإعلامي حول فساد الدولة والمصاعب الاقتصادية المتفاقمة، والاتحاد ضد "حزب فيدز" الحاكم بهدف إسقاط رئيس الوزراء الشعبوي فيكتور أوربان الذي أحكم قبضته على الإعلام وعلى المؤسسة القضائية. وسيسعى تحالف المعارضة للفوز بأغلبية برلمانية تمكّنه من تشكيل حكومة لا تغيّر فقط الخطاب اليميني المتطرف الذي ألصق ببلادهم صفة "العضو المتمرد" في منظومة الاتحاد الأوروبي، بل ترتد أيضا عن توجهات أوربان "التطبيعية" مع الصين وروسيا، وتعيد بودابست إلى الحضن الأوروبي والعلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة وحلف الناتو. أما انتصار حزب فيكتور أوربان (الذي أجّل انضمام المجر لعملة اليورو) في انتخابات 2022، فسيعني تكريسا لسلطة "الزعيم الملهم" وسيمنحه مزيدا من الوقود للمضي في بناء تحالف قاري يجمع بين أجنحة اليمين المتطرف والقوى المناوئة للاتحاد الأوروبي (أو ما تعرف بجبهة المتشككين في أوروبا) (Euroskeptic).

وإذا كانت الحملة الانتخابية لأبرز منافسيه بيتر ماركي زاي المنتمي للتيار المحافظ (الذي يواجه حرب تشويه شرسة من إعلام ومؤسسات الدولة) سترفع شعار "محاربة الفساد"، فإن أوربان ومن ورائه حزب "فيدز" يعتمد على شعبيته لدى الملايين ممن يرون فيه رمزا للدفاع عن المصالح "الوطنية" وعلى دعم طبقة كبار رجال الأعمال الذين تضخمت ثروات العديد منهم في كنفه السياسي.

 

"هواجس" الاتحاد الأوروبي من "جموح" اليمين الشعبوي لا تقف عند حدود احتمالات فوز أحزابه في انتخابات نيابية أو رئاسية، بل إنها تتحول إلى "كابوس" مع خطط تأسيس "مجموعة عليا" تتصدر الساحة الأوروبية

وفي بولندا، سيكون 2022 عاما مفصليا في مستقبل الائتلاف الحاكم الذي يقوده حزب "القانون والعدالة" (اليميني المحافظ) الذي بدأ بالفعل حملة مستعرة ضد منافسيه تمهيدا لانتخابات عامة مصيرية في العام التالي. وتراهن أحزاب المعارضة على انهيار التحالف الحاكم الذي يقوده رئيس الوزراء ماتيوس مورافيسكي المدافع دوما عن حلفائه اليمينيين "الشعبويين"، ولا يخفي كراهيته لما يسميها سلطة "أوروبا المركزية"، بل ويطالب علنا بإعادة تشكيل "اتحاد أوطان" أوروبي. والواقع أن حزب "القانون والعدالة" الذي أدخل تغييرات جوهرية على النظام القضائي البولندي أزعجت قضاة المحاكم الأوروبية وهيئات الاتحاد الأوروبي، يبدو في وضع حرج نتيجة اعتماده على تحالفات اضطرارية مع أحزاب أخرى للاستمرار في السلطة. وقد تصاعدت حدة التوتر بين وارسو والاتحاد الأوروبي بعد قرار أعلى محكمة بولندية نهاية العام الماضي بتعارض بعض المعاهدات الأوروبية مع دستور البلاد، ومع تنامي الحديث الإعلامي عن استفتاء شعبي بعنوان "بوليكست" للخروج من مظلة بروكسل، مثل "البريكست" البريطاني. ويُعد زعيم الحزب ياروسلو كازينسكي الذي يكتفي بتحريك الأوتار من وراء ستار من دون منصب رسمي، الرجل الأقوى في بولندا، وعليه تتسلط الأضواء في عملية صنع القرار خاصة في ما يتعلق باستقلالية النظام القضائي عن المنظومة الأوروبية. وفي المقابل، يسعى رئيس الوزراء السابق دونالد تاسك (الذي ترأس المجلس الأوروبي 5 سنوات) وبعد عودته لقيادة حزب "المنصة المدنية" إلى استثمار تأييد الأغلبية العظمى من الشعب البولندي للبقاء في الاتحاد الأوروبي -حسب استطلاعات الرأي- لإقناعهم بالتصويت في انتخابات 2023 ضد حكومة تهدد مستقبل حلمهم الأوروبي.

وتنتظر كل من بولندا والمجر قرار محكمة العدل الأوروبية في 16 فبراير/شباط الجاري بشأن اعتراضهما "القانوني" على آلية ربط حصصهما المالية من الاتحاد الأوروبي بتطبيق مبادئ "حكم القانون". ولعل في ذلك خير مثال على تمرد حكومتي الدولتين على "نظام" الكيان الذي يبدو كأنهما تبغيان الاستفادة من مزاياه "الاقتصادية" بشرط تطويع مبادئه "السياسية" بما يناسب قناعاتهما "الأيديولوجية".

