حرب أميركا في أوكرانيا (18) | هل بدأ انهيار الهيمنة الغربية؟

Ceremony to declare Russia's annexation of four Ukrainian territories held in Moscow
عقدت في موسكو مراسم إعلان ضم روسيا 4 أقاليم أوكرانية (رويترز)

الخطاب الذي ألقاه الرئيس بوتين يوم الجمعة الماضي، بمناسبة الإعلان الرسمي لضم روسيا مقاطعات دونيتسك ولوغانسك وزاباروجيا وخيرسون الأوكرانية لم يكن خطابا عاديا، حيث تجاوز الحرب في أوكرانيا وإجراءات الضم، ليذكّر جميع الأطراف من جديد، بحقيقة الأزمة القائمة بين الولايات المتحدة والدول الغربية في حلف شمال الأطلسي "ناتو" (NATO) من جهة، وبين روسيا والصين من جهة أخرى، وهي وجودية جذرية متشعبة، بحجم التنافس المتنامي طيلة العقدين الماضيين على زعامة العالم، والاعتراض على استمرار هيمنة الولايات المتحدة وتفردها بهذه الزعامة. وقد كشفت مواقف الإدارة الأميركية من أزمتي أوكرانيا وتايوان، وطريقة تعاملها معهما بعد سنوات من المراقبة والمراجعة عن رغبتها في وضع حد لهذه المنافسة، ولكن هيهات! فقد كان خطاب بوتين مفزعا لهم بصورة مرعبة، دون أي مواربة، وللمرة الأولى على هذا النحو من التحدي والوضوح في تسمية الأشياء بمسمياتها.

يرى بوتين أن روسيا تكافح اليوم من أجل طريق حر وعادل، تصبح فيه الإملاءات والاستبدادات الغربية من الماضي، وأنه سيتم طي هذه الصفحة المخزية، وأن انهيار الهيمنة الغربية بدأ بالفعل، ولا عودة عنه، وأن الأمور لن تعود إلى ما كانت عليه.

تناول الرئيس بوتين -في خطابه- محورين رئيسيين: الأول بشأن قرار ضم المقاطعات الأوكرانية الأربع، والثاني عن الغرب بقيادة الولايات المتحدة، الذي استحوذ على حوالي 3 آلاف كلمة، أي أكثر من 3 أرباع كلمته التي استغرقت ما يقرب من 3800 كلمة. ويوضح هذا التخصيص وما تناوله من قضايا وموضوعات خطورة المرحلة التي وصلت إليها المواجهة بين روسيا والغرب.

مواطنون روس إلى الأبد

في المحور الأول أوضح  بوتين أن ضم المقاطعات الأربع إلى الاتحاد الروسي جاء بناء على إرادة ملايين السكان، باعتباره حقهم غير القابل للانتزاع، والمنصوص عليه في المادة الأولى من ميثاق هيئة الأمم المتحدة، وهو حق قائم على الوحدة التاريخية، التي باسمها انتصرت الأجداد القادمون من أصول روسيا القديمة لقرون، الذين أنشؤوا روسيا ودافعوا عنها.

وأكد أن سكان هذه الأقاليم، بحكم ثقافتهم وإيمانهم وتقاليدهم ولغتهم، يعتبرون أنفسهم جزءا من روسيا، التي عاش أسلافها في دولة واحدة لعدة قرون، وقد صمموا على العودة إلى وطنهم الحقيقي والتاريخي، مشددا على أن روسيا ستحمي أراضيها بكل القوة والوسائل المتاحة لديها، مطمئنا سكان هذه الأقاليم أنه سيبذل قصارى جهده لضمان الحياة الآمنة لهم، وسيعمل على التأكد من أنهم يشعرون بدعم الشعب الروسي بأكمله.

