كأس العالم بقطر.. الوجه الثقافي للعرب والعلاقة بين الغرب والشرق (1)

The opening ceremony of FIFA World Cup 2022 at Al Bayt Stadium in Al Khor. [Sorin Furcoi/Al Jazeera]
حفل افتتاح بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 على استاد البيت في الخور (الجزيرة)

خلفت استضافة قطر نهائي بطولة كأس العالم الكثير من السجال والجدل بأوجه مختلفة ومتنوعة، لعل أبرزها مدى أحقية بلد عربي في استضافة تظاهرة رياضية عالمية، تحت دعاوى حقوق الإنسان وغيرها من العناوين الكبرى التي وجدت لها صدى في الإعلام ومراكز القوة الناعمة والتأثير في عدد من الدول الغربية أساسا، حيث انتقل الحديث من الرياضة إلى السياسة، ومن الترفيه والفرجة إلى الجدل الثقافي والهوياتي.

وبدلا من أن تصبح التظاهرة الرياضية عنوان تجسير العلاقة بين الشعوب والثقافات على هامش المنافسة الرياضية، وبين الغرب والشرق أساسا حسب المدلول الحضاري أو الشمال والجنوب؛ أضحت مؤشرا على عودة السرديات الكبرى التي تقسم العالم إلى جزر ثقافية، ومحاولة لتوظيف الرياضة في صراع المصالح، مما يطرح سؤال الآخر وطبيعة الموقف منه وخطورة استعادة التقسيمات الثقافية والهوياتية الحادة التي برزت مع نظرية صراع الحضارات لهنتنغتون في تسعينيات القرن الماضي.

بدلا من أن تصبح هذه التظاهرة العالمية لحظة وفاق عالمي وتعارف إنساني على أساس الحوار والقبول والاعتراف المتبادل، تم جذب الانتباه إلى جوانب أخرى هي من صميم الاختلاف الثقافي التي تعكس جانبا من التعدد في الوجود، أو أنها كانت في حكم المسكوت عنه حين تنظيم البطولة الرياضية في دول لا تنتمي إلى المجال الشرق أوسطي والأفريقي

فهل كشف الجدل الثقافي والسياسي الدائر على هامش بطولة كأس عن أزمة علاقة بين الشرق والغرب، بحيث لم يتم تجاوز المتخيل التاريخي والثقافي في النظرة إلى الآخر والعلاقات البينية؟ وعلى أي أسس ينبغي أن تمد جسور الصلة بين الشرق والغرب؟

أوجه الجدل والانتقاد في الإعلام الغربي

قبل التوقف مع الأسئلة المثارة سابقا، يتعين علينا الوقوف مع الوقائع المثارة عل هامش "المونديال"، فالجدل الدائر مقدمة لمعرفة طبيعة الخطاب السائد والمشكلات المثارة راهنا، في السياق الغربي بخصوص الشرق، أو في الشرق في بخصوص الغرب. وما يهمنا الآن هو السياق الغربي بوصفه مصدر النقد، والشرق باعتباره موضوع النقد.

إن من تابع الإعلام وطبيعة السجال المثار حول أحقية قطر أو غيرها من الدول العربية في استضافة تظاهرة كروية عالمية يعيد السؤال حول الترسبات الكامنة في لاوعي لفيف النخبة في السياق الغربي، وهي ترسبات تعمل على زرع الانقسام في المجتمع الانساني، وبدلا من أن تصبح هذه التظاهرة العالمية لحظة وفاق عالمي وتعارف إنساني على أساس الحوار والقبول والاعتراف المتبادل، تم جذب الانتباه إلى جوانب أخرى هي من صميم الاختلاف الثقافي التي تعكس جانبا من التعدد في الوجود، أو أنها كانت في حكم المسكوت عنه حين تنظيم البطولة الرياضية في دول لا تنتمي إلى المجال الشرق أوسطي والأفريقي.

يظهر هنا أن الحديث المعني يخص مبررات ساقتها أطراف عدة لانتقاد قطر بكثير من التحامل وخلفها العالم العربي والإسلامي ويتم طرقه في عدة نقاط أو مستويات، نشير لها بإجمال ثم نعرض لمناقشتها:

