الهجرة عبر الطرق غير الآمنة ومشكلات الفتوى والسلطة (2)

سفينة إنقاذ تجوب مياه المتوسط لإنقاذ المهاجرين واللاجئين
سفينة إنقاذ تجوب مياه المتوسط لإنقاذ المهاجرين واللاجئين (الجزيرة)

خلصتُ في مقال الأسبوع الماضي إلى أن فتوى المجلس الإسلامي السوري القاضية بتحريم هجرة السوريين عبر "الطرق غير الآمنة"، وتأثيم "طالبها وقاصدها"، خلطت بين الحكم والفتوى، فهي قد أوردت الحكمَ من حيث أرادت الفتوى، ومع ذلك لم تستوفِ بيان حكم ركوب البحر حقّه ومستحقّه على طريقة الفقهاء، فقصّرت في بيان مذاهبهم وتقاصرت عن اتباع مسالكهم في الحكم والفتوى معًا.

أما هذا المقال، فأوضح فيه مقتضيات الانتقال من الحكم إلى الفتوى، وكيف أن فتوى المجلس -وهي مجرد مثال تطبيقي على تراجع صنعة الفقه والإفتاء- لم تحسن فهم الواقع ولا تنزيل الحكم عليه، وفيما يأتي سأوضح تفاصيل ذلك لبيان أن الفتوى في الشريعة تقوم على أسس منهجية ومعقولة المعنى وليست مجرد ادعاءات شخصية أو سلطوية، وبهذا نخرج من إطار الشخصنة إلى مناقشة المحتوى ومداركه وتعليلاته.

يمكن إطلاق الحكم في ركوب البحر في زمان ومكان معينين؛ بناء على معطيات علمية دقيقة كالإحصاءات واستطلاع أحوال راكبي البحر ودوافعهم، والموازنة بين ظروفهم ودوافعهم لتقدير درجة الضرورة والحاجة، والموازنة بين المفاسد والمصالح، ومع ذلك يبقى هذا الحكم أغلبيًّا لا يشمل جميع السالكين فردًا فردًا

فإذا كان "الحكم" يتسم بالعموم، ويشتمل على معايير كلية مجردة وتفريعات تخاطب أحوالا وأفرادًا غير محصورين، فإن الفتوى يجب أن تكون منضبطة بسياق وزمان محددين، وملائمة لأحوال أشخاص بأعيانهم، بحيث تشخّص حالهم وتزنها بميزان الحكم العام لمعرفة إمكان دخولها تحته، وهكذا يتوجه نظر المفتي والمكلف إلى تنزيل الحكم على الواقع/الواقعة بعد تبين ملابساتها ومقايستها إلى الحكم العام ومعاييره وتفريعاته.

فالحكم العام -في مثالنا- هو جواز ركوب البحر مطلقًا؛ لتجارة أو عبادة أو طلبًا لضرورات المعاش، ولكن النقاش يدور هنا حول تنزيل هذا الحكم العام على اختلاف أحوال الناس في ركوب البحر مما يرجع إلى البحر في نفسه أو إلى حال راكبه، وتنزيل الحكم والتمييز بين أحوال الناس فيه يجب أن يستند إلى معايير محددة: صفة البحر المخصوص، وسلامة وسائل ركوبه، أو اعتياد ركوبه وعدمه، أو حال الراكب من الجرأة والخوف، أو غير ذلك مما يتصل بمعايير الأمن والسلامة التي هي المقصود الأعظم هنا.

هذا يعني أن الهجرة -بذاتها- ليست فعلاً مؤثِّمًا لكل طالب وقاصد؛ إذ الإثم يتعلق بأوصاف محددة لا بد من إثبات توافرها، ومجرد وصف الطرق بأنها "غير آمنة" ليس وصفًا ملائمًا لمطلق تحريم الفعل وتأثيم فاعله.

