ذكاءات الخليل بن أحمد الفراهيدي

جسّد الخليل بن أحمد الفراهيدي شخصية فائقة الذكاء، متنوعة الاهتمامات في حقول متعددة من العلوم (مواقع التواصل)

جسد الخليل بن أحمد الفراهيدي شخصية فائقة الذكاء، متنوعة الاهتمامات في حقول متعددة من العلوم؛ بعضها أصيل في العربية صوتا وصرفا ونحوا ودلالة ومعجمة وموسيقى، وبعضها في العلوم البحتة كالرياضيات، والتطبيقية كالكيمياء، وبعضها في الفقه أيضا.

ويندرج كلامنا على ذكاءات الخليل بين رؤية الناس التقليدية للذكاء، تلك التي ترى الذكاء صفة واحدة يتصف بها الذكي الألمعي، ورؤية علم النفس الحديث الذي يرى الذكاء ذكاءات متنوعة؛ فقد يتصف المرء بالذكاء في أحد الجوانب، وبمقابله في جانب آخر. وهي رؤية علمية في صلب علم الأعصاب في أصلها، وتربوية اجتماعية في غاياتها؛ إذ وفرت فهما مختلفا لصفة الذكاء، وأسس عليها التعليم الفردي بالتركيز على ما يمتلكه كل متعلم من مهارات دالة على ذكائه في علم من العلوم، أو فن من الفنون، أو رياضة من الرياضات.

هل الخليل أسطورة؟ وهل هو بتلك العبقرية لا يمكن أن يكون حقيقيا؟ هل كل هذه القصص التي نسجت حول الخليل مجرّد حكايات من الخيال نريد بها أن نتكثر في تراثنا من أمثاله، أو أن نصنع نماذج لعلها تعوّضنا عن تراجعنا الحضاري، بل تخلفنا، في حاضرنا؟

اشتق هوارد غاردنر نظرية الذكاءات المتعددة، ومفادها نفي وجود ذكاء عام واحد شامل. عادة ما نصف فلانا بأنه ذكي، فإذا ندَّ منه تصرف أو قول يدل على نقيض ذلك، أو قلة معرفة أو مهارة في جانب، حاولنا تسويغ ذلك وتفسيره بمثل: "لكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة".

حدد غاردنر في كتابه "أطر العقل" (ترجمة: بلال، ونشر: مكتب التربية لدول الخليج العربي) ثمانية أنواع من الذكاء، هي: الذكاء اللغوي، وهو يمثل الذكاء الأعلى، ويحتل الحصة الكبرى؛ فالإنسان الذي لا يتمكن من امتلاك اللغة تتدنى درجة الذكاء عنده، وتتضاءل قدرته على تحصيل الذكاءات الأخرى. لكن هذا لا ينفي إمكانية امتلاكه أنواعا أخرى من الذكاء. وجعل غاردنر الشعر قمة الذكاء اللغوي؛ لأن الشاعر يستجمع كل ملكاته اللغوية ومعارفه من أجل نظم الشعر. وكان الخليل قال ذات حين عبارته التي رواها ابن رشيق القيرواني: "الشعراء أمراء الكلام، يصرفونه أنى شاؤوا"، وهي شبيهة برد الفرزدق على أحد النحاة حين خطأه في بعض شعره: "لنا أن نقول، وعليكم أن تتأولوا".

ثم عدد غاردنر أنواعا من الذكاء هي: الذكاء الرياضي (الرياضيات)، والرياضيات تقاليب تدخل فيها الاحتمالات، والإحصاء، فضلا عن الجمع والطرح والقسمة والضرب، واستخراج القوانين والمعادلات. والذكاء الموسيقي، والذكاء المكاني، والذكاء الحركي، والذكاء الاجتماعي، أو الانفعالي العاطفي، والذكاء الطبيعي.

ومراد الكلام هنا التذكير بمجموعة من القصص والروايات التي تظهر أنواع هذه الذكاءات عند الخليل؛ فقد قيل فيه: "إن عقله أكبر من علمه". وهذا الحكم الذي نسب إلى عبد الله بن المقفع بعد أن لقيه وذاكره في بعض العلوم، إنما يدل على امتلاك الخليل ذكاءات متعددة هي التي أنتجت هذه العلوم التي تسربت عنه إلينا، عبر مؤلفاته، أو عبر تلامذته الذين تلقوا العلم على يديه، ثم بثوه بعد ذلك في كتبهم؛ كسيبويه والأخفش وسواهما. لكنه لو عاش في عصرنا، وامتلك ما يعبر به عن ذلك الذكاء الوقاد، كالمساعدين، وأدوات الطباعة والنشر، وتقنيات تسجيل الصوت والصورة، لظهرت نتائج ذكائه بكثرة لا يعد ما وصلنا منه شيئا قبالتها.

