صراع الروايات الدرامية في تجارب السينما والحرب

عملية الديار للمثل جاكي شان وإخراج المخرج الصيني الشاب سون ين شي 2022
فيلم "عملية الديار" للممثل جاكي شان وإخراج الصيني الشاب سون ين شي عام 2022 (مواقع التواصل)

عجت منطقة الحجر الأسود المدمرة في دمشق بالصينيين وسط أرتال من الجنود والدبابات في مشهد غير مألوف. فقد شرع أفراد بالزي اليمني التقليدي بالتحرك وسط جنود آخرين يرتدون الزي العسكري اليمني مع أفراد سوريين فيما يبدو، وكأنه صراع آخر غير المألوف في سوريا. لم يبدد غموض المشهد سوى يافطة باللون الأحمر القاني مكتوب عليها بالعربية "أول فيلم صيني يبدأ تصويره في سوريا، بالتوفيق" بالإضافة لعبارات أخرى باللغتين الصينية والإنجليزية فيما بدا وكأنها رسالة موجهة للمشاهدين المتحدثين بهذه اللغات الثلاث. كانت هذه هي المشاهد القليلة المسربة من تصوير فيلم "عملية الديار" من إنتاج الممثل الصيني الشهير الحائز على جائزة الأوسكار جاكي شان، وإخراج الصيني الشاب سون ين شي قبل أشهر قليلة من العام الحالي 2022.

يجسد الفيلم قصة حقيقة تدور فصولها في اليمن عام 2015 حين تمكنت الصين من إجلاء نحو 600 شخص من دبلوماسييها ورعاياها، من اليمن بسبب الحرب، بالإضافة إلى 200 من جنسيات مختلفة، خلال 13 يوما. وهو فيلم مدعوم بشكل رسمي من الخارجية الصينية ويعد من الإنتاجات السينمائية القليلة حول الحرب الدائرة في اليمن حاليا. وهو يقدم وجهة النظر الصينية الرسمية التي تصف العملية بأنها تدل على أن الصين "عالمية وإنسانية ومسؤولة كقوى عظمى".

ويعطي الفيلم الضوء الأخضر لتجارب قادمة سواء من الصين أو غيرها من الدول كي تحول مآسي الحروب العربية الحالية إلى سرديات سينمائية تقدم بها نفسها عبر الشاشة الفضية.

العلاقة بين السينما والحرب لا تنحصر في محاولة تقديم الرواية السياسية عبر السينما، سواء عن طريق دول أو أفراد، بل تتسع لتشمل ذروة الأمل والألم والتحولات المصيرية الكبرى مما يفجر فيضان المشاعر لدى المبدعين السينمائيين لتحويل كل هذا إلى سرد بصري. ولهذا فليس غريبا أن تواكب كثير من الحروب صعود وظهور موجات سينمائية مثل حركة الواقعية الجديدة أو الواقعية الإيطالية الجديدة في السينما التي أعقبت أزمات اقتصادية عصفت بمجتمعات أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

وقد أثرت الحرب أيضا على النقد السينمائي وعلاقته بالتلفزيون في العالم العربي، فقد رافق حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 برنامج "السينما والحرب" الشهير الذي كان يقدمه المذيع الراحل أحمد سمير. وكان يعرض أفلاما عن الحروب ومثل نوعا من التعبئة الثقافية للصراع مع إسرائيل آنذاك. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها توقف البرنامج، لكنه أعطى شرارة الاستمرار لعملية نقد متلفز للسينما، وظهر برنامج نادي السينما عام 1975 الذي استمرت الدكتورة درية شرف الدين في تقديمه لسنوات طويلة ليس فقط كمذيعة ولكن كناقدة سينمائية وأستاذة في أكاديمية الفنون. وكان يقوم بإعداده الناقد السينمائي الراحل يوسف شريف رزق الله أحد أعضاء جماعة السينما الجديدة التي ظهرت في أعقاب حرب 1967.

