عن حكم العسكر و"وأد" السياسة في بلادنا

إذا حكم العسكر غابت السياسة. حقيقة تؤكدها التجربة التاريخية ليس فقط في منطقتنا بل حول العالم. فعلى مدار العقود الماضية، خضعت بلدان عديدة إلى الحكم العسكري وذلك عبر هيمنة حفنة صغيرة من الضباط الذين اقتنصوا السلطة وتحكّموا في مفاصل الدولة والمجتمع دون أدنى خبرة أو دراية حول كيفية إدارة الشأن العام. وكانت الحال أكثر وضوحا في بلادنا التي أصابتها نكبة الحكم العسكري كما حدث في سوريا ومصر والجزائر وليبيا والعراق والسودان واليمن وغيرها.

في تلك البلدان جميعا اختفت السياسة، وتراجع معها دور الطبقة السياسية المدنية إلى درجة باتت فيها مقاومة هذه المجتمعات للحكم العسكري ضعيفة، فكان النتيجة أنه عندما انتفضت هذه المجتمعات ضد حكامها المستبدين، لم تكن هناك نخبة سياسية حقيقية تتولى المسؤولية، فتحولت انتفاضتها إما إلى صراع أهلي كما هي الحال في سوريا وليبيا واليمن، أو إنهاك للدولة والمجتمع كما في مصر والجزائر والسودان.

وإذا كانت السياسة قد غابت تحت وطأة حكم العسكر في تلك البلدان، إلا أن الصراع حولها لم يختف، وإنما أخذ أشكالا ومسارات أخرى أهمها أنه تحول من صراع نخبوي إلى صراع مجتمعي وطبقي ينتظر أي فرصة للانفجار. ففي سوريا بعد انقلاب حافظ الأسد على رفيقيه صلاح جديد ونور الدين الأتاسي، قمع المعارضة السياسية، وحصل على نوع من التأييد الجماهيري أوائل السبعينيات، وقام بثورته التصحيحية كما سماها آنذاك. بعد ذلك قام بتأميم المجال العام وتصفية معارضيه خاصة داخل صفوف الجيش وحزب البعث.

انفجرت الأوضاع في الجزائر بداية خريف عام 1988 فيما عرف وقتها بـ"انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول)" التي دفعت بقدر من الانفتاح السياسي أواخر الثمانينيات ساهم في وصول الإسلاميين إلى البرلمان، قبل أن يتم الانقلاب عليهم ووقف تقدمهم عام 1991

وتحولت سوريا منذئذ إلى مقبرة السياسيين، حيث دفعت بالكثير منهم إما إلى الهروب خارج البلاد أو الصمت على ما يحدث خوفا من القمع والبطش. ورغم ذلك استمر الصراع في سوريا وتحول إلى أشكال أخرى مع سياسة "التطييف" والمحاصصة التي اتبعها الأسد خاصة في الجيش والمناصب العليا بالدولة، واعتماده على أهل الثقة وذلك حتى وصل إلى مرحلة لم يعد في الساحة السياسية سوى مجموعة من النخب الموالية بشكل تام للنظام.

وعندما قفز بشار الأسد إلى السلطة بعد وفاة والده عام 2000 استبشر البعض به خيرا، وظنوا بأنه سوف يقود عملية تغيير وإصلاح سياسي حقيقي يفتح من خلالها المجال العام وينهي عقود القمع والاستبداد. وقد شجّع على ذلك ما أبداه النظام، وقتها. من انفتاح سياسي محدود سمّي لاحقا بتجربة "ربيع دمشق" أوائل العقد الفائت من الألفية الجديدة، إلا أن ذلك لم يكن سوى عملية تجميلية ترقيعية لثوب العقلية السلطوية التي وضع أسسها حافظ الأسد. لذا عندما قامت الثورة السورية عام 2011 افتقدت الثورة لنخبة سياسية راسخة خاصة داخل البلاد يمكنها قيادة الحراك الشعبي والتفاوض مع النظام. وظل الاعتماد على معارضة الخارج ملمحا بارزا للثورة السورية حتى اليوم.

