عصر جديد للاستبداد العربي

كاريكاتير للرسام الإيراني مانا نيستاني (مانا نيستاني)

يناقش هذا المقال بعضا من الطبيعة المتغيرة للاستبداد في المنطقة العربية والتي ظهرت على مدار العقد الماضي. أُدرك أن هناك اتجاهات فرعية وفقا للمناطق والبلدان، ولكن هذا المقال مخصص للسمات المشتركة بين دكتاتوريات المنطقة.

بداية، نؤكد على عدد من النقاط الأساسية التي تحكم هذه الطبيعة:

  1. نهاية الاستثنائية العربية

لعقود سيطر على باحثي المنطقة النظر إليها باعتبارها استثناء من الموجات الديمقراطية المتعاقبة. صحيح أنه تمت مراجعة هذا بعد اندلاع الانتفاضات العربية 2010-2011، إلا أن دخول هذه الانتفاضات في مسارات مأزومة جعلهم ينكصون سريعا عن هذه المراجعات ويعودون للتأكيد على الممانعة من حيث المبدأ الذي تتسم به المنطقة في مواجهة الديمقراطية بحكم ثقافتها وتاريخها والهياكل التي استقرت فيها.

يؤكد تقرير الديمقراطية لعام 2022 أن المنطقة جزء من تيار عالمي ينحو نحو مزيد من الاستبداد؛ فبحلول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كان عدد البلدان التي تتحرك في اتجاه استبدادي أكبر مما كانت عليه في طريق التحول إلى الديمقراطية، والدكتاتوريات آخذة في الزيادة وتؤوي 70% من سكان العالم (5.4 مليارات نسمة)، بما يمكن معه القول إنه "تم الآن القضاء على 30 سنة الماضية من التقدم الديمقراطي".

تتطلب الدكتاتوريات الدائمة -مثل الديمقراطيات الدائمة- دولًا قوية قادرة على الدفاع عن أراضيها والسيطرة عليها، وحل المشكلات، والتعامل مع التحديات التي تواجه استقرارها

2. هياكل مستمرة يتحرك عليها الاستبداد

هي الهياكل السياسية والمؤسسية والثقافية اللازمة لما يسمونها "الاستمرارية الاستبدادية". الاستبداد هو أكثر من كونه شيئا يظهر في النظام السياسي فقط، إنه نظام اقتصادي واجتماعي وثقافي متكامل، وهو نظام يتخلل معظم جوانب حياة الدولة والمجتمع والسوق، وله جذور عميقة في مجموعة واسعة من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية. القضاء على الموروثات الاستبدادية في المجتمع والاقتصاد والثقافة وفي هياكل الدولة غالبًا ما تكون عملية صعبة للغاية ومرهقة وطويلة الأمد، وبالمناسبة لم يحدث ذلك في أجزاء كثيرة من أوروبا الغربية حتى النصف الثاني من القرن العشرين.

3. اتجاه خطي تصاعدي

لا يمشي المسار الديمقراطي في اتجاه خطي تصاعدي باستمرار، بل يسير في منحنيات متعرجة صعودا وهبوطا.

تدلنا الخبرة التاريخية على أنه لا ينبغي أن تكون عودة الاستبداد مفاجئة، "فجميع الموجات السابقة من الديمقراطية أعقبها تراجع وخيبة أمل ترافقها حتما، ومع ذلك، كان التيار الاستبدادي في العقد الأخير أضعف من تلك التي أعقبت الموجات السابقة. لقد نجت الكثير من الديمقراطيات الجديدة التي نشأت في الموجة الأخيرة أكثر من نظيراتها في الموجات السابقة".

4. نظام سياسي فعّال

إن التحدي الأساسي الذي يواجه المنطقة هو بناء نظام سياسي فعال قادر على أن ينشئ دولا قوية. تتطلب الدكتاتوريات الدائمة -مثل الديمقراطيات الدائمة- دولًا قوية قادرة على الدفاع عن أراضيها والسيطرة عليها، وحل المشكلات، والتعامل مع التحديات التي تواجه استقرارها، والأهم -كما أظهرت نتائج استطلاع الباروميتر العربي– "حكومات فعّالة قادرة على مواجهة تحديات المواطنين العرب الأساسية، التي يأتي في مقدمتها الأوضاع الاقتصادية".

