قضية إمام أوغلو وأزمة المعارضة التركية

كتحالف هجين مُكون من مجموعة أحزاب لدى كل منها أيديولوجيا سياسية مختلفة وقررت التوحد على هدف الفوز في الانتخابات وهزيمة الحزب الحاكم، فإنه من الطبيعي ألا يكون هناك انسجام كامل بينها في كل القضايا. لكن ما هو غير طبيعي في حالة المعارضة التركية أنها اجتمعت على هدف هزيمة الرئيس رجب طيب أردوغان في الانتخابات المقبلة، لكنها لا تزال عاجزة في التوافق على المرشح الذي ينبغي أن يُنافس أردوغان.

قبل كل شيء، لا بُد من الإقرار بالعرض القوي الذي قدمته أحزاب المعارضة الستة إلى الآن من خلال تشكيل تحالف غير مألوف في السياسة التركية الحديثة ويطرح مشروعا سياسيا كبيرا لإلغاء النظام الرئاسي والعودة إلى النظام البرلماني.

عادة ما يكون الإجماع على إدارة السلطة أصعب بكثير من معارضتها. مع ذلك، لا تبدو المعارضة التركية قادرة حتى على إظهار وحدتها كما ينبغي. إذا كان الإجماع على الحاجة لهزيمة أردوغان شكل دافعا قويا للمعارضة للوحدة، فإن استمرار فشلها في التوافق على مرشح موحد لخوض السباق الرئاسي يجعل تأثير تلك الوحدة كصب الماء على التراب.

لدى الأتراك تجارب مريرة مع الحكومات الائتلافية غير المستقرة قبل حقبة حزب العدالة والتنمية وأدت إلى إدخال تركيا في دوامة من الاضطرابات السياسية والاقتصادية. حتى أن كثيرا من الأتراك ممن يعارضون أردوغان يدركون أن الاستقرار السياسي ضروري لتحسين الوضع الاقتصادي

ما يجعل هذا الفشل مُهددا بشكل أكبر لقدرة المعارضة على الفوز في الانتخابات هو أنها لا تزال عاجزة عن حل معضلة المرشح المشترك بينما لم يبق على الاستحقاق الانتخابي سوى 6 أشهر فقط. كما أن هذا العجز يفسح المجال للرئيس رجب طيب أردوغان بشكل أكبر لاستعراض القوة وتحديد أجندة تحالف المعارضة بدلا من المعارضة نفسها.

لقد دعا أردوغان مرارا المعارضة إلى تقديم مرشحها للرئاسة، لكنه بالتأكيد لا يسعى إلى مساعدتها في أزمتها بقدر رغبته في تعميقها. لا تتعلق أزمة المرشح المشترك بمسألة توافق المعارضة على شخصية موحدة لمنافسة أردوغان فحسب، بل تُظهر أيضا أن تحالفا مكونا من 6 أحزاب لا يمكنه أن يحدث استقرارا سياسيا طويل الأمد في البلاد لو وصل إلى السلطة بالفعل. هذه المسألة تحظى بأهمية بالغة في السياسة التركية.

لدى الأتراك تجارب مريرة مع الحكومات الائتلافية غير المستقرة قبل حقبة حزب العدالة والتنمية وأدت إلى إدخال تركيا في دوامة من الاضطرابات السياسية والاقتصادية. حتى أن كثيرا من الأتراك ممن يعارضون أردوغان يدركون أن الاستقرار السياسي ضروري لتحسين الوضع الاقتصادي.

قد لا تغير المخاوف من سيناريو الفوضى السياسية المحتملة بشكل جذري، لكنها بالتأكيد ستدفع شريحة واسعة من الأتراك في الفترة المتبقية للانتخابات للتفكير بشكل أكبر في جدوى التغيير السياسي لو استمرت خلافات المعارضة.

بدا أن المعارضة تسعى الآن إلى إعادة إظهار الوحدة من خلال توظيف حكم الإدانة بحق رئيس بلدية إسطنبول الكبرى أكرم إمام أوغلو لحشد ناخبيها وإخفاء فشلها في التوافق على مرشح رئاسي. لكن ما تفترضها المعارضة بأنها فرصة لالتقاط الأنفاس مجددا قد تعمق من أزمتها الداخلية. أكرم إمام أوغلو شخصية حديثة العهد في السياسية لكنه اكتسب حيثية سياسية كبيرة بعد فوزه برئاسة بلدية إسطنبول عام 2018 وبرز كمرشح محتمل لمنافسة أردوغان على الرئاسة.

