تجربة السينما التعاونية لحل أزمات التمويل والعرض

cinema
في برمنغهام البريطانية توجد جمعية برمنغهام للفيلم التعاوني (شترستوك)

كان الضباب يلف بلدة "روتشديل" الإنجليزية قرب مانشستر عندما قررت مجموعة من الطبقة العاملة عقد اجتماع لحل مشكلة ارتفاع الأسعار ورداءة المنتجات الغذائية في المحلات التجارية. وقد تمخضت قريحة المشاركين عن فكرة جمع مبلغ من المال من بعضهم البعض لفتح متجرهم الخاص ومشاركة الأرباح مع الزبائن، فالفكرة لم تكن في كنز المال بقدر ما كانت في توفير المنتجات الغذائية بسعر مناسب وجودة عالية. وبذلك يضمنون غذاءهم بسعر معقول من دون الارتهان لجشع التجار.

حدث هذا عام 1844 وكان نواة ما بات يعرف بعدئذ بالنظام التعاوني في التجارة والإدارة، وجسّد اللحظات الأولى من عمر الفكرة وسياقها التاريخي فيلم "رواد روتشديل" من إخراج جون مونتيغراند وآدم لي هاميلتون عام 2012.

جمعية برمنغهام للفيلم التعاوني اختارت منذ عام 2010 إطارا عاما لموضوعات الأفلام التي تعرضها تحت عنوان "فقط أفلام، من أجل عالم أكثر عدالة". وتشمل الموضوعات القضايا المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والبيئة والسلام والتعاونيات وحقوق الإنسان

كان الفيلم استلهاما لعنوان فيلم وثائقي أنتج عام 1944 احتفالا بمئوية إطلاق الحركة التعاونية تحت عنوان "رجال روتشديل" والذي يتحدث عن بداية وأسباب ومبادئ ظهور حركة التعاونيات في بريطانيا، وإن كانت أولى بوادر فكرة التعاونيات تعود إلى عام 1761 في أسكتلندا على يد مجموعة العمال المحليين في مجال النسيج. وكلا الفيلمين أنتجتهما الحركة التعاونية للتعريف بها وبأنشطتها. وهما يعبران عن اهتمام الحركة التعاونية بإنتاج وعرض الأفلام كجزء من أنشطتها ونمط الإدارة المشتركة التي تبشر وتدعو إليه.

الحركة التعاونية أكبر وأوسع بكثير من نطاق السينما والفنون، لكن ربما لا يدري كثيرون أن لها تماسا بدرجات مختلفة مع هذه القطاع، حيث يوجد حاليا في بريطانيا وحدها عدة هيئات تعاونية سينمائية لتقديم الأفلام في المجتمعات المحلية. وهي صيغة للتعاون بين جمهور المشاهدين لتحديد ما يريدون ويرغبون في مشاهدته سلفا بعكس النمط الآخر المنتشر من العرض الذي ينتج الفيلم ويعرضه أولا ثم يقيّم مدى إقبال المشاهدين عليه من عدمه. وهي جمعيات منتشرة في عدة مدن مثل سلاو قرب لندن أو بلدة ووتن الإنجليزية.

ففي مدينة برمنغهام البريطانية مثلا توجد جمعية برمنغهام للفيلم التعاوني، ولديها أعضاء مسجلون، وهي مفتوحة لأي عضو يريد التسجيل فيها. ويختار أحد الأعضاء عنوانا لفيلم ويصوت الباقون بالموافقة أو الاعتراض على العنوان حتى يتم اعتماده قبل الإعلان عنه وعرضه في الخميس الثاني من كل شهر.

الجمعية اختارت منذ عام 2010 إطارا عاما لموضوعات الأفلام التي تعرضها تحت عنوان "فقط أفلام، من أجل عالم أكثر عدالة". وتشمل الموضوعات القضايا المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والبيئة والسلام والتعاونيات وحقوق الإنسان. وتستخدم الجمعية قاعة عرض تابعة لجمعية أصدقاء الأرض في برمنغهام. ومن هذه الأفلام الفيلم الوثائقي الأميركي "كريب كامب: ثورة الإعاقة" من إخراج نيكول نيونهام وجيمس ليبركت الذي أُنتج عام 2020 والذي تدور أحداثه حول فكرة معسكر للمعاقين أقيم في الولايات المتحدة وكيف كان بداية لتغيير القوانين والنظرة المجتمعية لهذه الفئة هناك.