ولتنزيل الحكم على الواقع/الواقعة نحتاج إلى تحديد أوصاف والوقوف على تفاصيل تُمكّن من الحكم على الأعيان أو إطلاق الحكم على مجموعهم في زمان ومكان محددين. وهذه الأوصاف تتناول 3 أمور:

  • الأول: تقويم ركوب البحر في زمان ومكان محددين، وتقويم الوسائل إليه، وما يحيط بركوبه من ملابسات زمن ركوبه مما يؤثر على حفظ النفس التي هي إحدى الضروريات الخمس (دون توسع في ذلك؛ فأوصاف مثل الإذلال والضياع -مثلاً- أوصاف خارجة عن مفهوم الضروري في الفقه).
  • الثاني: أن الإثم وعدمه يتحددان بناء على ما غلب على ظن الشخص نفسه من السلامة والهلاك (أو حتى ما تساوى فيه ظن السلامة والهلاك عند بعض الفقهاء)، وهذا التقدير لا يُلزم إلا صاحبه، وهو مفتوح على اختلاف تقديرات السالكين وتقويمهم لأحوالهم.
  • الثالث: يمكن إطلاق الحكم في ركوب البحر في زمان ومكان معينين؛ بناء على معطيات علمية دقيقة (كالإحصاءات واستطلاع أحوال راكبي البحر ودوافعهم، والموازنة بين ظروفهم ودوافعهم لتقدير درجة الضرورة والحاجة، والموازنة بين المفاسد والمصالح)، ومع ذلك يبقى هذا الحكم أغلبيًّا لا يشمل جميع السالكين فردًا فردًا.

ففتوى المجلس السوري تورطت في تعميم الحكم على جميع المهاجرين عبر ما وصفته بـ"الطرق غير الآمنة"، وبتأثيم طالبيها وقاصديها بالجملة ودون تمييز بين أحوالهم، ودون أن تكلف نفسها البناء على معطيات علمية لا من جهة الفقه ولا من جهة الواقع (على الوصف السابق)، بل إن الفتوى تجاوزت ذلك إلى دعاوى عريضة مثل القول: "ومن ادعى أنه مضطر لهذه الهجرة؛ فإنه لا يسلم له في معظم الأحوال"، وبنت على ظن وتخمين مصدريها بالقول: "ولعل بقاءه حيث هو يكون أرجى للسلامة من ركوب المخاطر". ومثل هذه "الظنون" لا صلة لها بالحكم الشرعي ولا بموازين الفتوى؛ بل هي محاولة للحكم الجازم على الأعيان وحملهم -بسلطة الفتوى- على السمع والطاعة لفتوى المجلس.

والأصل في الشريعة أن الذي يقوم بتقدير السلامة والهلاك في ركوب البحر وغيره هو المكلَّف نفسه (عامة الأفراد)، أي أن القرار هنا متروك لاجتهاد المكلَّف وفق المعايير التي سقتها في بيان الحكم الشرعي في المقال الأول، ومن لم يجد من نفسه القدرة على ذلك يمكن له أن يزوّد من يثق به من أهل العلم بتفاصيل حالته ليحقق له مناط الحكم في حقه.

مُصدرو الفتوى عالجوا مسألة الهجرة من منظور حالهم هم، لا من منظور أحوال المخاطَبين بالفتوى والتي لها دور أساس في بناء الفتوى وتنزيل الحكم على الأعيان

واجتهاد المكلف مسألة بحثها الإمام الشاطبي، وقد بُنيت عليها فروع فقهية عديدة تؤكد أن تبعات الأمر والنهي (الثواب والعقاب) مرهونة باجتهاد المكلَّف وتقديراته لنفسه، وهو ما يعطي مساحة مهمة للمسؤولية الفردية في الشريعة؛ لأن "كل أحد فقيه نفسه" كما قال الإمام الشاطبي، من حيث إنه أدرى الناس بحاله ظاهرًا وباطنًا، ومن ثم يقوم بتنزيل الأحكام على نفسه بنوع اجتهادٍ يُظهر مسؤوليته وديانته.

مثال ذلك ما نص عليه الفقهاء الحنابلة -مثلاً- من أنه لو اختلف اجتهاد شخصين في تحديد اتجاه القِبلة؛ بأن ظهرت لكل منهما جهة غير الجهة التي ظهرت للآخر: لم يتبع واحد منهما صاحبه؛ لأن كل واحد منهما يعتقد خطأ الآخر، فأشبها "القاصدَين ركوبَ البحر؛ إذا غلب على ظن أحدهما الهلاك، وعلى ظن الآخر السلامة، فيعمل كلٌّ منهما بغالب ظنه"، كذا في كتب المذهب.