نجح حافظ الأسد وابنه بشار في قتل السياسة فكانت النتيجة ما نراه الآن من دمار واحتراب أهلي ومأساة إنسانية لم تعرفها البشرية منذ الحرب العالمية الثانية.

وفي الجزائر، بعد انقلاب هواري بومدين على رفيقه أحمد بن بله في يونيو/حزيران 1965 قام بحل كل المؤسسات الدستورية في البلاد تحت ادعاء "التصحيح الثوري" (هل يذكركم الاسم بشيء؟!). ومارس كل أنواع الدكتاتورية والحكم الفردي رغم الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والزراعية التي قام بها طيلة حكمه الذي امتد حتى أواخر عام 1978. ونجح بومدين في وأد السياسة وتهميش القوى والرموز السياسية الأخرى خاصة في جبهة التحرير، ولكن الصراع بين النظام، وبالأحرى الدولة، والمجتمع لم يتوقف.

انفجرت الأوضاع بداية خريف عام 1988 فيما عرف وقتها بـ"انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول)" التي دفعت بقدر من الانفتاح السياسي أواخر الثمانينيات ساهم في وصول الإسلاميين إلى البرلمان، قبل أن يتم الانقلاب عليهم ووقف تقدمهم عام 1991، وهو ما أدى إلى دخول الجزائر في صراع أهلي مرير راح ضحيته عشرات الآلاف من المواطنين فيما بات يُعرف بالعشرية السوداء. ولم تخرج الجزائر من تلك الحقبة السوداء إلا بنوع من العفو والمصالحة الوطنية التي بادر بها الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة في بداية فترة عهدته الثانية في الجزائر عام 2004.

أما في مصر فالوضع يبدو أكثر وضوحا. فقد كان انقلاب 1952 وما تلاه من صراع سياسي على السلطة بين العسكر بداية لإنهاء السياسة وتجفيف منابعها في مصر. حيث تمّكن جمال عبد الناصر بعد عدة سنوات من المناوشات مع نخبة العهد الملكي، من التخلص من القوى السياسية (الوفد، الشيوعيين، الإخوان المسلمين…إلخ)، وكذلك من بعض الرموز السياسية مثل السنهوري وفؤاد سراج الدين وغيرهم. وجرى تأميم المجال السياسي كليا تحت ادعاءات التركيز في "معركة التنمية" و"تطهير البلاد من بقايا العهد الملكي". وقام عبد الناصر بتحويل السياسة إلى مجرد بنية ومؤسسات شكلية تدعم قراراته وسياساته سواء من خلال "هيئة التحرير" أو "الاتحاد الاشتراكي" أو "هيئة الإرشاد القومي".

لذا عندما جاء السادات للسلطة وقرر فتح باب المشاركة السياسية المقيّدة لم يكن هناك طبقة سياسية يمكنها منازعته السلطة، فكان أن بادر بفكرة المنابر السياسية (يمين ووسط ويسار) التي صُنعت على يديه.

رغم ذلك استمر الصراع في باطن المجتمع مع الدولة ونظامها السياسي وهو ما كلّف السادات حياته في أكتوبر/تشرين الأول 1981. ولم يختلف عهد مبارك كثيرا عمن سبقوه، فبعد فترة قصيرة من الانفتاح الجزئي أوائل الثمانينات، عاد مبارك لممارسة كل أنواع التسلطية من خلال تهميش المعارضة السياسية والاستخفاف بنخبتها وطبقتها سرا وعلانية، ما أدى إلى الانفجار الكبير في 25 يناير/كانون الثاني 2011.

ولذلك يعتقد المستبدون خطأ بأن القمع هو الحل، وأنه سوف يحقق لهم الهدوء وراحة البال. وقد يكون هذا صحيحا بشكل مؤقت، ولكنه وصفة للدمار والخراب على المدى البعيد خاصة حين تثور المجتمعات من أجل المطالبة بحقوقها، وهو ما نراه أمامنا في حالات عديدة.