دوافع التوظيف السياسي لمونديال قطر

The opening ceremony of FIFA World Cup 2022 at Al Bayt Stadium in Al Khor. [Sorin Furcoi/Al Jazeera]
حفل افتتاح بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 على ملعب البيت في الخور (الجزيرة)

أن تكون عربيا ومسلما يعني أنّك -بالنسبة لبعض شعوب العالم- إما مصدر إرهاب محتمل كما الحال في المجتمعات الغربية، وهي نظرة سادت بشكل خطير في العقدين الأخيرين كنتيجة لظهور الإرهاب، أو متخلف عن مواكبة التقدم الحضاري. ومع الأسف، بعض المجتمعات الأخرى -بمن فيهم قلة قليلة من بعض العرب ممن يخجلون من هويتهم العربية والمسلمة- تجهل عظمة الثقافة العربية والمسلمة والإسهامات العلمية الكبيرة لها في نهضة الأمم.

أعرض هذه الإشكالية اليوم بينما تتعرض قطر لحملة تشويه منظّمة من قبل دول وجهات غربية بسبب استضافتها لبطولة كأس العالم لكرة القدم. ولم يعتد الغرب النظر إلى العالم العربي من منظور غير ذلك المنظور الذي يراه منطقة مليئة بالجهل والفوضى والصراعات ومُصدّرة للإرهاب العالمي واللاجئين الذين يُهددون الثقافة الغربية. هذه النظرة غير صحيحة بالطبع، وإن كانت واقعية في بعض جوانبها المحدودة لكنها ليست استثناء عالميا بأي حال.

التاريخ المظلم للغرب قبل فترة الحداثة كان أسوأ بكثير من الحالة العربية من حيث دموية الصراعات التي قضت على أجيال بأكملها. كما أن هذه الحداثة -وإن نجحت بشكل مذهل في التقدم العلمي وتطوير مفهوم الدولة والديمقراطية- مارست في كثير من الأحيان الإمبريالية على العالم الآخر وسعت لفرض قيم اجتماعية مثيرة للجدل عليه.

كعرب ومسلمين، لا يمكننا أن نقلل من شأن الأزمة الذاتية التي نعانيها في مواكبة التقدم في المجالات العلمية والسياسية والاقتصادية، والتي ترجع بشكل أساسي للاستبداد السياسي الذي حد من فرص النهضة، وليس للثقافة أو الدين بحد ذاتهما. لكن ذلك لا يُخفي الدور الغربي في تعميق هذه الأزمة. أوروبا والولايات المتحدة لا تنظران إلى المنطقة العربية سوى من منظور إسرائيل والنفط ومصالحهما. كما أن الولايات المتحدة شنت على مدى عقدين حروبا دموية في العراق وأفغانستان وحملة على الإرهاب في سوريا والعراق تاركة وراءها دولا فاشلة ومُدنا مدمّرة بأسرها وملايين من المدنيين دون مأوى ويُعانون من الفقر والمجاعة.

أملي أن تؤدي هذه البطولة إلى جعل العالم يُفكر في أهمية تعزيز الانفتاح بين الشرق والغرب كوسيلة تشتد إليها الحاجة اليوم في هذا العالم المضطرب الذي يواجه خطر الصعود القومي والتطرّف السياسي.

ولم يعتد الغربيون أن يواجهوا حقيقة دورهم في المأساة العربية التي ساهموا بها، لكنهم بارعون في ممارسة الفوقية والعنصرية على العرب والمسلمين كما تفعل الحملة الممنهجة ضد قطر. ولقد امتلك رئيس الفيفا جياني إنفانتينو الجرأة بشكل مثير للإعجاب عندما هاجم بشدة منتقدي مونديال قطر واتهم الدول الأوروبية بالنفاق وقال إنهم ليسوا في وضع يسمح لهم بتقديم دروس أخلاقية لقطر والعرب.

كان إنفانتينو محقا على وجه الخصوص عندما طالب الأوروبيين بالاعتذار لـ3 آلاف سنة قادمة عما فعلوه في العالم قبل أن يبدؤوا في التنظير بالدروس الأخلاقية لقطر. ومن المعلوم أن بعض دوافع الحملة على قطر مرتبطة بالغيرة السياسية من دولة شرق أوسطية استطاعت بفضل إمكاناتها الكبيرة إعداد تنظيم مذهل لهذا الحدث الرياضي العالمي، لكنّ أخطر جوانبها تلك النزعة الفوقية التي تتخذ من القيم الأخلاقية 08ستارا لها. وقد قرأت في بعض الصحف الغربية مؤخرا أن التاريخ الرياضي لدولة قطر لا يؤهّلها لاستضافة البطولة.

كما أن إحدى الصحف الفرنسية المهووسة بالإسلاموفوبيا نشرت كاريكاتيرا يُظهر المنتخب القطري عبارة عن لاعبين يحملون البنادق وعلى وجوههم ملامح الغضب والوحشية. متى كانت استضافة هذا الحدث الرياضي حكرا على الدول التي تمتلك المهارة في الكرة؟ لم نسمع مثل هذه الانتقادات عندما استضافت جنوب أفريقيا على سبيل المثال البطولة. ولم نرَ رسما كاريكاتيريا يصور لاعبي المنتخب الروسي على أنّهم مسلحين عندما استضافت روسيا البطولة بعد 3 أعوام فقط من ضمّها لشبه جزيرة القرم الأوكرانية بالقوة.