بيد أن طموحه بالترشح يصطدم بعقبة زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض كمال كليجدار أوغلو الذي قدم نفسه كمرشح للحزب عن الرئاسة وسعى في الفترة الماضية إلى إبعاد إمام أوغلو ورئيس بلدية أنقرة منصور يافاش عن منافسته، لكنه لا يزال يعجز في إقناع باقي أحزاب المعارضة في تبني ترشيحه. في حين أن إمام أوغلو ظهر كضحية إقصاء سياسي بعد الإدانة، فإنه يتعامل معها على أنها فرصة لإعادة تعويم نفسه كمرشح رئاسي.

داخل تحالف المعارضة، تبرز ميرال أكشنار زعيمة حزب الخير كداعم قوي لترشيح إمام أوغلو، وقد حرصت على الوقوف إلى جانبه في الأيام التي تلت حكم الإدانة. تنظر أكشنار إلى إثارة "مظلومية" أكرم إمام أوغلو كفرصة للضغط على كليجدار أوغلو للتراجع عن ترشحه، لكنها تُخاطر بمزيد من الصراعات الجانبية داخل المعارضة في وقت حرج.

بعد أيام من التزام الصمت، خرج أردوغان ليرد على اتهامات المعارضة له بالتأثير على القضاء في قضية إمام أوغلو. كما أن بعض المسؤولين البارزين في حزب العدالة والتنمية الحاكم انتقدوا تسرع المعارضة في الجزم بأن الحكم القضائي سيؤدي إلى فرض حظر سياسي على رئيس بلدية إسطنبول، وطالبوها بانتظار بت حكم المحكمة العليا في قضية الاستئناف المقدمة ضد الحكم.

بالنظر إلى أن أردوغان يتعاطى عمليا مع كليجدار أوغلو كمرشح منافس له في الانتخابات، فإن المنطق السياسي يفترض أن مصلحة أردوغان تتعارض مع إعادة تعويم ترشيح أكرم إمام أوغلو. مع ذلك، ينبغي النظر إلى تداعيات الحكم من حيث النتيجة السياسية الأساسية المترتبة عليه، وهي أنها تعمل بالفعل على تعميق أزمة تحالف المعارضة. ما يبدو واضحا حتى الآن أن كليجدار أوغلو لا يبدي أي نية للتراجع عن ترشحه ويتعامل مع المعركة التي يخوضها لإثبات ترشحه على أنها صراع وجودي لإرثه السياسي قبل أي شيء آخر.

حزب الشعب الجمهوري هو المكون الرئيسي لتحالف المعارضة وتأجيج الأزمة داخله بشأن المرشح الرئاسي لن يؤدي سوى إلى مزيد من إفساد الوضع على المعارضة ككل وتحسين فرص أردوغان في الفوز بالانتخابات. لكن كليجدار أوغلو أصبح عرضة لمزيد من الضغط داخل الحزب ومن باقي تحالف المعارضة.

وفي حين أن أحزاب المعارضة الأخرى تُدرك أن مثل هذا الضغط لن يؤدي إلى كسر عناد كليجدار أوغلو، فإنها قد تتعامل مع إعادة تعويم إمام أوغلو كورقة مساومة في لعبة تقاسم السلطة. أيا كانت الدوافع الحقيقة لقادة المعارضة التركية في احتضان أكرم إمام أوغلو، فإن النتيجة واحدة وهي مزيد من الضعف والصراعات الداخلية.

مع الأخذ بعين الاعتبار أن المسار القضائي لإدانة إمام أوغلو سيلعب دورا حاسما في عملية اختيار المرشح المشترك داخل تحالف المعارضة، فإن المخاطر ستزداد على خياراتها في الفترة المتبقية للانتخابات. في حال قرر كليجدار أوغلو التراجع عن الترشح تحت الضغط، فإن المسار السياسي سيكون سالكا أمام رئيس بلدية إسطنبول للظفر بترشيح المعارضة له. لكن احتمال قرار من المحكمة العليا بتأكيد الإدانة في الفترة المتبقية للانتخابات أو قبلها بقليل سيؤدي إلى إبطال هذا الترشح وبالتالي وضع تحالف المعارضة أمام أزمة في اللحظات الأخيرة.

قد يكون ترشيح رئيس بلدية أنقرة مخرجا مناسبا، لكنه بالتأكيد لن يؤدي إلى تناغم أكبر داخل التحالف السداسي. أكثر الخيارات سوءا أن تلعب في الوقت الضائع للفوز في المباراة، وهذا ما تفعله المعارضة التركية تماما.