نادرا ما تجد أفلاما سينمائية تتحدث عن قصص الأفغان أنفسهم رغم أن البلاد مليئة بكثير من القصص والحكايات وبها تاريخ وتنوع عرقي وتراث وثقافة مما يعد منبعا لعدد لا نهائي من القصص المثيرة

قصص الحرب المنسية في السينما

لا يكفي أن تكون الحرب طويلة أو مأساوية كي تروي السينما قصتها. فكم من حروب طواها النسيان. وكم من حروب امتدت لعقود طويلة ودامية، ولم يصل للسينما من قصصها الإنسانية سوى قصة الجندي الغازي المحارب وليس قصة الإنسان صاحب الأرض المقهور. من هذه الحروب حرب أفغانستان التي امتدت من عام 2001 وحتى 2021 في 10 سنوات عجاف أنهكت المواطن الأفغاني. هذا الإنسان الذي تاهت قصته ما بين أفلام داعمة لهذه الحرب وأخرى منددة بها.

فهناك أفلام عارضت دخول الولايات المتحدة في حرب على أفغانستان مثل الفيلم الأميركي "أسود وحملان" عام 2007 من إخراج روبرت ريدفورد والذي ينتقد السياسة الأميركية. أو فيلم المخرج الشهير مايكل مور "فهرنهايت 9\11" الذي قدم نقدا لاذعا للرئيس الأميركي جورج دبليو بوش والحرب على أفغانستان بشكل عام، مقابل أفلام أخرى تستعرض القدرات الاستخباراتية في أفغانستان مثل فيلم "ثلاثون دقيقة بعد منتصف الليل" عام 2012 من إخراج كاثرين بيغالو والذي يدور حول طريقة اغتيال زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.

القاسم المشترك بين كل هذه الأفلام على اختلاف مشاربها هو تمحورها حول الجندي الأميركي والسياسة الأميركية. ونادرا ما تجد أفلاما سينمائية تتحدث عن قصص الأفغان أنفسهم رغم أن البلاد مليئة بكثير من القصص والحكايات وبها تاريخ وتنوع عرقي وتراث وثقافة مما يعد منبعا لعدد لا نهائي من القصص المثيرة. والاستثناء الذي يثبت القاعدة هنا هي أفلام مثل "عدَّاء الطائرة الورقية" عام 2007 من إخراج مارك فورتسر عن رواية الكاتب الأميركي الأفغاني خالد حسيني عن قصة صبيين أفغانيين.

وعلى العكس من تجربة أفغانستان، تبرز تجربة الحرب الأهلية اللبنانية التي تمحورت حولها هوية السينما اللبنانية الحديثة بسبب كثافة الإنتاج السينمائي وتنوعه الذي بدأ قبيل اندلاع الحرب وواكب فصولها الدامية وامتد بعدها بسنوات. وهي حالة سينمائية فريدة عربيا وربما عالميا، يصفها الكاتب محمد سويد في كتابه "السينما المؤجلة، أفلام الحرب الأهلية اللبنانية" بكونها متاهات دخلها السينمائي اللبناني في أتون الحرب.

واعتبر سويد أن سينما الحرب لا يمكن أن توجد في ظل الحرب وإنما هي عملية طويلة ومعقدة تحتاج لرؤية جيل الشباب الذي وجد نفسه بين خيارين، إما السير في ركب لعبة الحرب العنيفة أو التحول لثقافة أخرى مضادة لفكرة الحرب أصلا. واستغل الكاتب مصير وهوية السينما اللبنانية دائمة العزف على وتر الحرب لكشف أزمة الهوية والسردية التاريخية في لبنان، وأن السينما اللبنانية ما هي إلا تعبير عن هذه الأزمة. وأن فكرة الحرب في لبنان ليست منحصرة في صراع الهويات اللبنانية ضمن الحرب الأهلية وإنما تعبير عن سلسلة من الحروب مرت عبر لبنان من القرن الـ 19 وما بعده، فما أن يفيق اللبناني من حرب حتى يدخل في أخرى.