هوامش على انعقاد القمة العربية.. بين لم الشمل والانقسام السياسي

صورة للقادة ورؤساء الوفود المشاركين في قمة جامعة الدول العربية في الجزائر العاصمة في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2022 (رويترز)

خلّفت القمة العربية التي انعقدت مطلع الأسبوع الماضي بالجزائر الكثير من السجال، لكن السجال السياسي والإعلامي الذي واكب انعقاد القمة العربية، قد لا يعكس النجاح أو عدمه، بل يعكس الوضعية العربية، وحالة الانقسام التي تشهدها على مستويات متعددة، ذلك أن البيت العربي أصبح متداعيا بفعل التناقضات الحادة الحاصلة بين كل أفراد الأسرة العربية، وهي حالة لم تحدث من قبل في التاريخ العربي، بحيث لم تعد القمة العربية حدثا سياسيا يستحق المتابعة والاهتمام، مما يطرح سؤال الجدوى من تسمية هذه القمة بشعار استعراضي "قمة لم الشمل"، كما يستدعي النظر في الدوافع التي تغذي الانقسام وصيرورة تشكله باعتباره مؤثرا على وحدة العرب، أو عائقا في قيام سياسات عربية وحدوية كما هو حال باقي التكتلات الإقليمية والدولية.

قمة لم الشمل.. في أهمية أن يجتمع العرب

عرفت القمة الحالية تأجيلات متكررة، مرة أولى بسبب وباء كورونا، لكن ما كان مضمرا وبرز إلى العلن مع تأجيلها من مارس/آذار الماضي، هو عدم التوافق داخل البيت العربي والاختلاف الحاد في المواقف من قضايا إقليمية ودولية، حتى أضحى تنظيمها هدفا قائما بذاته، وتلك مشكلة كبرى في واقع الأمر، ذلك أن الرفض الذي تم من طرف عدة دول عربية يرجع إلى عدة أسباب:

  • التحفظ العربي بخصوص عودة سوريا بشار الأسد إلى الجامعة العربية، وهو موقف من النظام السوري والسياسات الإيرانية في المنطقة، والتباين الحاد بين الجزائر والسعودية أساسا في هذه النقطة كان كفيلا بأن يمنع من التئام جمع القمة العربية، حيث تميل الجزائر إلى نسج علاقات مع إيران تمتد إلى الاصطفافات الإقليمية والدولية، مقابل رفض مجلس التعاون الخليجي ودول عربية عدة هذا النهج، بالنظر للدور السلبي الذي تقوم به إيران في عواصم عربية مختلفة من خلال أذرعها في كل من العراق ولبنان مع حزب الله وصنعاء مع الحوثيين.
  • الخلاف الجزائري المصري في أفريقيا، وكذا بخصوص العلاقة مع إثيوبيا وأزمة سد النهضة، بالإضافة إلى تباين وجهات النظر بشأن الأزمة الليبية، بدون إغفال النظرة المنتظرة من مصر بخصوص الملف الفلسطيني، الذي ظلت تعتبره جزءا من أمنها القومي.
  • الخلاف الجزائري المغربي بخصوص قضية الصحراء المغربية، ويمكن هنا الوقوف على دعم الجزائر لجبهة البوليساريو عسكريا وسياسيا، مما نتج عنه أزمة كبرى عطلت اتحاد المغرب العربي، وتهدد استقرار منطقة شمال أفريقيا برمتها.
  • خيارات التطبيع واتفاقية أبراهام وما أحدثته من انقسام بين الدول العربية.

تلك بعض أوجه الخلاف الحاد التي عملت على منع تنظيم القمة العربية في وقتها، قبل 8 أشهر، أي في مارس/آذار الماضي، لكن في واقع الأمر، على الرغم من كل التناقضات والخلافات الحاصلة بين الدول العربية، بفعل التحيزات وسياسة المحاور التي اخترقت الجسم العربي، فإن اجتماع العرب في بيت واحد في الزمن الراهن يعد مكسبا أساسيا، على الرغم من عدم قيام الجامعة بدورها المنوط بها.