وفي عبارة قاطعة، وجه بوتين حديثه للسلطات الأوكرانية والدول الغربية، مشددا على "أن الناس الذين يعيشون في لوغانسك ودونيتسك وخيرسون وزاباروجيا أصبحوا مواطنين روسيين إلى الأبد". ودعا السلطات الأوكرانية إلى الوقف الفوري لإطلاق النار، والعودة إلى طاولة المفاوضات، التي لن تناقش قرار سكان المقاطعات الأربع بالانضمام إلى روسيا، معتبرا أن هذا أمر قد انقضى، وأن على سلطات كييف اليوم التعامل مع هذه الإرادة الحرة للشعب باحترام، فهذا هو السبيل الوحيد للسلام.

رسالة خطيرة غامضة ومرعبة

بصورة غامضة ومربكة لدول العالم، تطرّق بوتين في حديثه عن حقبة انهيار الاتحاد السوفياتي، وكيف أن ممثلي النخب الحزبية حينها قرروا عام 1991، تفكيك الاتحاد السوفياتي، دون الرجوع لإرادة المواطنين العاديين، الذين وجدوا أنفسهم فجأة معزولين عن أوطانهم، حيث مزّق هذا القرار أوصال المجتمع، وتحوّل إلى كارثة وطنية. واعتبر بوتين أن آخر قادة الاتحاد السوفياتي دمروا هذا البلد العظيم، دون أن يفهموا تماما ما الذي كانوا يفعلونه، وما العواقب التي ستترتب عليه في النهاية.

ومع أن الرئيس بوتين أوضح أن هذا الأمر لم يعد مهما، حيث الاتحاد السوفياتي غير موجود الآن، ولا يمكن إرجاع الماضي، وأن روسيا اليوم لم تعد بحاجة إلى هذا الماضي، ولا تسعى إليه، إلا أن هذا التطرّق من الرئيس بوتين أثار كثيرا من القلق والارتياب، مما قد يحمله من رسائل وإشارات خطيرة ومرعبة للدول الغربية وغير الغربية، فهو حديث لا يؤخذ إلا على محمل الجد.

روسيا والغرب

استفاض بوتين في حديثه عن الغرب بقيادة الولايات المتحدة، لصورة لم يسبق لها مثيل، مفندا العقلية الغربية الاستعمارية عبر التاريخ، والويلات التي جرّتها على العالم، وامتدادات هذه الويلات حتى اليوم، وموضحا دوافع الغرب لمواجهة روسيا والدول المستقلة الرافضة للهيمنة الغربية، في إشارة إلى الصين من دون أن يذكرها بالاسم. وفي ما يلي عرض لأبرز النقاط المتعلقة بموقف "روسيا بوتين" من الغرب والولايات المتحدة كما جاء في خطابه:

  • الغرب هو العدو الذي يواجه روسيا، ويلقي بالعالم في حروب وأزمات جديدة، ويحقق من تلك المآسي مكاسبه الدموية.
  • الغرب، عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، قرر قادته أن على العالم أن يتحمل إملاءاته إلى الأبد. وأنهم توقعوا ألا تتعافى روسيا، وأن تنهار من تلقاء نفسها، إلا أنها قاومت، وعادت إلى الحياة، وعززت مكانتها مرة أخرى في العالم.
  • الغرب استمر يبحث طوال الوقت عن فرصة جديدة لضرب روسيا وإضعافها وتدميرها، ولكنها دائما كانت تقضّ مضاجعهم بحقيقة أن هذا البلد العظيم لن يعيش أبدا وفقا لإرادة الآخرين.
  • الغرب مستعد لتخطي كل شيء من أجل الحفاظ على النظام الاستعماري الجديد الذي يسمح له بنهب العالم وجمع الجزية الحقيقة من الإنسانية.
  • السبب الحقيقي وراء الحرب التي يشنها "الغرب الجماعي" ضد روسيا، هو الجشع والحفاظ على قوتهم غير المحدودة، فهم لا يريدون لها الحرية، لكنهم يريدونها كمستعمرة، وكحشد من العبيد بلا روح. إن تهديد روسيا المباشر للغرب هو في فكرها وفلسفتها، في تنميتنا وازدهارها ومنافستها الآخذة في الازدياد. ولكن روسيا ستظل دائما هي روسيا، وستواصل الدفاع عن قيمها.
  • الغرب يعتمد على الإفلات من العقاب، والإفلات من كل شيء، فالاتفاقات في مجال الأمن الإستراتيجي تذهب إلى سلة المهملات، والوعود الصارمة بعدم توسيع "الناتو" شرقا، أصبحت خدعة قذرة، بمجرد أن صدقها زعماؤنا السابقون.
  • الغرب يردد أنه يؤيد "النظام العالمي القائم على القواعد"، فأين تلك القواعد؟ ومن رأى تلك القواعد؟ ومن وافق عليها؟
  • هذه القواعد ليست سوى مجرد نوع من الهراء، والخداع المطلق، والمعايير المزدوجة أو الثلاثية بالفعل! وهي مصممة فقط للحمقى، وأن روسيا لن تعيش بمثل هذه القواعد الخاطئة المزورة.

