إعلام "بير السلم" والنور الداخلي

جدل في مصر بعد فرض ضرائب على صناع المحتوي من اليوتيوبرز والبلوغرز
من حق كل إنسان الحصول على إعلام يمنحه أخبارًا تهمه وترفيهًا يمتعه بلا إسفاف (غيتي)

يطلق المصريون على المصانع التي تنتج السلع الفاسدة لقب مصانع "بير السلم"، في إشارة إلى أنها غير مرخصة وتستهدف أكبر ربح ممكن عن طريق الإضرار بالناس؛ ونجده أفضل وصف للفضائيات والصحف والمواقع الإلكترونية التي تتنافس بضراوة في إطفاء النور الداخلي للمشاهدين والمتابعين، عبر إطلاق كم رهيب من القذائف التي تنال من عقولهم وتلقي بالظلال السيئة والشوائب على قلوبهم، وتؤثر حتما بالسلب على نظرتهم للحياة وعلى تصرفاتهم مع الآخرين وعلى تعاملهم مع أنفسهم أيضا.

نتفق مع هوغو القائل: "يمكن أن يتعطل الإنسان مثل السفينة، والمرساة هي الوعي، شيء حزين أن يكون من الممكن أن يتكسر الوعي". وحتى لا يتكسر الوعي ونغرق في إعلام بير السلم ويحدد وعينا كما يقول ماركس: "لا يحدد الوعي وجود الناس بل الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم"؛ فوجب علينا أن نضع إعلام بير السلم في مكانه ومكانته.

يُفترض أن يهتم الإعلام بنشر المعلومات الصحيحة وطرح قضايا المجتمع والسعي لإحداث تغيير في المجتمع والتأثير في الرأي العام. والمؤسف أن النسبة الكبرى من صناعة الإعلام العربي تتجه -بوعي أو بدون وعي- لإطفاء النور الداخلي للمتابعين؛ فيتراجع بشدة نور العقل ونور القلب ونور ترتيب الأولويات ونور العلاقات مع النفس ومع الآخرين، وينتشر الإظلام بدرجاته، وننبه لتضارب المصالح بين نورنا الداخلي وبين إعلام بير السلم حيث الظلام والإظلام.

في العالم كله تنحصر وظيفة المذيع في التحاور مع الضيف وطرح أسئلة يهتم بها الجمهور وليس ما يريده هو؛ وإن رغب بطرح وجهة نظره فيقولها كتساؤل من الجمهور، ولا يلاحق ضيفه ويحاصره لإجباره على تبنيها كما نرى كثيرا في إعلام بير السلم المنتشر والمتوغل والمتغول حاليا بعالمنا العربي.

فنجد مذيعة تمسك الميكرفون طويلا لتتخلص من مشاكلها الشخصية وتصدرها للمشاهدات. فالرجال كتلة من العيوب والنساء ملائكة بلا أجنحة، فتحصل على كم كبير من المتابعة وتتصرف وكأنها النموذج الذي يجب اتباعه! لترد عليها مذيعة أخرى بالتغني بسذاجة ومبالغة فجة بجمال الرجال، لتحصد بدورها كمّا كبيرا من إعجاب بعض الرجال!

المؤكد أن كلتا المذيعتين لا تحترمان عقول النساء ولا الرجال، ولا ندري من أين جاءت كل منهما بالجرأة غير المبررة على توجيه النصائح للمشاهدين والمشاهدات في أدق أمور حياتهم الشخصية، مع غياب واضح للثقافة وللعلم وللرقي وللقدرة على اختيار الألفاظ اللائقة للحديث عن العلاقات الزوجية وتصويرها كحلبة للصراع أو للانبطاح أمام الطرف الآخر.

هذان النموذجان ما هما إلا مجرّد نموذجين لكثيرين وكثيرات انتشروا؛ فهل مذيعة تسأل زوجا وزوجة من المشاهير عن الأكلة التي يفضلانها، وتأتي بمن تخبر الناس بعلامات في البيت تظهر التعرض للحسد، وتستعرض ملابسها وركوبها بالطائرات في الدرجة المخصصة لرجال الأعمال؛ مؤهلة لنصح حواء كيف تردع الرجل كي لا يطفئها؟ وكأنها شيء يُضاء من الخارج، وكيف تتزوج وتتطلق مرات ولا تهتم؟!

كيف لمذيعة تأتي بالمشاهير من الجنسين وبكل الأعمار ليتعروا أمام الناس ويحكوا تفاصيل مخجلة عن أنفسهم، ربما طمعا لاستعادة الأضواء التي ولت أو لبعض الأموال، كيف لها أن تعطي نصائح لحواء كيف تكسب زوجها وتبدو في صورة المدافعة عن الرجال، وكأن النساء وحوش تلتهمهم وهي تنقذهم بنصائح من قبيل: اتركيه يمزح مع زميلاته بالعمل ولا تنكدي عليه، وهو طفل صغير اجعليه يبدو وكأنه المنتصر وخذي أنت القرارات، فأي احترام للرجل هذا، وأعطي لشقيقك جرسا ليستدعيك به عندما يرغب في كوب من الشاي!

نتساءل، وهذا حقنا: أي تدريب حصلوا عليه؟ ومن أنتم؟ وما الثقافة أو التعليم الذي جعلهم بكل هذه الجرأة الغريبة والتعالي والتأله على المشاهدين وإعطائهم النصائح بفوقية بغيضة؟

بأي حق مذيع يصرخ في المشاهدين مطالبًا بحماية مطربة من الإدمان؟ وكأنها قضية قومية يجب أن يلتف حولها العرب عوضا عن القضايا الرئيسية التي يجب أن تشغل بالهم وتدفعهم للسعي لها، كالعدالة أو الرخاء الاقتصادي أو انتشال الفقراء من الفقر والسعي لوضع العرب في مكانة مميزة بالعالم سياسيًا أو علميًا.

