عن أهمية الدبلوماسية التركية مع روسيا

ما وراء الخبر- أردوغان وبوتين.. ما المنتظر من القمة بشأن سوريا؟
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (وراء) والرئيس الروسي فلاديمير بوتين (الجزيرة)

مرة أخرى، أظهرت حنكة التوازن التي يدير بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان موقف بلاده في الحرب الروسية الأوكرانية أنها مصلحة للعالم بأسره وليس لها فحسب، وفي الوقت الذي كانت أسعار الحبوب العالمية تستعد لقفزة جديدة عقب تعليق روسيا مشاركتها في اتفاقية الحبوب كانت محادثة هاتفية لأردوغان مع بوتين كفيلة بإقناعه على التراجع والعودة إلى الاتفاقية.

بوتين شخصية عنيدة، ولا يمكن التنبؤ بتصرفاته، ولوح مرارا بإمكانية استخدام السلاح النووي لتجنب الهزيمة في الحرب، ويعزز إمدادات الغذاء والطاقة، لكنه يصبح أكثر خطورة عندما يصعب على قادة العالم التواصل معه والاستماع إليه.

أردوغان ببساطة هو الزعيم البارز الوحيد الذي استطاع بعد الحرب مواصلة التحدث مع بوتين لساعات طويلة والجلوس على مقربة منه دون الحاجة إلى استخدام طاولة طويلة.

قد يبدو أردوغان بنظر البعض قائدا لا يبحث سوى عن استغلال الأزمات لتحقيق المكاسب، أو نرجسيا في استغلال حاجة الجميع إليه، وهو أمر مشروع في مساعي الدول لتحقيق مصالحها، لكن، لو لم تكن هناك شخصية مثله قادرة على التواصل مع بوتين وجعله ينصت لكان الوضع على الأرجح أسوأ بكثير مما هو عليه الآن.

لا تزال تركيا داعمة أساسية لأوكرانيا ولوحدة أراضيها، كما لا تزال تنظر بأهمية إلى عضويتها في الناتو وعلاقتها بالغرب كوسيلة أيضا لتحقيق التوازن مع روسيا

لقد استطاع أردوغان ببراعة تقديم تركيا كقوة إقليمية قادرة على تحويل هذا الصراع إلى فرصة لتعظيم أهميتها الجيوسياسية بالنسبة لروسيا والغرب، وفي الوقت نفسه ممارسة نفوذه على بوتين لتقليل مساوئ الحرب على أوكرانيا والعالم.

لم يكن بمقدور أنقرة أن تلعب هذا الدور بدون سياستها المتوازنة التي قدمت نموذجا استثنائيا لدبلوماسية إقليمية استطاعت بإمكانات متواضعة مقارنة بقوى عالمية أن تحدث خرقا كبيرا في الصراع كاتفاقية الحبوب، وجعل بوتين يولي أهمية بعض الشيء لخيار السلام، لا ينبغي النظر إلى فوائد التوازن التركي من منظور مساهمته في تجنيب العالم أزمة غذاء أو فتح ثغرة دبلوماسية صغيرة في جدار الحرب فحسب، بل أيضا من منظور جيوسياسي أوسع للصراع.

إلى جانب الدور الآخر لاتفاقية الحبوب في تقييد النشاط العسكري الروسي جزئيا في البحر الأسود، ساعد تفعيل تركيا معاهدة مونترو في الحد من عسكرة البحر الأسود وخلق صعوبات هائلة أمام روسيا لاستخدام أسطولها البحري بكفاءة في الحرب.

وبالتوازي مع ذلك، ساهمت هذه الخطوة أيضا في جعل روسيا تنظر إليها من منظور مصلحتها في منع الغرب من الوصول إلى البحر الأسود، ومحاصرتها في أحد أهم منافذها إلى العالم.

كان في خطوات تركيا بالبحر الأسود فائدة للغرب أيضا كونها حرمت روسيا من الاستفادة بما يكفي من قوتها البحرية في المنطقة ضد أوكرانيا، وعلاوة على ذلك نجحت أنقرة في توظيف دورها في البحر الأسود وحاجة موسكو لها كمنفذ اقتصادي وتجاري بديل عن الغرب في ظل العقوبات وفي تعزيز مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية واستثمارها كورقة ضغط على بوتين للقبول باتفاقية الحبوب، والتخلي مؤقتا على الأقل عن طموحاته بعزل أوكرانيا كليا عن البحر الأسود.

لا يجب النظر في الغرب إلى هذه التحولات المهمة التي أحدثتها تركيا في مسار الصراع على أنها مكاسب خاصة بها فقط، أو أنها جعلتها أقرب إلى روسيا، أصبحت دبلوماسية التوازن التركية وسيلة فعالة ومثمرة للتواصل مع بوتين عندما يزداد عناده، كما أصبحت وسيلة ضغط عندما تستدعي الحاجة لتهدئة المخاوف العالمية بشأن الغذاء.

