معضلة ديف شابيل من المتحولين جنسيا إلى العداء للسامية

الممثل والمنتج الأميريي "ديف شابيل" (وكالات)

أخرج ديف شابيل Dave Chappelle ورقة بيضاء من سترته، وقرأ "أنا أدين معاداة السامية بجميع أشكالها، وأقف إلى جانب أصدقائي من اليهود". بهذه الكلمات بدأ شابيل فقرة المنولوج الساخرة خلال استضافته في برنامج "ساترداي نايت لايف" SNL الشهير مساء السبت الماضي على شبكة إن بي سي.

وتضمن المونولوج، الذي حقق مشاهدات بالملايين عقب بثه لاحقا على موقع يوتيوب، تعليقات تناول فيها شابيل الجدل الدائر حول "العداء للسامية".

في العرض الأخير الذي جاء عنوانه The Closer أثار شابيل جدلا واسعا بعدما سخر وألقى نكات حول المثليين والمتحولين جنسيا، وخاصة النساء المتحولات جنسيا

وقال شابيل "لقد زرت هوليود، ورأيت هناك الكثير من اليهود، نعم الكثير، لكن هذا لا يعني أي شيء، وهذا لا يعني أنهم يديرون المكان".

وتسببت سخرية شابيل في تعرضه لهجوم من قادة العديد من منظمات اليهود الأميركيين. وانتقد الرئيس التنفيذي لرابطة مكافحة التشهير، جوناثان غرينبلات، شبكة إن بي سي، متهما برنامجها الأشهر بـ "تعميم معاداة السامية".

وكتب غرينبلات يقول "لا ينبغي أن نتوقع من شابيل أن يكون بمثابة البوصلة الأخلاقية للمجتمع، ولكن من المزعج أن نرى شبكة إن بي سي ليس فقط تطبيعها، بل وتعمم العداء للسامية. لماذا يتم إنكار الحساسيات اليهودية أو تقليصها في كل منعطف تقريبا؟ لماذا تؤدي معاناتنا إلى التصفيق؟"

ولم تكن تلك المواجهة استثنائية، فقد دأب شابيل على الاقتراب من موضوعات حساسة يتلامس فيها مبدأ حرية الرأي والتعبير، مع الآثار السلبية لهذه الآراء.

في عام 2016، وقع شابيل تعاقدا كبيرا تقاضى فيه 20 مليون دولار لكل عرض مع منصة نتفليكس في صفقة بلغت قيمتها 120 مليون دولار، وكان عرضها الأخير يوم الخامس من أكتوبر/تشرين الأول العام الماضي.

في العرض الأخير الذي جاء عنوانه The Closer أثار شابيل جدلا واسعا بعدما سخر وألقى نكات حول المثليين والمتحولين جنسيا، وخاصة النساء المتحولات جنسيا. وانقسمت الآراء حول ما قاله شابيل، واعتبره الكثيرون سخرية مقبولة عادية متوقعة، في حين قامت عاصفة في المقابل باعتباره معاديا للمتحولين والمتحولات جنسيا. وشنت عدة حملات على شابيل دعمها التيار الليبرالي الواسع المؤيد بشدة لمجتمع الميم LGBTQ.

اعتبر المحتجون والمحتجات أن سخرية شابيل من المتحولين والمتحولات جنسيا "يؤدى إلى عدم المساواة بين المتحولين جنسيا وغيرهم، ويشجع العنف ضدهم". قضى شابيل أوقاتا صعبة، وقال إن الكثير من الدعوات من مسارح رائدة وجامعات مرموقة وأندية شهيرة ومهرجانات عالمية قد أُلغيت بسبب هذا الجدل الأخير.

تعرض شابيل لهجوم من رجل مسلح بسكين أثناء تقديمه عرضا في مدينة لوس أنجلوس، ولم يصب وسيطر الأمن على الوضع. في يوليو/تموز الماضي، تم إلغاء عرض لشابيل في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا بعد احتجاجات من أنصار حقوق المتحولين والمتحولات جنسيا خارج المسرح.

كما نظم الكثير من موظفي شركة نتفليكس احتجاجات على بث عروض شابيل على منصتهم، رغم أنه يحقق أحد أعلى نسب المشاهدة. وطالب الكثير منهم إدارة الشركة بحظر ظهور شابيل على شاشتها.

من جانبه، تمسك شابيل بعدم الاعتذار، رغم أنه اعترف بأن رد الفعل السلبي الذي نجم عن تعليقاته قد ضايقه بالفعل. ورفض شابيل التراجع عن سخريته واعتبرها ضمن نطاق الحريات المعقول، ودافع عن نفسه وعن حقه في السخرية، وأكد أنه لا يعادي أحدا، بل إن لديه العديد من الأصدقاء المثليين جنسيا والمتحولين، وإن ذلك لم يؤثر على الإطلاق على علاقاتهم الطيبة والعادية والممتدة لسنوات.