يعتقد بوتين أن الدول الغربية دأبت منذ قرون على تكرار أنها تجلب الحرية والديمقراطية للشعوب الأخرى، ولكنها -على العكس من ذلك- جلبت القمع والاستغلال، والاستعباد والعنف، فالنظام العالمي أحادي القطب بأكمله هو بطبيعته مناهض للديمقراطية وليس حرا، إنه مخادع وكاذب حتى النخاع.

  • الغرب هو الذي داس على مبدأ حرمة الحدود، والآن يقرر، وفقا لتقديره الخاص، من له الحق في تقرير المصير، ومن لا يستحقه. فمن أعطاهم هذا الحق؟ هم أنفسهم.
  • الغرب بدأ سياسته الاستعمارية في العصور الوسطى، ثم اتبعها بتجارة الرقيق العالمية، والإبادة الجماعية للقبائل الهندية في أميركا، ونهب الهند، وأفريقيا، وكذلك حروب إنجلترا وفرنسا ضد الصين. أما روسيا، فتفتخر أنها قادت الحركة المناهضة للاستعمار في القرن العشرين.
  • أحد أسباب الخوف من روسيا أنها لم تسمح لنفسها بالسرقة خلال الحقبة الاستعمارية، بل أجبرت الأوروبيين على التجارة من أجل المنفعة المتبادلة. تم تحقيق ذلك من خلال إنشاء دولة مركزية قوية في روسيا، طورت وعززت نفسها على أساس القيم الأخلاقية العظيمة للأرثوذكسية والإسلام واليهودية والبوذية، وعلى أساس الثقافة الروسية والكلمة الروسية المفتوحة للجميع.
  • الدول الغربية دأبت منذ قرون على تكرار أنها تجلب الحرية والديمقراطية للشعوب الأخرى، ولكنها -على العكس من ذلك- جلبت القمع والاستغلال، الاستعباد والعنف، فالنظام العالمي أحادي القطب بأكمله هو بطبيعته مناهض للديمقراطية وليس حرا، إنه مخادع وكاذب حتى النخاع.
  • الولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الوحيدة في العالم التي استخدمت الأسلحة النووية مرتين، ودمرت هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين.
  • الولايات المتحدة الأميركية، جنبا إلى جنب بريطانيا، حولتا دريسدن وهامبورغ وكولن وعددا من المدن الألمانية الأخرى إلى أطلال دون أي ضرورة عسكرية خلال الحرب العالمية الثانية، وذلك من أجل تخويف كل من روسيا والعالم بأسره، وأنهما قامتا بأعمال بربرية همجية في كوريا وفيتنام.
  • سياسات الغرب المدمرة، وحروبه ونهبه، تسببت في زيادة هائلة في تدفقات الهجرة ومعاناة ملايين الأشخاص من الحرمان وسوء المعاملة.
  • النخبة الأميركية، في واقع الأمر، تستخدم مأساة هؤلاء الناس لإضعاف منافسيهم، لتدمير الدول القومية. ينطبق هذا أيضا على أوروبا، وينطبق أيضا على هوية فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها من الدول ذات التاريخ الطويل.
  • إملاءات الولايات المتحدة الأميركية تقوم على القوة الغاشمة، وعلى قانون القبضة. وتنشر مئات القواعد العسكرية في جميع أنحاء العالم، وتوسع حلف "الناتو"، وتبني تحالفات أخرى، وتدرج الدول ذات السيادة الحقيقية والقادرة على تحدي الهيمنة الغربية ضمن فئة الأعداء.
  • الغرب يعتقد أنه عند بدء حرب خاطفة ضد روسيا، سيكون قادرا مرة أخرى على بناء العالم بأسره تحت قيادته. وإن النموذج الاستعماري الجديد الراهن محكوم عليه بالفشل في نهاية المطاف.
  • الغرب انتقل الآن تماما إلى الإنكار الجذري للمعايير الأخلاقية والدين والأسرة. لقد فقدوا رشدهم تماما، ويفرضون انحرافاتهم التي تؤدي إلى التدهور والانقراض على الأطفال في المدارس من المرحلة الابتدائية، ويعلمونهم أن هناك أجناسا أخرى غير النساء والرجال، وأن بإمكانهم تغيير الجنس، وهذا كله غير مقبول في روسيا، التي ترى أن لديها مستقبلا مختلفا.
  • دكتاتورية النخب الغربية موجهة ضد كل المجتمعات، بما في ذلك شعوب الدول الغربية نفسها. إنه تحدٍ يواجه الجميع. فمثل هذا الإنكار الكامل للإنسان، والإطاحة بالإيمان والقيم التقليدية، وقمع الحرية، يكتسب سمات "الدين المعكوس"، في شيطانية صريحة.