من هو العبقري الذي جعلهم يكررون كلماتهم ببطء وينتظرون ثواني بين بعض الكلام، ثم يواصلون وكأن المشاهدين يحتاجون لالتقاط الأنفاس لاستيعاب الكلام الذي يفوق قدراتهم العقلية ليستوعبوه؟ من أين جاء بعض المذيعين بالجرأة والبجاحة لنصح المشاهدين بالتقشف؟ ومنهم من نصحهم بشراء المكرونة والزيت المحلي لا المستورد، ففضح بنفسه غيابه التام الواضح عن الواقع، فغالبية المشاهدين لم يفكروا يوما في شراء الأكل المستورد، وهم يناضلون للبقاء في وضع الستر.

لا ننكر عليهم مدح بعض المسؤولين ممن استحقوا ذلك أم لم يستحقوا، فهي ظاهرة بالدنيا كلها، ولكن المبالغة بها استخفاف بالعقول وطمس لها ولو بعد حين. فالطبل المتواصل يصم الأذن، أو يفقدها التركيز في الأصوات الهادئة، وهو ما يفعله محترفو التطبيل الإعلامي وما أكثرهم.

قيل بالماضي إذا عض الكلب رجلا فهذا ليس خبرا، وإذا عض الرجل الكلب فهذا هو الخبر. وقد تجاوزنا ذلك وأصبح الكثيرون -حتى في بعض الفضائيات الكبيرة والمواقع الإلكترونية للصحف الشهيرة- لديهم الرجل والكلب يعضان كلبا سعيا وراء الإثارة الكبرى ولمضاعفة نسبة المشاهدة؛ ولا عزاء لمن لا ينتبهون لخطورة ذلك على نورهم الداخلي، إذ يجدون أنفسهم بين خيارين أحلاهما مر: إما الاعتزال التام لكل هذا الإعلام، ولا يتابعون ما يلقيه البعض في المجتمعات العربية، وتدريجيا يفقدون التواصل مع التغييرات المجتمعية ويبنون أسوارا عالية تفصلهم عنها.

والاختيار الآخر هو الانتباه عند التعرض القليل والمحسوب لهذا الإعلام بمكوناته، واليقظة وارتداء كمامات ودروع عقلية ونفسية لتقليل ما يتسرب لهم أثناء التعرض له، والمسارعة "بالاغتسال" العقلي والوجداني لطرد الشوائب التي قد تعلق بنورهم الداخلي.

نفضّل هذا الاختيار مع تقليل الاستنفار أثناء التعرّض لمنع الضرر الذهني أو تقليله ما استطعنا، "والامتنان" لعدم تورطنا فيه، ولتنبهنا لخطورته، والحرص على إهداء الوعي بذلك لمن نحب وتفادي الجدال مع المدافعين عنه، حماية لنورنا الداخلي الذي قد يتآكل بسبب الإنهاك المتواصل مع المجادلين أو مع من يسمون أنفسهم "ألتراس" إعلاميي هذا العصر.

تتنافس مواقع إلكترونية كثيرة -مع الأسف- في جذب المتابعين بنشر صورًا غير لائقة لممثلات، وبعضهن مغمورات يتبارين في العري وكأنهن في عرض لبيع الجواري، ويطلقن على هذه الصور إطلالات جريئة، ولا ينافسهن في هذا التدني إلا بعض الفضائيات التي باتت مادتها المفضلة البحث عن الفضائح.

لا نعرف كيف يقنعون بعض الممثلات والممثلين بتعرية حياتهم الخاصة والحديث باستفاضة غريبة عن الخيانات التي تعرّضت لها الممثلات أو التي قام بها الممثلون، ويتعمدون التركيز على المشاكل الأسرية والحكي عنها بتفاصيل مؤلمة لاستدرار تعاطف المشاهدين وربما كنوع من التغييب المتعمد لهم عن مشاكلهم الحيوية التي تنهكهم.

لا نطالب بإعلام مثالي، فلا شيء في الكون مثالي، ولا نحلم بإعلام يركز طوال الوقت على مصالح الناس، فهذا غير واقعي، ونطالب ببعض من احترام عقول الناس والتوقف عن تعمد إطفاء نورهم الداخلي، وألا يصبح الإعلام "أفيون الشعوب المعاصر" كما هو في إعلام "بير السلم" المتنامي.

من حق كل إنسان الحصول على إعلام يمنحه أخبارا تهمه وترفيها يمتعه بلا إسفاف، وأن يكون الوقت الذي يخصصه للإعلام بأنواعه المرئية والمسموعة وعبر وسائل التواصل "استراحة" يرتاح بها عقله ويجدد نشاطه، لا أن يسلب منه نور عقله ونور قلبه الداخلي بتدرج وبخبث كجرعات السم التي يضعها المجرم لضحيته ليقتله دون ترك آثار عند تشريح جثته، وهو ما يفعله كثير من المنتمين لإعلام بير السلم بوعي أو بدون وعي.

يقول نيتشه: "لا تطل التحديق في الهاوية حتى لا تنظر الهاوية إليك"، أي حتى لا تجذبنا إليها دون أن نعي، وهو ما يجب فعله فورا وللأبد مع كل أنواع هذا الإعلام.