خصائص خمس مستجدة

  1. ديكتاتورية شعبوية لا رديكالية

في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي شهدنا موجة من الاستبداد مستندة إلى توجهات راديكالية في الاجتماع والاقتصاد، وقد ساعدها هذا على تحقيق قدر من الاستمرارية الاستبدادية. تؤكد الدراسات أن الدكتاتوريات ذات الأصول الثورية "دائمة بشكل غير عادي"؛ فمثل هذه الأنظمة تدوم في المتوسط ما يقرب من ثلاثة أضعاف مقارنة بنظيراتها غير الثورية.

شهدت المنطقة على مدار العقد الماضي نموذجين لأنظمة شعبوية واضحة في كل من مصر وتونس، وهناك دول أخرى مرشحة لذلك، وهذا بالمناسبة كان جزءا من توجه عالمي ظهر في الديمقراطيات المستقرة مثل الولايات المتحدة وأنحاء كثيرة من أوروبا الغربية وأميركا اللاتينية.

سيظل الشعبويون الاستبداديون مثل ترامب في الولايات المتحدة وبولسونارو في البرازيل، جزءا رئيسيا من المشهد السياسي، فالمعركة مع الشعبوية ليست ظاهرة عابرة سيتم حلها قريبًا لصالح الديمقراطية، إنها الوضع الطبيعي الجديد للديمقراطيات المضطربة والمرنة في العالم

يدعي الشعبويون أنهم يمثلون الصوت الحقيقي للشعب، وعادة ما ينتقلون إلى الضوابط الديمقراطية القصيرة بمجرد توليهم مناصبهم، ولكن عندما يفوزون بالسلطة فإنهم عادة ما يلحقون الكثير من الضرر بالمؤسسات كلها، وهم عادة استقطابيون يقسمون البلاد إلى قسمين. لدى الشعبويين حافز للمبالغة في الوعود، وبمجرد وصولهم إلى الحكومة، يجدون أنه من المستحيل الوفاء بوعدهم.

ولأنهم يفتقرون إلى الخبرة، فإن العديد من الشعبويين يضعفون موقفهم أيضًا من خلال ارتكاب أخطاء يمكن تجنبها. قد يصارعون مع الأكفاء، أو يسيئون إدارة الاقتصاد أو يفشلون في التعامل مع حالات الطوارئ غير المتوقعة مثل الوباء والحرب الأوكرانية. المشكلة أنه عندما يفقد الشعبويون الاستبداديون السلطة؛ فإن التهديد الأكثر حدة للديمقراطية ينحسر عادة لبضع سنوات، لكن هذا لا يعني أنها انتهت.

بدلاً من ذلك؛ سيظل الشعبويون الاستبداديون مثل ترامب في الولايات المتحدة وبولسونارو في البرازيل، جزءا رئيسيا من المشهد السياسي، فالمعركة مع الشعبوية ليست ظاهرة عابرة سيتم حلها قريبًا لصالح الديمقراطية، إنها الوضع الطبيعي الجديد للديمقراطيات المضطربة والمرنة في العالم.

ملمح اتسمت به الشعبوية في الديمقراطيات المستقرة أنه تمت هزيمتها بالانتخابات، كما جرى مع ترامب 2020 وبولسونارو مؤخرا، لكن في العالم العربي ونتيجة التلاعب بالانتخابات واستشعار الشعوبيين العرب أن مصيرهم إما إلى السجن وإما القتل، فإن احتمال استمرارهم سيكون أطول، وتكلفة التخلص منهم ستكون أفدح.

 

هناك علاقة بين الديمقراطية وزيادة الإنفاق على التعليم وزيادة المساواة بين الجنسين والسلام والأمن الإنساني، بالاضافة إلى البيئة المستدامة والتخفيف من آثار التغير المناخي

2. جرأة استبدادية

ارتفاع مستويات التعبئة المؤيدة للاستبداد قد يشير إلى أن القادة المستبدين يتخذون إجراءات أكثر جرأة وأكثر صرامة لإثبات السيطرة والهيمنة. الاستبداديون لم يعدوا بالضرورة يسيرون بخطى بطيئة وتدريجية. تتبدى هذه الجرأة في مظاهر عديدة أبرزها:

  • انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
  • هيمنة السلطة التنفيذية على السلطات جميعا، تشريعية وقضائية، والجدير بالذكر أنه كان هناك انخفاض متوسط في القيود التشريعية المفروضة على السلطة التنفيذية حتى عبر البلدان التي تقدمت ديمقراطيا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
  • القمع والتضييق على منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى القضاء على حرية التجمع والتنظيم. يتبع قمع منظمات المجتمع المدني عن كثب زيادة الرقابة على وسائل الإعلام ومضايقة الصحفيين، وفي حين تتحسن جودة الانتخابات في المناطق المختلفة من العالم، فإنها في منطقتنا -بالإضافة إلى الكاريبي وأميركا اللاتينية- تتراجع، ويتم العصف باستقلال المؤسسات التي تشرف عليها.
  • استخدام المعلومات المضللة بشكل متزايد لتشكيل الرأي العام المحلي والدولي لصالحها. منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي المنطقة التي بها أعلى مستويات التضليل الحكومي وأكثرها تزايدا، وفقا لتقرير الديمقراطية 2022.
  • عبر أربع مناطق (آسيا والمحيط الهادي، وأوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، وأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، والشرق الأوسط وشمال أفريقيا)، كانت حرية التعبير والإعلام هي الجانب الأكثر شيوعًا لتراجع الديمقراطية.
  • تتعدد وتتشعب مظاهر الجرأة الاستبدادية في المنطقة، ويلاحظ أنه على مدار العامين الماضيين -باستثناء السودان وإلى حد ما العراق- عدم وجود زيادة مقابلة في التعبئة المؤيدة للديمقراطية التي تواجه مثل هذا الاتجاه بما يهدد بالسماح للتحول الاستبدادي بالتسارع دون منازع.
  • المشكل أن بقايا القوى المنادية بالديمقراطية في المنطقة ليست لديها الخبرة الكافية للتعامل مع الديمقراطية في الفترات الانتقالية التي تمر بها المنطقة، وهو ما برز في التضاد الواضح بين تحقيق تقدم في مظاهر الديمقراطية سياسيا وبين تراجع الكرامة للشعوب العربية اقتصاديا. هذه القوى أيضا لا تملك سردية متماسكة تربط بين التقدم في تحقيق الديمقراطية وبين تحسين مستويات معيشة المواطنين العرب، رغم أن عديد الدراسات قد أكدت على هذا الترابط.
  • يقدم لنا بالتفصيل تقرير الديمقراطية 2022، واستنادا إلى دراسات عديدة، ملامح هذه السردية، إذ يؤكد أن الديمقراطية مهمة للحد من الفقر، وتحقيق النمو الاقتصادي، والحد من عدم المساواة الاقتصادية.
  • تشير الدلائل إلى أن التحول الديمقراطي ينتج زيادة بنسبة 20% في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي على مدى 25 عاما مقارنة بالبقاء الاستبدادي.

هناك علاقة بين الديمقراطية وبين زيادة الإنفاق على التعليم وزيادة المساواة بين الجنسين والسلام والأمن الإنساني، بالاضافة إلى البيئة المستدامة والتخفيف من آثار التغير المناخي.. إلخ.

باستثناء دول الخليج التي حققت لها الأزمة الأوكرانية وفرة مالية كبيرة لارتفاع أسعار البترول والغاز، فإن جميع شعوب المنطقة تعاني من التضخم والبطالة وتدهور الخدمات العامة وتهديد الأمن الغذائي

3. استقطاب سام

وهو وإن كان من مظاهر الجرأة الاستبدادية، إلا أنه الأرضية التي تتحرك عليها ويعطي قوة دفع للشعبوية الاستبدادية أيضا. يشكل الاستقطاب والاستبداد حلقة مفرغة متضافرة يغذي بعضهما بعضا، وهو يتصاعد نحو مستويات سامة في معظم الدول العربية، مما يساهم في الطبيعة المتغيرة للتحول إلى الاستبداد.

يصبح الاستقطاب سامًا عندما يصل إلى مستويات قصوى؛ تبدأ معسكرات "نحن ضدهم" في التشكيك في الشرعية الأخلاقية لبعضها بعضا، وتبدأ في التعامل مع المعارضة باعتبارها تهديدا وجوديا لطريقة الحياة أو الأمة، ويتم النظر إلى المعارضين السياسيين باعتبارهم غير شرعين ولا يستحقون الاحترام، بل هم غير وطنيين وتهديد للأمن القومي، كما يمكن في ظل الاستقطاب تنحية الأعراف والقواعد الديمقراطية جانبًا "لإنقاذ الأمة" والحفاظ على الدولة.