انهيار الهيمنة الغربية

يعتقد الرئيس بوتين -في خطابه- أن العالم دخل فترة من التحولات الثورية، التي تحمل طبيعة جذرية، وأنه يجري تشكيل مراكز تطوير جديدة تمثل الأغلبية، وأن أغلبية المجتمع الدولي أصبحت مستعدة ليس فقط للإعلان عن مصالحها، وإنما لحمايتها أيضا، والنظر إلى التعددية القطبية كفرصة لتعزيز سيادتها.

كما يعتقد أن هناك كثيرين يشبهون روسيا في التفكير، في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وأن حركة التحرير المناهضة للاستعمار والهيمنة أحادية القطب، تتطور بالفعل داخل أكثر البلدان والمجتمعات تنوعا، وسوف تنضج علاماته، وتلك ستكون القوة التي ستحدد الواقع الجيوسياسي في المستقبل، وأن روسيا تكافح اليوم من أجل طريق حر وعادل، تصبح فيه الإملاءات والاستبدادات من الماضي، معتبرا أنه سيتم طي هذه الصفحة المخزية، وأن انهيار الهيمنة الغربية بدأ بالفعل، ولا عودة عنه، وأن الأمور لن تعود إلى ما كانت عليه.

لن تتوقف القراءات الغربية -خاصة في الولايات المتحدة- لخطاب بوتين هذا، واستشراف آفاقه المستقبلية على مستوى التحركات السياسية والاقتصادية والعسكرية القادمة، وما قد يصاحبها أو يتبعها من تغيرات في الجغرافيا السياسية، وهياكل النظام العالمي القادم في المجالات المختلفة.

فهل ستؤثر هذه القراءات في تغيير مسار المواجهة، أم ستدفع إلى سياسة أكثر تصلبا وعنادا؟

(يتبع…)