الأزمة بين المغرب والجزائر صارت أعمق من أن تكون أزمة سياسية بين دولتين، وتحولت إلى أزمة مجتمعية عميقة، والظاهر أن الجامعة العربية الأخيرة لم تحل هذه الأزمة

لكنه من الخطأ رفع شعارات  تقترب من الحلم وتتجاوز الإمكان الواقعي، فالسياق العربي بأزماته ومخاضاته المتعددة لا يتحمل شعارا من قبيل "لم الشمل"، مما يعني أن الشعار كان استعراضيا أكثر مما يعبر عن طموح واقعي، ذلك أن قمة عربية كان هاجسها الأساسي هو انعقادها، لا ينتظر منها لم الشمل، ثم إن لم الشمل لا ينبت في الفراغ، وإنما بالاشتباك مع ديناميات الواقع بتذويب الخلافات وتجاوز النتوءات، وبصيغة أخرى، لم تتوفر بعد الشروط اللازمة التي يتحقق معها لم الشمل العربي، وقد كانت مخرجات القمة مؤشرا على ذلك، بل إنها جزء من الأزمة العربية في عمومها، لذلك يبقى لمجرد اجتماع العرب أهميته، لأن في ذلك دربة على حل المشكلات بالحوار والتفاوض مهما وصل الخلاف.

العمل العربي المشترك.. في جذور الانقسام العربي وآفاقه

تكمن أهمية اجتماع العرب رغم انعدام نتائج فعّالة لحل المشكلات المزمنة، في ضرورة الإبقاء على رابطة معنوية تزرع الإحساس بالخصائص الثقافية واللغوية المشتركة، أي وحدة المصير المشترك، أمام تحديات تخص القضايا الإقليمية والبينية، مما يمنع من الانزلاق ويخفف من حدة التوتر والانقسام، فانسداد قنوات الحوار والتفاوض، يدفع بخيارات الصدام إلى الواجهة، وقد رأينا مؤشرات ذلك في أزمة حصار قطر، وما حملته الأزمة من إمكانيات تطور الوضع، في سياق دولي كانت الشعبوية سمته الأساسية في سدة حكم القوى الكبرى، وفي وضع إقليمي مضطرب عقب تمدد الثورات المضادة. ولعل السياق الراهن للجامعة العربية، تظهر معه جوانب من الأزمات العربية، ونخص منها الأزمة المغربية الجزائرية، حيث عرفت السنوات الأخيرة ازدياد حدة النزاع، مع غياب قنوات الحوار، بل انتقل الوضع إلى حالة انقسام مجتمعي حاد وصل مداه إلى شبكات مواقع التوصل الاجتماعي.

هذا يعني أن الأزمة صارت أعمق من أن تكون أزمة سياسية بين دولتين، إلى كونها أزمة مجتمعية عميقة، والظاهر أن الجامعة العربية الأخيرة لم تحل أي من هذه المشكلات، كما لم تعمل على تقريب وجهات النظر أو وضع آليات للحوار والتفاوض بين الإخوة الأشقاء، ذلك أن الجامعة العربية مؤسسة بدون روح، والمؤسسات والتكتلات الإقليمية، هي مجرد مسميات، لأنها هي الأخرى تعبير عن حالة الانقسام السائدة، بينما كانت فعاليتها كفيلة بتحقيق نقلة نوعية من أوجه التكامل الاقتصادي والثقافي والسياسي، أسوة بتكتلات إقليمية أخرى، في أوروبا وآسيا أنقذها الرشد السياسي وقواعد النظام الديمقراطي، أو الإرادات المستقلة، من الفرقة والشتات، الذي يحمل تكلفة مرتفعة بخصوص التقدم في مختلف المجالات.