أما سلوفينيا ذات المليوني نسمة، فيخوض "ائتلاف" حزبها الديمقراطي الحاكم اختبارا صعبا في انتخابات هذا العام، على إيقاع أزمات سياسية متلاحقة وسخط جماهيري متصاعد بسبب تقييد حرية الإعلام والتعثر في مواجهة تأثيرات جائحة كورونا. إذ يتعرض رئيس الحكومة يانيز يانشا منذ فترة لانتقادات بسبب سيطرته على الإعلام الرسمي، خاصة وكالة أنباء الدولة، وتدخله المباشر في تعيين المستشارين والقضاة بمكتب المدعي العام الأوروبي. ورغم إصرار المدافعين عن السياسي المخضرم على أن المؤسسات الديمقراطية في سلوفينيا تعمل بكفاءة، فقد نجحت المعارضة بشكل أو بآخر في استثمار بعض السياسات السلطوية والتوجهات يمينية الطابع لرسم صورة "استبدادية" عن "يانشا" الذي يُباهي بأنه من أشد المعارضين لفتح أبواب أوروبا أمام المهاجرين أو اللاجئين من دول العالم الثالث. بينما أثارت نبرة "تغريدات" رئيس الحكومة السلوفينية -المشابهة لأسلوب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب الذي يعده يانشا مثله الأعلى- مشاعر الريبة والقلق في عواصم الاتحاد الأوروبي. ومن ثم تركز الحملة الانتخابية لنائبة البرلمان الأوروبي الصحفية تانيا فايون التي تقود حركة "الديمقراطيين الاشتراكيين" المنافسة لحزب رئيس الوزراء على انتقاد سياسات "يانشا" الأوروبية، خصوصا ما يتعلق بالتوترات مع بروكسل والعلاقات الشائكة بدول البلقان.

 

بعملية حسابية بسيطة، يصل عدد الأعضاء اليمينيين داخل البرلمان الأوروبي إلى 149 نائبا؛ أي ما يشكّل ثاني أكبر كتلة تصويتية

والحقيقة أن "هواجس" الاتحاد الأوروبي في بروكسل من "جموح" اليمين الشعبوي وتداعيات هيمنته على السلطة في عدد غير قليل من عواصمه لا تقف عند حدود احتمالات فوز أحزابه في انتخابات نيابية هنا أو رئاسية هناك، بل إنها تتحول إلى "كابوس" مخيف مع مضي أبطال ذلك التيار في تنفيذ خطط تأسيس "مجموعة عليا" أو "فريق سوبر" يتصدر الساحة الأوروبية. ففي يوليو/تموز 2021، وقّع عدد من قادة الأحزاب اليمينية في إيطاليا وإسبانيا والمجر وفرنسا بيانا مشتركا لتشكيل "تحالف كبير" داخل البرلمان الأوروبي يسمح لهم بفرض كلمتهم في أي اقتراع "من أجل إصلاح أوروبا"، حسب نص البيان.

وقبل بضعة أيام، استضافت مدريد النسخة الثانية من مؤتمر "الزعماء الأوروبيين الوطنيين والمحافظين"، برعاية من حزب فوكس (Vox) اليميني المتطرف الذي يُعد ثالث أكبر حزب في البرلمان الإسباني، والذي يحشد أنصاره استعدادا للانتخابات العامة في 2023. وشاركت في المؤتمر (الذي استضافت بولندا جولته الأولى نهاية العام الماضي برعاية ياروسلو كاجيانسكي رئيس حزب القانون والعدالة الحاكم) قيادات القوميين ورموز اليمين الأوروبي، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء البولندي ماتيوز موراويكي، ونظيره المجري فيكتور أوربان، ونجمة تجمع اليمين السياسي في فرنسا مارين لوبان، فضلا عن زعامات اليمين المتطرف في النمسا وبلجيكا وإستونيا وبلغاريا وهولندا ورومانيا. ووصف رئيس حزب فوكس سانتياغو باسكال هدف المؤتمر بتشكيل فريق "يدافع عن أوروبا عبر إيجاد بديل للنزعة العولمية التي تهدد اتحادها وتتهجم على سيادة أممها".

وبغض النظر عن جرأة أو "وقاحة" اللغة المستعملة في تلك المؤتمرات، فإن أكثر ما يزعج الاتحاد الأوروبي حقيقة أنها نجحت في التأليف بين قلوب طيف واسع من التيارات اليمينية والمحافظة والقومية، على اختلاف درجات تشددها وتباين توجهاتها السياسية، بل إن منها أحزابا بلغت حد التنافس الانتخابي فيما بينها على المستوى الوطني. وفي ضوء خطة الفريق "السوبر" الطامح إلى توحيد القوى اليمينية والمحافظة على مستوى القارة لإحداث "ثورة" هيكلية شاملة تحت شعار "الإصلاح" وبوازع "التمرد" على حكم "النخبة الأوروبية" في بروكسل، بدأ التركيز على إعادة رسم الخريطة في ملعب البرلمان الأوروبي. فبعملية جمع حسابي بسيطة من واقع مشاركة الأحزاب والأحلاف اليمينية في مؤتمر إسبانيا الأخير، يمكن إضافة النواب من ممثلي تجمع "الإصلاحيين والمحافظين" (ECR) وجماعة "الهوية والديمقراطية" (ID) إلى "الفيدزيين" من أنصار رئيس الوزراء المجري أوربان، ليصل عدد الأعضاء اليمينيين داخل البرلمان الأوروبي إلى 149 نائبا؛ أي ما يشكّل في الوقت الراهن ثاني أكبر كتلة تصويتية تحت مظلة الاتحاد الأوروبي.

هي إذن رسائل ومؤشرات قد تفسّر وتبرّر من ناحية مخاوف المرتابين في بروكسل من احتمالات تحول موجات المد اليميني المتطرف إلى تسونامي يعصف بثوابت "سيادة القانون" ويحطم أعمدة البناء الأوروبي الديمقراطي كما أرساه مؤسسوه قبل نحو 30 عاما، وتعزز من ناحية أخرى تفاؤل زعيم شعبوي كرئيس الحكومة المجرية أوربان المصمم على أن "الوقت في صالح قوى اليمين المستعدة لمعركة تغيير قواعد اللعبة في أوروبا إلى الأبد".