الحركة التعاونية والسينمائيون

تقف فكرة الجمعية التعاونية موقفا وسطا بين نموذج الشركة الهادف للربح حصرا وبين الجمعية الخيرية التي ترفض فكرة الربح تماما. ولهذا سعى العديد من العاملين في المجال السينمائي للاستفادة من هذه الصيغة في التعاون. فالجمعية التعاونية هادفة للربح، لكنها تضع مصلحة الأعضاء قبل الربح ولديها نمط مسطح من الإدارة التشاركية يختلف عن النمط الهرمي من أعلى لأسفل، فكل عضو له صوت وحصة من الإدارة. وبدلا من إصدار الأسهم باهظة الثمن تزداد ارتفاعا مع قوة الشركة، تسمح الجمعية التعاونية بجمع رؤوس الأموال وبدلا من استثماراها لمصلحة الممولين فقط يدخل العملاء والزبائن والعاملين في علاقة منفعة تبادلية.

وفي عام 1961 تأسست في الولايات المتحدة الأميركية تعاونية السينما الأميركية الجديدة كجمعية على يد 22 فنانا من نيويورك. وهي مستمرة حتى الآن وتقوم بالترويج والتوزيع للأفلام الأميركية غير التجارية. كما تقوم بأرشفة هذه الأفلام السينمائية وتقدم خدمة للباحثين والطلاب في مجال السينما ولديها برنامج لعروض الأفلام. ولاحقا تمكنت من تأمين تمويل من مجلس نيويورك للفنون.

أما في بريطانيا فهناك مثال آخر في عالم الصحافة لكنه يوضح الفكرة، حيث استطاعت مجلة "المستهلك الأخلاقي" (Ethical Consumer) في عام 2009 جمع أكثر من 250 ألف جنيه إسترليني من قرائها، وقد أعطتهم أرباحا سنوية تقدر بـ 4% تقريبا في إطار شراكة تعاونية بينها وبين جمهورها، وهي نسبة ربح استثمارية جيدة.

وفي العالم العربي نشأت عدة تعاونيات سينمائية على مدار فترات زمنية متباعدة لم يكتب لأي منها الاستمرار. منها تجربة واعدة لإنشاء تعاونية سينمائية في المغرب باسم "سيغما 3" على يد عدد من السينمائيين هم محمد السقاط ومحمد عبد الرحمن التازي وحميد بناني وأحمد البوعناني. واستطاعت هذه المجموعة بالفعل إنتاج علامة من علامات السينما المغربية وهي فيلم "وشمة" للمخرج حميد بناني عام 1970.

أما في تونس فدارت التجربة في فلك الإطار النقابي الهادف لتحقيق أهداف نقابية للأعضاء من دون التطرق لطبيعة العمل السينمائي من إنتاج وتوزيع وعرض، إذ نشأت "تعاونية الفنانين والمبدعين والتقنيين" عام 2017 والتي تقدم خدمات علاجية وترفيهية واجتماعية للعاملين في القطاع السينمائي. وفي الأردن نشأت "تعاونية عمان للأفلام" بهدف تشجيع صناعة الأفلام الأردنية والفلسطينية في الشتات عن طريق التدريب والمساعدة في الإنتاج، لكن لم أقف لها على نشاط واضح.

وتبدو التجربة العربية التعاونية في قطاع السينما في مرحلة الاكتشاف والتعرف، وقد طالت هذه المرحلة لعقود طويلة. وإذا أخذنا في الاعتبار فائض رؤوس الأموال البشرية والمخرجين الموهوبين العرب الذين حصدوا الجوائز السينمائية المحلية والدولية يمكن أن نكتشف أن هذا الكنز قابل للاكتشاف، ويمكن تقديم الأعمال السينمائية التي يُحلم بها من دون انتظار رؤوس الأموال الاستثمارية الضخمة.

فالإطار التعاوني يكفل جذب التمويل المبني على المبادئ الستة للحركة وهي "المساعدة الذاتية، والمسؤولية الذاتية، والديمقراطية، والمساواة، والإنصاف، والتضامن". وهو إذ يستهدف الربح، يأخذ رفاهية المبدع وجودة المنتج بعين الاعتبار، بالإضافة للإطار الأخلاقي للحركة.