دعونا ننظر أيضا في بعض الدوافع المعلنة للحملة على قطر. بعض الدول الأوروبية كانت في طليعة الانتقادات التي سبقت البطولة، حيث انضمت بعض الاتحادات الوطنية لكرة القدم إلى الدعوات للحصول على صندوق تعويضات لأسر العمال الذين لقوا حتفهم أو أصيبوا أثناء أعمال بناء الملاعب في قطر قبل البطولة. ورغم أن إثارة هذه القضية لها دوافع سياسية بالدرجة الأولى، فإنها تفتح النقاش أيضا على التعاطي غير الأخلاقي للدول الأوروبية في كثير من الأحيان مع المهاجرين. لقد قضى الآلاف من المهاجرين في البحر بينما حاولوا الوصول إلى أوروبا ولم تُتاح لهم فرصة للبحث عن حياة أخرى، بينما يفتح الخليج أبوابه أمام العمالة الآسيوية.

لا شك أن ظروف هذه العمالة لا تبدو مثالية تماما، لكنّ العمل في الخليج ساعد كثيرا من العمال الآسيويين في بناء حياة جديدة. ثم لم نشهد مثل هذه الانتقادات الأوروبية لليونان التي تتعمد إغراق المهاجرين في بحر إيجة، ولم نرَ أحدا يُطالب أثينا بدفع تعويضات لعائلات هؤلاء. في الواقع، تنم هذه الحملة عن معاداة غير مفهومة وغير أخلاقية لدولة لمجرد كونها عربية ومسلمة ويُتاح لها الآن تغيير الصورة النمطية في الغرب عن العالم العربي كمنطقة قادرة رغم ظروفها الصعبة في دفع العالم إلى النظر إليها من منظور مختلف.

هناك حجة أخرى في الحملة وهي المناخ والطقس الحار الذي لم تعتد عليه معظم الفرق المشاركة في البطولة. يُمكن الرد ببساطة على هذه الحجة بالهندسة الذكية التي انتهجتها قطر في تبريد الملاعب. وبعض المنتقدين لجؤوا على نحو سخيف في إثارة مسألة انبعاث الكربون من الملاعب بسبب الهندسة الذكية، وهي قليلة للغاية للمناسبة ولا تُشكل سوى 0.01% من الانبعاثات العالمية هذا العام كما تؤكد الفيفا.

وإذا كان هناك حديث في هذه الحملة عن انبعاثات الكربون، فإنه من الأجدى انتقاد دول الاتحاد الأوروبي التي تحتل القائمة الثالثة عالميا من حيث انبعاثات الكربون بعد الولايات المتحدة والصين، بينما تحتل قطر للمفارقة المرتبة 58 في هذه القائمة. ونأتي على حجّة أخرى وهي مسألة الاستبداد التي يستخدمها أصحاب الحملة. هذه الدولة أجرت قبل عام أول انتخابات تشريعية في إطار الانفتاح السياسي الداخلي الذي يقوده الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، مثل هذا التحول يجب أن يحظى بالثناء في منطقة عربية تُعاني معظمها من مُعضلة الانغلاق السياسي.

وتركتُ متعمدا للجزء الأخير من هذه المقالة الحديث عن الحجة الأكثر إثارة للجدل وهي مسألة معارضة قطر للمثلية الجنسية لأنّها لا تستحق برأيي الكثير من النقاش وأراها محاولة وقحة لتسييس الرياضة من أجل فرض قيم مثيرة للانقسام بين المجتمعات والأمم. قطر دولة محافظة، لكنّها أظهرت حرصا يستحق الثناء على الجمع بين قيمها المحافظة وبين توفير الحد الأقصى من الظروف المناسبة للثقافات الأخرى الوافدة إليها من أجل التمتع بمشاهدة البطولة والتعرف على الثقافتين العربية والمسلمة.

وبينما يفترض أن يكون المونديال فرصة مهمة لتعريف الشعوب والأمم بثقافات بعضها البعض، فإن حملة التشوية تسعى لتعميق الهوة الثقافية والمجتمعية بين الشرق والغرب.

إن كل عربي ومسلم يشعر اليوم بالفخر لنجاح قطر في تنظيم هذا الحدث بكفاءة، ولمنحنا فرصة أن ترى كل الأمم كرم الضيافة وحسن الأخلاق عند العرب بغض النظر عن اختلافاتنا الثقافية والدينية.

أملي أن تؤدي هذه البطولة إلى جعل العالم يُفكر في أهمية تعزيز الانفتاح بين الشرق والغرب كوسيلة تشتد إليها الحاجة اليوم في هذا العالم المضطرب الذي يواجه خطر الصعود القومي والتطرّف السياسي.