ورغم الهاجس الغربي من تنامي الشراكة التركية الروسية بشكل ملحوظ بعد الحرب فإنه لم يكن على حساب موقف أنقرة المبدئي من رفض الحرب أو دورها الحيوي في حلف شمال الأطلسي، ولا تزال تركيا داعمة أساسية لأوكرانيا ولوحدة أراضيها، كما لا تزال تنظر بأهمية إلى عضويتها في الناتو وعلاقتها بالغرب كوسيلة أيضا لتحقيق التوازن مع روسيا.

سعى أردوغان منذ اندلاع الحرب إلى لعب دور الوساطة بين موسكو وكييف من أجل إحلال السلام، وعرض مرارا استضافة بوتين وزيلينسكي على طاولة واحدة، كما استضافت بلاده اجتماعات ثنائية رفيعة المستوى بين روسيا وأوكرانيا، وكادت تنجح في خلق مسار تفاوضي، لكن جهودها لم تحظَ بالدعم الكافي من الغرب لأن بعض الدول الغربية -وعلى رأسها الولايات المتحدة- نظرت إلى الصراع على أنه فرصة لإضعاف روسيا وإعادة تأكيد سلطتها على الأوروبيين.

لقد نبه أردوغان روسيا صراحة في أول أيام الحرب إلى أن أوكرانيا دولة قوية ولا يمكن السيطرة عليها بسهولة، كما نبه الغربيين بعد ذلك إلى أن روسيا أيضا دولة قوية ولا يمكن هزيمتها بسهولة.

تقارب تركيا الصراع من منظور واقعي يجمع بين الإقرار بهواجس روسيا العميقة من تمدد حلف الناتو باتجاه حدودها وبين حاجة أوكرانيا إلى تقرير المستقبل الذي تريده وإيجاد صيغة تعالج الهواجس الأمنية المتبادلة بين موسكو والغرب، ولسوء الحظ لم تكن هذه المقاربة هي السائدة في هذا الصراع.

اختارت أنقرة الجانب الصحيح عندما قررت منح الأولوية لمساعي السلام على تأجيج الصراع، فكرت لو أنها انضمت إلى العقوبات الغربية على روسيا أو خضعت للمطالب الأميركية لها بتسليم منظومة "إس-400" (S-400) الروسية إلى أوكرانيا وقررت السماح للأساطيل الغربية بالعبور إلى البحر الأسود هل سيكون بوتين حينها أكثر ضعفا مما هو عليه اليوم؟

هل انحياز تركيا إلى جانب الغرب سيضمن عدم حدوث صدام عسكري بين روسيا والغرب في البحر الأسود يمكن أن يتطور فجأة إلى حرب عالمية ثالثة؟ وهل كان بإمكان العالم الحد من مخاطر أزمة غذاء عالمية لو أن أوكرانيا ظلت عاجزة عن تصدير حبوبها إلى العالم؟ وهل ستكون أزمة الطاقة في أوروبا أقل حدة مما هي عليه اليوم لو أن بوتين قرر معاقبة تركيا ووقف إمدادات الغاز الروسي المتبقية عبرها إلى الدول الأوروبية؟ هذه الأسئلة الكبيرة -وإن كان من الصعب الجزم بأجوبتها- إلا أنها كفيلة بإظهار أهمية دبلوماسية التوازن التركي في تجنب السيناريوهات الأخطر لهذه الحرب.

على الجميع أن يظهر الامتنان لتركيا على الدور الذي تقوم به، لم يكن بوتين مقتنعا قط بجدوى اتفاقية الحبوب لأنها قدمت طوق نجاة لكييف لتجنب الانهيار الاقتصادي ولم تحقق روسيا الفوائد الاقتصادية منها بالقدر الذي حققته أوكرانيا، لكنه وافق عليها كتقدير للموقف التركي المتوازن.

بعض القادة الغربيين قصيرو النظر في رؤيتهم لتركيا ودورها الجيوسياسي، وعادة ما تتغلب نزعتهم العدائية تجاه أردوغان في تشكيل تصورهم إزاء تركيا ودورها المحوري كنقطة توازن بين الشرق والغرب.

في الواقع، كانت روسيا أكثر قدرة على فهم الأهمية الجيوسياسية لتركيا بقدر أكبر من الغربيين، لم تعد أهمية دبلوماسية التوازن التركي محصورة بضمان إبقاء ممر الحبوب الأوكراني إلى العالم على قيد الحياة، بل أضحت وسيلة لوقف تدهور الصراع ومنح أمل للسلام.

ونتيجة لهذا التوازن تحولت تركيا إلى لاعب محوري في إعادة تشكيل نظام الطاقة بين روسيا والغرب، وإحداث استقرار في إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا بفضل مشروع تحويلها إلى مركز رئيسي لبيع الغاز للقارة الأوروبية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.