  1. المستوى الأول: ما له صلة بالحقوق والحريات، وفي مقدمتها موضوع "المثلية"، حيث عمدت عدة منتخبات أوروبية إلى إثارة الموضوع في الواجهة، مع العزم على حمل الشارة التي ترمز إلى هذه الفئة داخل أرضية الملعب. هذا الموضوع استخدم كمادة من قبل الإعلام والساسة للضغط على قطر، ومن خلف ذلك نقد المنظومة الثقافية للمنطقة برمتها، بدعوى التخلف وعدم احترام معايير حقوق الإنسان وإشكالية التسامح، مما أدى إلى حالة استقطاب حاد وعودة المضمر في قضية الشرق والغرب.
  2. المستوى الثاني: ويتعلق بموضوع العمال، وما واكب تشييد البنية التحتية المستقبلة لنهائيات التظاهرة الرياضية العالمية.
  3. المستوى الثالث: المتعلق بالإشارة إلى خطاب مشبع بنزعة الاستعلاء، وأن هذه التظاهرة العالمية أكبر من حجم قطر الصغيرة.
  4. المستوى الرابع: ذهب فيه البعض إلى اعتبار الشرق وأفريقيا غير مؤهلين لاستضافة مثل هذه التظاهرات الرياضية العالمية، وامتنعت دول عن الترويج لكأس العالم المقام في قطر أو تغطية افتتاحه، بل إن قناة "بي بي سي" (BBC) عمدت إلى عرض جملة من الانتقادات لقطر بمناسبة يوم الافتتاح نفسه.

تعكس هذه المبررات في واقع الأمر أزمة كبرى في طبيعة رؤية الغرب للشرق، وتستبطن عدم فهم أو استخدام مختلف المداخل بهدف الضغط والتأثير، ومع تأكيدنا أن الغرب كتل متنوعة ومتعددة، وأنه ليس وحدة متجانسة، فإن طبيعة المعالجة الإعلامية للتظاهرة الرياضية أبانت عن موقف سلبي ما يزال حاضرا ويحتاج الكثير من النقد على ضوء ما تكتنزه مجتمعات الشرق، التي استطاعت قطر أن تبرزه في المونديال الحالي أو تثيره بفعل الأدوات الناعمة في التأثير، أو من خلال استضافة التظاهرة نفسها، ذلك أن كرة القدم أصبحت ضمن مجال القوة الناعمة؛ فالتظاهرة الرياضية قد لا تكون هدفا في ذاتها، وإنما تحويل الشرق إلى قبلة عالمية بالتزامن مع المنافسة الرياضية.

موضوع المثلية الآخذ في الانتشار يمكن القول إنه أضحى مثل لوبي ضاغط يتم الانشغال به والترويج له بمختلف الوسائط الإعلامية والثقافية، وهو في واقع الأمر يعكس مسعى لتنميط العالم وفرض رؤية واحدة للعالم والقيم الموجهة للعلاقات الإنسانية والاجتماعية

هكذا يمكن أن يتابع الجمهور العريض من مختلف الدول الحدث في بيئة ظل يظن أنها أرض جرداء، أو أن شعوبها تعيش وضعية ما قبل التاريخ؛ لتكون البيئة العربية والإنسان العربي والشرقي عامة مصدرا للفرجة وأرضا لتلاقي مختلف الأجناس والأصناف، مع جوانب ملهمة في الإبداع والتنظيم وكرم الضيافة. كل ذلك يثير النظر إلى منطقة في غير سياق الحرب، بل في سياق الترفيه والمتعة الكروية، ومعلوم أثر سحر الكرة على الوعي في الزمن الراهن.

لكن كيف يمكن قراءة المبررات السابقة في سياق نقدي يجعل لاعتبارات التنظيم هذه أثرا فعليا في سياق جدل الشرق والغرب؟

مونديال قطر.. الوجه الثقافي المضيء للعرب

يمكن اعتبار الامتناع عن الترويج لهذه التظاهرة من قبل البعض، أو استحضارها نقديا، إذ تم على غير المعهود الذي تتعامل به الدول والإعلام المرتبط بها مع مثل هذا الحدث؛ بمثابة انصراف بالنقاش من التركيز على الإمكانات التي يقدمها "المونديال" لتجسير العلاقات بين الشعوب في جو من الفرجة والمتعة الرياضية، إلى الجدل الثقافي والسياسي؛ مما يؤدي إلى مزيد من الانكفاء على الذات، ويجعل العالم عبارة عن كتل ثقافية مغلقة وشعوب تبحث عن أسباب الاختلاف بدل الانشغال بالتعارف والحوار بكل الوسائل والممكنات التي من شأنها أن تزيل التوتر الموروث من عقود الهيمنة والاستعمار والتحكم في مصائر الشعوب، فليست هناك مشكلة أو أزمة سياسية أو اجتماعية عاشها الشرق إلا وكان لجملة من الدول الغربية حضور فيها، كما أنه لم تكن هناك محاولة نهوض أو تحديث أو دمقرطة إلا وتم إجهاضها للحيلولة دون الاستقلال في السيادة والقرار الوطني الممهد الرئيسي للتقدم، وقد نستحضر هذا المنحى في المقالة اللاحقة.

أما موضوع المثلية الآخذ في الانتشار فيمكن القول إنه أضحى مثل "لوبي" (تجمع) ضاغط يتم الانشغال به والترويج له بمختلف الوسائط الإعلامية والثقافية، وهو في واقع الأمر يعكس مسعى لتنميط العالم وفرض رؤية واحدة للعالم والقيم الموجهة للعلاقات الإنسانية والاجتماعية، وقبل الحديث عن الموضوع يمكن القول إن هذا النمط يلغي الاختلاف والتعددية في وجهات النظر، والنزوح نحو النزعة الشمولية في فرض خيارات ثقافية وهوياتية على الشعوب والمجتمعات.