ومما يدل على ذكاء الخليل، وكون عقله أكبر من علمه، ميله إلى التجريب، حتى لكأنه كان منهجا خاصا به لا يكاد يفارقه. والتجريب طريقه الحواس، وإطاره عقلي محض قائم على إيجاد الكيفية الخاصة بالتجربة. الحواس هي الموصلات للعقل؛ إذ لا يتصور انتقال صور الأشياء من عالم الأعيان إلى عالم الذهن إلا بالحواس. وفي هذا الحقل تتعرف قدرة الخليل على التجريب في وصف الأصوات، واستخراج مخارجها، واستكشاف صفاتها المائزة لكل صوت منها. تذوق الخليل الحروف بالنطق بها ساكنة، وأنتج بذلك علم الأصوات في العربية، وبنى كتابه "معجم العين" على هذه التذوقات الصوتية، كان يتذوق الحرف ثم يسجل مخرجه وصفاته، وهذا التجريب متعلق باللسان والنطق. وهو ذوق اللسان وأعضاء النطق كلها.

وظهرت تجريبية الخليل في علم موسيقى الشعر، إذ كان يتذوق النغم والإيقاع. وفي القصة التي تروى أن الخليل اكتشف علم العروض صدفة حين مر في سوق الصفارين، وسمع أصوات مطارقهم على الأوعية، وصدف أن توافقت طرقات أحد الصفارين وانتظمت، فتنبه الخليل إليها، ثم عاد من فوره إلى منزله، وأحضر طبلا وعصا ينقر بها، حتى وقّع إيقاعا يماثل وزن أحد البحور، فجعل ينوع في النقرات عددا وطولا أو قصرا، وتكرارا، حتى استوت له بحور الشعر العربي.

الأذن الموسيقية هي السر، وتجريب موسيقيتها هو الذي أنتج علم العروض والقوافي، والدوائر العروضية، وتفعيلات الشعر، وتركيباتها المنتجة لصور البحور، فضلا عن زحافات التفعيلات وعللها. جرب الخليل أذنه وحاسة السمع، وبها كان يتذوق النغم والإيقاع، وهذا ذوق الأذن.

ويأخذنا ذكاء الخليل الطبيعي، ومهارته في التعرف على الروائح، إلى التجريب بالاعتماد على حاسة الشم. تروي الحكاية أن طبيبا من أهل العراق كان يحضر دواء يعالج ظلمة العين (كأنها المياه البيضاء، أو الزرقاء التي تغشي البصر). وكان الدواء ناجعا في العلاج، واستفاد منه عدد من الناس. لكن ذلك الطبيب اطمأن إلى الدهر، فلم يسجل عناصره المكونة له، أو طريقة تحضيره، سوى لرجل قصده من بلاد بعيدة.

فلما مات الطبيب لم يتيسر لأحد من أهله معرفة سر الدواء، ولم يجدوا شيئا يدلهم عليه. مات الرجل، ولم يعتن أبناؤه -ككثير من الأبناء الذين لا يعتنون بصنائع آبائهم في هذا الزمن، وذلك الزمن- بمعرفة مكونات الدواء، فجاء بعضهم إلى الخليل يسأله المساعدة. قال الخليل: آتوني الوعاء الذي كان يصنع الدواء فيه. ثم أخذ يتنشق الوعاء ويقول: كذا، وكذا… حتى دونوا منها خمسة عشر اسما، ثم صنعوا الدواء من تلك المكونات، وتشافى الناس بهذا الدواء الناقص عنصرا. وبعد مدة من الزمن اكتشفوا الرقعة الّتي كتبها أبوهم للغريب، واكتشفوا صحة العناصر الخمسة عشر التي استكشفها الخليل، ومكونا واحدا فات الخليل فلم يستدل عليه. هنا، كان الخليل تجريبيا، ووظف أنفه وحاسة الشم، أي كان يتذوق الروائح، يجربها ويتعرفها بذوق الأنف. وهذا خير مثال للذكاء الطبيعي.