 

حالة الضعف التي كانت مستشرية في البلاد العربية وسيطرة القيم السلبية وفكر الانحطاط، جعلت الاستعمار يرسم وضعا جديدا للمنطقة على مستوى أنساقها السياسية والاجتماعية، ويفكك كل عناصر الوحدة الكامنة في بنية المجتمع

لعل السمة الغالبة على الواقع العربي، هي الفرقة والتفكك، إذ تمت العودة سريعا إلى زمن ما قبل الدولة، والأقطار التي بها استقرار اجتماعي أو سياسي، يغيب عنها قيم العصر وروحه السياسية في إدارة شؤون الحكم والسلطة وعلاقة الدولة بالمجتمع، مما يتولد عنه أزمات تهدد الاستقرار الاجتماعي، بالإضافة إلى مخلفات الأزمة العالمية الراهنة وتبعاتها عربيا، ولا نحتاج إلى توصيف الواقع العربي، فهو معرف في الخيال المجتمعي ابتداء ولا يحتاج إلى وصف أكثر مما يحتاج إلى فهم، لكن كيف حدث أن وقع العرب في هذه الهوة السحيقة من الانحدار؟

ترتد الأزمة العربية من الناحية الشكلية إلى الاستعمار وما خلفه من تقسيم وتجزيء لأقاليم تحمل نفس القسمات الثقافية، لكنها من الناحية الثقافية أو من جانب الروح العامة التي تسري في شرايين الوعي المجتمعي وفي إدراك وممارسات لفيف من النخبة العلمية والسياسية، تعود إلى ما قبل الاستعمار، إلى ما سماه المفكر الجزائري مالك بن نبي "القابلية للاستعمار"، وهي الإرادة المهزومة التي كانت مستحكمة في الوعي والسلوك، مما جعل التخلف جوهر الأزمة والاستعمار عرض ناتج عنها.

لكن حالة الضعف التي كانت مستشرية وسيطرة القيم السلبية وفكر الانحطاط، جعلت الاستعمار يرسم وضعا جديدا للمنطقة على مستوى أنساقها السياسية والاجتماعية، ويفكك كل عناصر الوحدة الكامنة في بنية المجتمع أو تلك التي يمكنها أن تغذي إرادة الاستقلال والحرية والتقدم، فأنتج بذلك أزمة كبرى استمرت تبعاتها طيلة القرن الماضي، ولم تفلح الدولة الوطنية في انتشال المجتمعات العربية من واقع الانقسام والتجزئة، بل أضحت أداة هيمنة وقهر، ووعاء فساد واستبداد، إلى أن جاء الربيع العربي ليذكر النخبة والمجتمع، بأصل المشكلة ومكمن الداء، لكن واقع الحال أن النسق السياسي العربي لم يلحقه الترهل ونزوع الاستبداد وحسب، بل أضحى عقب الربيع العربي أرضا مفتوحة للتدخل والصراعات، ليتبين أن ما شكل هاجس الأمس بخصوص التحرير والاستقلال لم يكتمل بعد، وأنه مسار ممتد في الزمن ترثه الأجيال بالتزامن مع توريث أزمات الوضع العربي.

لقد كان العمل العربي المشترك، وعلى الرغم مما اكتنف مرحلة ما بعد الاستقلال من تضخم خطابي أيديولوجي وسطو الجيش على السلطة في العديد من البلدان مما أعاق تحديث السلطة، فقد كان يجسد في بعض أوجهه جانبا من قيم العروبة والإسلام وشعور الانتماء الحضاري والثقافي المشترك إلى الأمة نفسها، وقد مثلت حرب الخليج عقب اجتياح الكويت، انتهاء فعليا لأدوار الجامعة العربية والعمل العربي المشترك، وإيذانا بانتهاء النظام الرسمي العربي وما رفعه من شعارات تهم التكامل العربي.