احترف شابيل هذا المجال منذ أكثر من ربع قرن، وتُرجم نجاحه وشهرته في حصوله على 6 جوائز إيمي و3 جوائز غرامي، بالإضافة إلى جائزة مارك توين للفكاهة الأميركية

ورأى شابيل أن هذه الأزمة برمتها محاولة من الشركات الأميركية لمحاولة فرض رقابة عليه، وقال "أريد أن يعرف الجميع أنه رغم أن وسائل الإعلام تُظهر الأمر بأنه أنا مقابل هذا المجتمع، فإن هذا ليس حقيقيا. لا علاقة لى بهذا المجتمع، ولا تلوموا أعضاء المجتمع على أي من هذه الأمور. الأمر يتعلق بمصالح الشركات، ورغبتهم في التدخل فيما يمكنني قوله، وما لا يمكنني قوله".

وديف شابيل رجل أميركي أسود عمره 47 عاما، يعمل كوميديان (ستاند أب كوميدي) وهو نوع من الكوميديا يقوم فيها الفنان الكوميدي بالحديث وإلقاء النكت والسخرية والتعليق على الشؤون العامة والخاصة أمام جمهور يتفاعل معه، وتستضيف المسارح والنوادي الكوميدية والنوادي الليلية والجامعات والمقاهي الكبيرة هذا النوع من الفن، كما يتم بثه في بعض الحالات كعروض تلفزيونية.

احترف شابيل هذا المجال منذ أكثر من ربع قرن، وتُرجم نجاحه وشهرته في حصوله على 6 جوائز إيمي و3 جوائز غرامي، بالإضافة إلى جائزة مارك توين للفكاهة الأميركية.

ولد شابيل وعاش طفولته في واشنطن حيث دخل مدارسها الحكومية العامة، ثم التحق في المرحلة الثانوية بمدرسة "ديوك إلينغتون للفنون"، وهي مدرسة حكومية فنية متخصصة ومرموقة، وتخرج فيها عام 1991.

وخلال سنوات عمله ونجاحه، كان شابيل أحد أكثر المتبرعين والداعمين للمدرسة التي يرى أن لها فضلا كبيرا عليه وعلى نجاحه. تبرع شابيل بملايين الدولارات للمدرسة خلال السنوات الماضية، ويزورها دوريا لإلقاء محاضرات للطلاب وحضهم على الإبداع والاجتهاد، رغم انتقاله منذ سنوات مع عائلته للعيش في مزرعة هادئة بشمال شرق ولاية أوهايو.

غير أن أكثر ما سبب الضيق لشابيل هو قرار مدرسته الثانوية بتجميد قرارها بتسمية أحد مسارح المدرسة على اسمه، بسبب ردود فعل الطلاب العنيفة على ما قاله شابيل.

وكانت المدرسة قد خططت قبل هذه الأزمة لتسمية مسرحها الكبير باسم الكوميديان شابيل، تقديرا منها لخريج من المدرسة بحجم نجاحاته وشهرته، ولدوره الداعم للمدرسة ماديا ومعنويا وفنيا. تم تأجيل ذلك، حيث قالت المدرسة إن الأمر سيستغرق بعض الوقت لمعالجة الأسئلة والمخاوف من مسؤولي وطلاب المدرسة، على أمل تغير الوضع في المستقبل القريب. وفي أبريل/نيسان الماضي، قررت المدرسة فك الحظر على شابيل وتفعيل قرارها بإطلاق اسمه على مسرحها.

عرضت منصة نتفليكس حلقة خاصة لشابيل -رغم احتجاجات الموظفين السابقة- استمرت 40 دقيقة تم تسجيلها في مدرسة ديوك إلينغتون للفنون. وفي العرض الخاص، تفاعل شابيل مع رد الفعل العنيف الذي تعرض له وخاطب الطلاب في المدرسة الذين لم يتفقوا مع النكات والسخرية التي أطلقها مسبقا.

فاجأ شابيل الحاضرين يوم تكريمه وإطلاق اسمه على المسرح، بقراره رفض إطلاق اسمه على المسرح، وقرر أن يُطلق بدلا منه "مسرح الحرية الفنية والتعبير". وبرر شابيل ذلك بأنه "لا يريد أن يصرف اسمه الانتباه عن الطلاب في المدرسة".

تظهر هذه القضية معضلة حدود حرية التعبير وما أصبح مقبولا وما هو غير مقبول في المجتمع الأميركي، في وقت تشهد فيه المجتمعات الغربية جدلا حقيقيا حول حدود المسموح به في عالم يتغير فيه سريعا المقبول به، وغير المقبول.

وبقي أن أذكر أن جد شابيل الأكبر "وليام شابيل"، ولد عبدا في ولاية كارولينا الجنوبية عام 1887 قبل أن يُحرر ويصبح أسقفا مسيحيا، وشغل رئيس جامعة آلين، وقاد وفدا من الأميركيين الأفارقة للقاء الرئيس السابق وودرو ويلسون للمطالبة بالمساواة بين الأميركيين السود وبقية الأميركيين.

عندما بلغ شابيل 17 عاما، اعتنق الدين الإسلامي، وهو متزوج، وله 3 أولاد، هم سناء وإبراهيم وسليمان. يرفض شابيل التطرق لحياته الخاصة أو العائلية، ويقول عن ديانته إنها "دين جميل، والأفكار الواردة في هذا الدين تنعكس في جميع الديانات الإبراهيمية الرئيسية"، إلا أنه يرفض أن يربط سلوكه أو مواقفه بعقيدته لأنه يعترف أنه بشر يصيب ويخطئ.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.