ولعل القصة التي تحكي وفاة الخليل تحوي ما يدهش أيضا، إذ أتته فتاة ظلمها إخوتها ميراثها، وطلبت منه أن يصنع لها حسابا ينصفها. فدخل الخليل المسجد وهو يفكر في استخراج حساب دقيق يصلح لمثل حالتها، فارتطم رأسه بسارية من سواري المسجد، فمات. وفي القصة دلالة على الانشغال الذهني التام بالمسألة؛ حساب بقانون رياضي يمكن أن تملأ فيه الفراغات فتحصل النتيجة. وهذا دأب أهل العلم إذا عرضت لواحدهم الفكرة، أو المسألة، استغرق عقله فيها، وشغله ذاك حتى عن التنبه على من/ ما حوله. وقد لا يروق لنا تصديق مثل هذا عن الخليل، في حين نرى جولان آينشتاين في بيته عاريا أحيانا -كما وصفت خادمة منزله في مذكراتها- أمرا طريفا، ومدعاة للدهشة، ودلالة على الانشغال الكلي بالتفكير والتأمل العقلي.

هل كان الخليل أسطورة عندما حاول بعضهم أن يختبر ذكاءه في استعمال العين/ حاسة البصر، فتذوق الرسم وصور الحروف من لغة أخرى، وقرأها؟ كتب مختبره رسالة باليونانية ثم عرضها على الخليل ليقرأها، ويفسر ما فيها. رسالة مصنوعة على لسان ملك يوناني، فكك الخليل حروف اللغة اليونانية عبر تذوق صورها، وأدرك رموزها، وقرأها. قد يستغرب بعضنا فيرى هذا غير معقول، وفي هذا الإنكار كثير من التزيد والتمحل. لماذا نصدق أن شامبليون تمكن من فك رموز "حجر رشيد"، ومعرفة أصول اللغة الهيروغليفية، وهو يتعامل مع هذه اللغة الجديدة تماما عليه؟ نصدّق هذا عن شامبليون الفرنسي في عصرنا، ولا نصدق ذاك عن الخليل العربي في غابر الزمان!

والخليل كان صاحب قدرة على التجريد، تدلنا على ذلك قصة وضعه معجم العين؛ أول معاجم العربية، بل لعله يكون أقدم معاجم اللغات عالميا. كيف يحصر ألفاظ العربية، وكيف ينسقها في الترتيب داخل المعجم، ثم كيف يعرف بها، ثم يخلص إلى ترتيب الألفاظ بحسب "جذور" تضمها، وترتيب هذه الجذور بحسب ما تشتمل عليه من حروف، وترتيب الحروف بحسب مخارجها الصوتية في جهاز النطق؛ الأدخل منها فما يليه، وتقليب ترتيب مجموعة الحروف الّتي تكون "الجذر". ثم وضع تعريفات للنّباتات والحيوانات والألبسة والأقمشة والأدوات والآلات في البوادي والحواضر في ذلك الحين من الزمن، وما تقدمه منذ أن كانت العربية، وأينما عاش الناطقون بها.

كل ذلك يستثير الدهشة والإعجاب، وهو ذو دلالة عميقة على أن "عقل الخليل أكبر من علمه"، وأنه تجريبي تجريدي، سعى إلى فهم الحقيقي من المعاني وتمييزه عن المجازي، راغبا في بلوغ أصول المعاني في أصل وضعها في اللغة. وقد نتخيل أنه كان يجوب ويسأل ويجمع مادّته جمعا بالمشاهدة، ثم يصفها.

هل الخليل أسطورة؟ وهل هو بتلك العبقرية لا يمكن أن يكون حقيقيا؟ هل كل هذه القصص التي نسجت حول الخليل مجرّد حكايات من الخيال نريد بها أن نتكثر في تراثنا من أمثاله، أو أن نصنع نماذج لعلّها تعوّضنا عن تراجعنا الحضاريّ، بل تخلّفنا، في حاضرنا؟

تأمل قولة الخليل: "إني لأغلق عليّ بابي، فما يجاوزه همي"، وقولة تلميذه النّضر بن شميل فيه: "ما رأيت أحدا يطلب إليه ما عنده أشد تواضعا منه"، والأخرى: "أكلت الدنيا بعلم الخليل بن أحمد وكتبه وهو في خص لا يشعر به". إنّهما صفتان تختصّان أمثاله من العلماء الكبار: التّواضع، والرّغبة عن الشهرة والانشغال بشؤون المعاش. العلم ليس تكسبا، ولا شهرة أو ظهورا تحت الأضواء، ولا تباهيا وتفاخرا، ولا منصبا. وصدق من قال: "العلم لا يعطيك بعضه، إلّا إذا أعطيته كلك".

تمتع الخليل بأنواع متعددة من الذكاء، وبعقل منهجي ناقد ثاقب، وبمهارات فائقة في توظيف الحواس، وبقدرة عالية على التّرتيب، وهذا كله يجعله جديرا بهذه المكانة العلمية النادرة.