لا يمكن إغفال نقطة مركزية في الوعي العربي الحديث، وكل ما يتعلق بالسياسات الدولية والإقليمية التي تخص الشرق الأوسط، تلك النقطة المحورية تتصل باتفاقية كامب ديفيد واتفاق أوسلو، بحيث تم الانتقال بموجبهما من وضعية كان وصفها يجسده مصطلح "الصراع العربي الإسرائيلي" إلى مصطلح بديل هو "الصراع الفلسطيني الإسرائيلي"، تم هذا الانتقال من مفهوم آخر لتوصيف موقع فلسطين في الوجدان العربي إلى مفهوم آخر بديل، في سياق تسويات سقطت فيها الكثير من المبادئ التي شكلت أسس الخطاب العربي الرسمي لدول ما بعد الاستقلال، لكنه في الواقع يعكس أزمة عميقة تتجاوز ما هو ظاهر، وهي نفس الأزمة المستمرة إلى حدود اللحظة مع مساعي استعمال الورقة الفلسطينية، لكن فلسطين تظل المتضرر الأول من الاستخدام السياسي في سوق التسويات، أو من خلال الأنظمة التي تستند عليها لكسب شرعية جديدة، ذلك أن القضية الفلسطينية، سينعكس عليها إيجابا أي تغيير في المنطقة يتم من خلاله إرساء دعائم الديمقراطية، فهي في حقيقة الأمر كقضية، كامنة أساسا في وجدان الشعوب التي تعاني نفسها من الاستبعاد والقهر ومصادرة الحقوق.

ختاما: إن حلول الانقسام العربي، قائمة في مصالحات عابرة للمنطقة، وتخفيف التوتر وعدم الاندراج الكامل في سياسات المحاور، فبدون مصالحة وحوار مباشر  تتجه منطقة شمال أفريقيا إلى صدام حتمي بين الجزائر والمغرب، ومبتدأ لم الشمل ومنتهاه إن كان صادرا عن إرادة صادقة وليس بحثا عن الريادة في تنافس إقليمي واصطفافات هنا وهناك، فإنه ينبغي أن يتم بفتح قنوات الاتصال والحوار بين الجزائر والمغرب، وتجنب كل خطاب الإساءة الذي ينمي الأحقاد ويزكيها، والأمر نفسه في الشرق الأوسط والعلاقة مع الشرق الأوسط ضمن المجموعة العربية برمتها، وفي ظل بقاء الانقسام، فإن الجامعة العربية ستظل عاجزة ومجرد مجمع شكلي، مع أن الأهمية القصوى في السياق الراهن كامنة في التكتلات الكبرى، فهي قاطرة التقدم والتنمية، وعربيا سيكون الوضع في مساره الصحيح، من خلال سوق عربية مشتركة وديناميات ثقافية متداخلة تجسر العلاقة بين شعوب المنطقة، مما يخدم التكامل العربي على الأرض.

ومما يؤلم أن الدول والشعوب العربية بتكاملها تشكل نسيجا متفردا، وتملك أسس التقدم على المستوى الديمغرافي والثروات الطبيعية والتجانس الثقافي واللغوي والتاريخي، لكن هل يبقى ذلك مجرد حلم؟

بكلمة موجزة، إن ذلك حينما يحدث سيكون تجسيدا لعودة العرب إلى مسرح التاريخ، ليس كمتفرجين، وإنما كفاعلين في صياغة معالمه، وهو ما يحتاج في واقع الأمر إلى نظم سياسية ديمقراطية تحترم إرادة شعوبها وتعبر عن تطلعها في الحرية والاستقلال والوحدة ولو في أنماط حديثة كما هي سائر التكتلات، وذلك تعبير عن وعي بقيم وروح العصر، كما يقتضي الوضع تفكيرا إستراتيجيا ووعيا بمخاطر الانقسام المجتمعي وآثار الصراعات البينية، على مستقبل الجميع. وتلك كلها شروط ثقافية وسياسية واجتماعية لم تتوفر بعد، وتحقيقها لن يعمل على لم الشمل وحسب، وإنما على إنجاز وثبة حضارية.