المجتمعات الشرقية والنخبة العربية بحاجة إلى مقاربة الموضوع ضمن سياق نقدي مركب يتجاوز مزالق المغالاة في الفردية التي أفرزتها المنظومة الحديثة، لكن ذلك لن يتم في واقع الأمر بخطاب وعظي وحسب، بل برؤى فلسفية تشتبك مع الأسس التي أفرزت لنا "البراديغم" الذي أضحى حاضرا في السينما والسياسة والمؤسسات، وهذا النموذج الذي يعالج رؤية الإنسان لذاته وللعالم ينبغي ممارسة النقد المعرفي له في دائر "الهوية" في منظورها الحديث، أي في سياق البحث "الجندري" (النوع)، انتصارا للإنسان الكائن المركب والمتجاوز -حسب مفهوم المسيري- على حساب نزعة الهيمنة التي يفرزها السوق، والسوق أداة تنميط وتسليع يهمه الربح وشره الاستهلاك، وليست الجوانب الغائية أو الأخلاقية في الإنسان والمجتمعات.

أما الحديث عن أن قطر دولة صغيرة استضافت تظاهرة عالمية، وأن الشرق وأفريقيا غير مؤهلين لاستضافة مثل هذه الأحداث، فيمكن القول إنه في استضافة قطر للحدث الكروي العالمي حملت معها الوجدان العربي برمته، وهذا ليس قولا من باب الحماسة؛ إذ إن معظم الدول والشعوب العربية والأفريقية تستبطن الموقف نفسه وتعبر عنه، لا سيما أن قطر -كما يبدو من حسن التنظيم والأثر الذي يعبر عنه الجمهور- جعلت من التظاهرة الرياضية العالمية تظاهرة ثقافية للتعريف بالشرق وتقريب الشرق للعالم بغير الصورة المعهودة.

لقد أضحى الجميع ينظر للحدث بوصفه تظاهرة كبرى على أرض عربية وإسلامية، وفي جغرافيا كانت دائما موطن الصراعات والنزاعات والحروب، كما تحاول القوى المؤثرة في صياغة توجهات الرأي العام -التي تتغذى على الصراع والصدام الثقافي والهوياتي بين بني البشر- الإشارة إلى العالم العربي والإسلامي كونه مصدر العنف والشرور والتطرف.

كل ذلك الآن يبرز أنه لا شيء منه في جغرافيا العرب، إنما هي سرديات تتداول وتتم صناعتها لخدمة أغراض أخرى، بينما الثقافة العربية والإسلامية في تمظهراتها المختلفة ليس الآن وحسب بل عبر التاريخ تحمل بين طياتها مشعل التسامح والرحمة للعالم، ذلك أنها خرجت إلى الوجود الحضاري والسياسي والثقافي من رحم مشكاة النبوة وبخطاب الرحمة، وبهدي وأخلاق النبي العربي الذي قال فيه القرآن (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). وقال هو عن نفسه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

وكم كان جميلا أن ترد الآية الكريمة (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم وشعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (سورة الحجرات: الآية 13) في حفل الافتتاح.

ختاما، لقد ظهر في واقع الأمر أن إثارة موضوعات الحريات والحقوق والنقد المبطن والمعلن للشرق برمته، يستبطن سوء فهم كبيرا للشرق ومكوناته الثقافية والاجتماعية وما يستبطنه من تعددية واختلاف، كما أن استدعاء قضايا هي ليست من صميم الرياضة تدفع إلى هدر الفرص التي تتيحها لحظات اللقاءات العالمية للتعارف وتوفير الشروط لتجاوز الأزمات الكامنة وما خلفته القرون الماضية من سياسات غربية استعمارية في الشرق وأفريقيا.

فالشرق والغرب مقولات نسبية من جانب ومحدثة من جانب، لكنها تعمق الانقسام حين يستدعي أحد طرفي المعادلة الجانب الآخر، من خلال إثارة موضوعات محملة بالازدراء أو الانتقاص، أو السعي إلى فرض نموذج يتعارض مع اختياراته الثقافية ورؤيته لنفسه وللعالم، وهو ما يقتضي النظر في الأسباب الثقافية الكامنة وراء هذه الرؤى الحدية، والبحث في إمكانات تجسير الصلة بين الشرق والغرب بدلا من الانغلاق أو مساعي الهيمنة. والغريب أن هذه الرؤى قد نمت في سياقات تؤمن بالتعددية والاختلاف، بل إن اتجاه العالم نحو منحى عولمي أعاد بقوة موضوعات الخصوصيات الثقافية.

هذه الجوانب والأسئلة التي لها علاقة بثنائية الشرق والغرب والكوني العالمي والخصوص المحلي، ستكون موضوع المقالة المقبلة.