تُظهِر الأبحاث أن المواطنين في السياقات شديدة الاستقطاب غالبًا ما يكونون مستعدين للتخلي عن المبادئ الديمقراطية، ويلاحظ أن هناك علاقة بين زيادة الاستقطاب المجتمعي والاستقطاب السياسي، وبين زيادة استخدام الفرقاء السياسيين خطاب الكراهية بشكل منهجي. يغذي الاستقطاب التلاعب بالحقائق والتضليل الإعلامي وعدم شفافية المعلومات، وعادة ما تستخدم الحكومات العربية التضليل الحكومي عبر الإنترنت بشكل إستراتيجي للتأثير على المواطنين بطريقتين:

  • المعلومات المضللة.
  • الأخبار الكاذبة بشأن المعارضين السياسيين بما يمكن معه أن تتضخم المشاعر السلبية وانعدام الثقة، أو حتى التحريض على العنف، والذي بدوره يؤدي إلى تفاقم مستويات الاستقطاب.

4. غياب الكرامة الاقتصادية

باستثناء دول الخليج التي حققت لها الأزمة الأوكرانية وفرة مالية كبيرة لارتفاع أسعار البترول والغاز، فإن جميع شعوب المنطقة تعاني من التضخم والبطالة وتدهور الخدمات العامة وتهديد الأمن الغذائي.. إلخ.

ارتباط الدكتاتورية بسوء أحوال الناس يقلب الحجة التي قدمها الدكتاتوريون العرب في أعقاب الانتفاضات العربية، وهي قدرتهم على تحقيق الرفاهية الاقتصادية لشعوبهم؛ وهو ما ثبت فشله حتى الآن، ولا أظنه يتحقق في المستقبل. يهتم العرب أكثر بالحوكمة الفعالة من شكل حكوماتهم؛ فقد أظهرت نتائج استطلاع الباروميتر العربي الذي أُجري في تسع دول، بالإضافة إلى الأراضي الفلسطينية، أن 70%؜ ممن شملهم الاستطلاع في المتوسط يفضلون حكومات كفوءة وفعالة قادرة على أن تتعامل مع التحديات التي تراكمت على مدار العقد الماضي (عقد الربيع العربي) والتي كان في مقدمتها أزمات اقتصادية، فاقمها وباء كورونا وعدم الاستقرار حين شهدنا انهيار عدد من الدول في المنطقة، وضعف الحكومات التي أتت بها الانتخابات في دول أخرى، وآخرًا وليس أخيرا؛ ميراث الفساد في كثير من بلدان المنطقة.

5. تواطؤ إقليمي على الاستبداد

تصاعدت النزاعات والصراعات بين الحكومات العربية على مدار العقد الماضي، وانخرط شركاؤها الإقليميون -الأتراك والإيرانيون- أيضا في هذه النزاعات، وعلى الرغم من ذلك، فإن ما جمعهم في العشرية الأخيرة خمسة أمور تتكامل فيما بينها لتقوض أية إمكانية لتطور ديمقراطي:

  1. الحرب على الإرهاب: تحت دعاوى الحرب على الإرهاب، تم بناء جهاز أمني قوي ومنظومة متكاملة من التشريعات والإجراءات التي يصعب تفكيكها لاحقا.
  2. القضاء على ركائز القوة التي يمكن أن يستند إليها أي بديل سياسي أو زعامات سياسية يمكن أن تحل محلهم.
  3. تقديم نمط للإسلام منزوع الديمقراطية، ذي طبعة نيوليبرالية في الاقتصاد، متسامح مع المختلف دينيا، إقصائي للمختلف داخل الأوطان، ويمزج القوة الناعمة بالصلبة من خلال استخدام السلاح بكثافة مباشرة أو عن طريق الوكلاء لتحقيق أهداف سياسية.
  4. الحرب على الديمقراطية.
  5. وأخيرا؛ فإنهم جميعا يقدمون صيغة تفصل بين السياسة والاقتصاد، حين يقدمون سياسة متحكما فيها ومهيمنا عليها؛ في الوقت الذي يقدمون فيه اقتصادا مندمجا في السوق العالمي ومنفتحا عليه.