فمن الملاحظ -هنا- أن فقهاء المذهب خرّجوا اختلاف المجتهدَين في تعيين اتجاه القبلة على اختلاف المجتهدَين في تقدير الأمن والسلامة في ركوب البحر. وتحديد اتجاه القبلة مسألة تعبدية تتصل بضروري من ضروريات الآخرة (حفظ الدين)، وتقديرات السلامة والهلاك مسألة تتصل بضروري من ضروريات الدنيا (حفظ النفس)، فكما أنه لا يصح اقتداء أحد المجتهدَين بالآخر في تعيين اتجاه القبلة في حال اختلاف اجتهاد كلٍّ منهما، بل تبطل جماعتهما لو صليا معًا، كذلك لا يأثم من ركب البحر وغلب على ظنه السلامة؛ حتى لو هلك فيما بعد بأن بان خطأ اجتهاده.

ولكن يأثم مَن ركب البحرَ وغلب على ظنه الهلاكُ وإن نجا؛ لأن مدار المسؤولية والتأثيم هنا على اجتهاد كل مكلف من جهة، وعلى عمله بما أداه إليه اجتهاده من جهة أخرى، أي أنه مؤاخذ بما اعتقد أنه الصواب ولو كان خطأً في نفس الأمر، وهذا يقرر مساحة مهمة للمسؤولية الفردية، كما يقرر مساحة مهمة للتعددية داخل الفقه الإسلامي بلا وصاية سلطوية.

وبالنظر إلى تفاصيل الحكم الفقهي ومنهجية الفتوى كما تم شرحهما فيما سبق (هنا وفي المقال الأول)، يتضح أن مشكلة فتوى المجلس الإسلامي السوري لا تقف عند حدود غياب التكوين الفقهي الواجب لإصدار فتوى، ولا في عدم توفر منهجية للفتوى فقط، بل تمتد لتشمل أبعادًا بنيوية في تشكيل المجلس ووعيه بدوره، وألخصها في 3 أمور:

  • الأول: أن مُصدري الفتوى عالجوا مسألة الهجرة من منظور حالهم هم، لا من منظور أحوال المخاطَبين بالفتوى والتي لها دور أساس في بناء الفتوى وتنزيل الحكم على الأعيان. فالنخبة الأساسية من أعضاء المجلس يتمتعون بوضع مستقر، سواء من الناحية القانونيّة (بعضهم أو كثير منهم يحمل الجنسية التركية) أم من الناحية الماديّة، في حين أن المخاطَبين بالفتوى هم -في الغالب- ممن انقطعت بهم السبل أو ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فضربوا في الأرض ينشدون الاستقرار والأمن والبحث عن العيش الكريم ولو كان محفوفًا بالمخاطر.
  • الثاني: أن المجلس السوري دائمًا ما يخاطب الطرف الأضعف لضبط سلوكه؛ لأنه يؤْثر المساحات الرخوة التي لا كلفة فيها. المسلك نفسه سلكه الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي -رحمه الله- في علاقته بالنظام السوري حيث لم يكن يوجه خطاب الشريعة إلا إلى المتظاهرين، وكأن الشريعة جاءت حاكمة على أفعال الشعب فقط دون أفعال النظام التي تبقى خارج دائرة النقاش. فحين يتم توجيه خطاب الشريعة -فقط- إلى عامة الناس من المهاجرين والمسحوقين، ويتم تجاهل بقية الأطراف ذات الصلة (الحكومة التركية -مثلا- طرف في مسألة فتوى الهجرة)، فنحن أمام ممارسة سياسية تتجاهل تضييق الخناق على اللاجئين السوريين وظروفهم القاسية التي تدفعهم إلى ركوب هذه المخاطر والموازنة بين مفاسد الإقامة ومفاسد الهجرة الثانية.
  • الثالث: أن أحد أعضاء المجلس -ممن وقعوا على فتوى تحريم الهجرة- رفض أن يُطالَب المجلس السوري بتقديم بديل للناس عن الهجرة التي حرّمها؛ بحجة أن مهمة المجلس بيان الحكم الشرعي لا تقديم البدائل التي هي من اختصاص الدول. وهذا الكلام لا يستقيم؛ لـ5 أمور:
  1. أن نظر المفتي في البدائل الممكنة هو من صميم الفتوى؛ لتقييم حالة الضرورة من عدمها، ومن ثم فسيؤثر ذلك على حكم المفتي على الواقعة وتحديد الإثم من عدمه.
  2. أنه كان يمكن للفتوى أن تتضمن ضوابط وتنصح الناس بتخير الطرق الأسلم التي يغلب فيها على الظن السلامة والنجاة، بدلاً من سد الباب كلية؛ بحجة أنه ذريعة للهلاك. فهذا الفقيه الحنفي ابن عابدين -مثلاً- أدرك أهمية تطور وسائل النقل البحري في تغير الحكم الفقهي فقال: "في زماننا الآن لا مخاطرة بالنفس [أي في ركوب البحر]، ولا محل لظن الهلاك في السفن المخترعة الآن"، فكان يمكن للمجلس أن يقدم إرشادات للسلامة بمشورة أهل الخبرة بدل أن يسد الباب ويستريح، أو أن يسعى مع الدولة التركية لتخفيف الاحتقان القائم وطمأنة السوريين بإجراءات عملية تثبطهم عن الهجرة.
  3. من أدبيات الفتوى أن على المفتي أن يرشد المستفتي إلى البديل الذي يرفع عنه الإثم؛ لأن المفتي لا يحرص على تأثيم الناس بأهون الطرق، بل مهمته إرشادهم إلى طرق الخير، وأن الشريعة التي جاءت لمصالح الدارين لا تناقض تطلعاتهم المشروعة.
  4. على المفتي رعاية مآلات فتواه، وهي مسألة دأب المجلس السوري على إهمالها، ولذلك كثيرًا ما قوبلت فتاواه وبياناته بالسخط، وكثيرًا ما اضطر إلى إصدار البيان على البيان؛ ما يحيل إلى قصور في البيان أو في المضمون أو فيهما معًا. فمخاطبة الناس بمثل هذه الفتاوى غير الواقعية فيه تجريء للناس على منصب الفتوى في الدين، وبهذا قد يحمل المفتي بعض الإثم؛ إذ يسهم في هتك حرمة منصب الفتوى في الدين، كما أن "الهجرة الآمنة الحلال" -وهو عكس مفهوم "الهجرة عبر الطرق غير الآمنة"- تكلف آلاف الدولارات وتبدو متعذرة أو مستحيلة لكثير من المخاطبين بالفتوى.
  5. وأخيرًا، ادعى المجلس السوري لنفسه مسؤوليات ومهام دينية وسياسية وعسكرية تفرضها "مرجعيته" المفتَرَضة، فإذا ما طولب بتقديم بدائل وتحمل بعض المسؤولية قال: إن وظيفته هي فقط بيان الحكم الشرعي!

تعبر فتوى المجلس -إذن- عن مشكلة مركبة، فهي تعكس نقصًا في معرفة الفقه الإسلامي ومذاهبه ومدارك الفقهاء وتعليلاتهم، وقصورًا في تصور الواقع وتنزيل الموروث الفقهي عليه، ولبيان مشكلات المجلس في تصور الواقع وتنزيل الحكم عليه 4 أوجه:

  • الأول: أن عضوية الدولة القومية باتت مسألة لا غنى عنها لتحصيل الحقوق الأساسية للإنسان (الوثائق، والتعليم والعمل، …)، فالأمن والاستقرار لا يكون إلا بعضوية تامة، أو بإقامة قانونية توفر هذه الحقوق الأساسية وتصونها. فالدولة -بهذا المعنى- هي مصدر الحقوق لأفرادها (بالجنسية)، أو لمن تعطيهم صفة (اللجوء)، وهي صفة قانونية ترتب حقوقًا وواجبات. أما (الحماية المؤقتة) التي منحتها تركيا لجمهور السوريين الذين لجؤوا إليها فهي حالة ثالثة غير مستقرة؛ إذ تنتهي بمجرد صياغة حلول تراها الدولة المضيفة مناسبة أو بإكراه المحميين -مؤقتًا- على التوقيع على العودة الطوعية أو برفض تجديد الإقامة لبعض أفراد الأسرة الواحدة والترحيل. فالعيش ضمن نطاق دولة تمنح الحقوق وتُؤَمّن الاستقرار، بات من ضرورات المعاش، وتجربة الفلسطينيين والسوريين أكبر مثال على هذا، دون أن يعني ذلك الاستسلام الفكري لمنطق الدولة، والتوقف عن النقاش النقدي لها ولأنماطها، ولكن حديثنا هنا يدور حول الضرورات العملية المباشرة للأفراد والعائلات.
  • الثاني: أن مفهوم الأمان الذي ترجوه فتوى المجلس لمن يقعد عن الهجرة؛ لا يستند إلى إجراءات قانونية من الدولة المضيفة ولا إلى مساعدة مأمولة من المجلس نفسه، وقد خلطت فتوى المجلس -في استخدامها لتعبير "الطرق غير الآمنة"- بين 3 أوصاف، وهي: صيانة النفس عن الهلاك (الأمن من الغرق)، والاحتياجات الفيزيولوجية (ضرورات العيش من طعام وشراب ونحوهما)، والإذلال (الاحترام والتقدير). فالأول مفسدة متوقعة في الهجرة بحرًا، والثاني مفسدة متوقعة في الإقامة في ظل وضع غير مستقر قانونيًّا وطارد. والثالث وصف دون الأولين ولا يدخل في مفهوم الضروري، وترتيب هذه القيم مهم في بناء الفتوى هنا: فالحاجات الفيزيولوجية تأتي في المرتبة الأولى، يليها السلامة، يليهما التقدير والاحترام، ولا يجوز للمفتي الخلط بين الثلاثة، والأليق بتقديرها هو المكلف نفسه صاحب الشأن والأفقه بنفسه وحاله. أما حديث فتوى المجلس عن "الضياع" في دار الهجرة فهو معنى غامض خارج عن النقاش الفقهي في حكم الهجرة المنوطة بمسألة النجاة والهلاك (أي صون الضروري).
  • الثالث: أنه سبق لرئيس المجلس الإسلامي السوري وبعض مكونات المجلس أن حرّموا اللجوء إلى "دار الكفر" ابتداءً، وكنت قد خصصت لذلك مقالاً نقديًّا في حينه، فالمسألة تتجاوز -في الحقيقة- مجرد البحث عن طرق آمنة أو غير آمنة؛ إذ المشكلة في تصور الواقع ككل وعدم إدراك التحولات السياسية الكبرى لعالم اليوم.
  • الرابع: أنه إذا كان الفقه يقرر -كما سبق- مساحة معتبرة من الاجتهاد لعموم المكلفين (تحقيق المناط)، فإن المجلس السوري يبدو -في مقاصده وفتاويه- كمن يريد أن يسلب الأفراد هذه المسؤولية الفردية بسلطة الفتوى، وهي صيغة من صيغ الضبط السلطوي التي تنتهجها -عادة- الأنظمة الاستبدادية التي يشغلها -دومًا- ضبط سلوك "الرعايا" وفق ما يلائمها لتعميق سلطتها، ومن ثم فهي لا تعترف بأهلية الأفراد لتدبير شؤونهم وتقدير مصالحهم بأنفسهم؛ فهم دومًا غير راشدين ويحتاجون إلى جهة وصاية سياسية أو دينية أو عائلية. أي أن الفتوى -في مجلس يخلط بين السياسي والعسكري والديني- تتحول إلى أداة من أدوات ضبط الأفراد لتعميق السلطة عليهم باسم مرجعية دينية تتحول إلى قيد إضافي يكبلهم، خصوصًا في أوقات الأزمات والضرورات التي يظن فيها المجلس أن من مسؤولياته ملء فراغ السلطة الناشئ عن تحرر هذه الكتلة الاجتماعية الضخمة من سلطة النظام السوري، ولله الأمر من قبل ومن بعد.