انتخابات الكويت والتفاؤل بالمستقبل

انتخابات مجلس الأمة الكويتي انتهت الخميس الماضي (الأناضول)

انتهت الخميس الماضي النسخة 19 من الانتخابات البرلمانية الكويتية بأجواء تفاؤلية أكثر من أي وقت مضى، بعد أن هيمنت حالة الانسداد السياسي على العملية السياسية فترة طويلة، ولم تكن نتائج الانتخابات وحدها سببا للشعور التفاؤلي العام، ولكنها كانت المبادرة التي أطلقتها القيادة السياسية قبل أكثر من 3 شهور من الانتخابات.

ففي 22 يونيو/حزيران 2022، ومن دون سابق إنذار، ألقت القيادة السياسية خطابا تاريخيا، معلنة قطيعة مع الممارسات الماضية في التدخل بالانتخابات، وعدم التصويت لرئاسة مجلس الأمة ولجان المجلس؛ وتبع ذلك إصدار قانون باستخدام البطاقة المدنية منعا لنقل الأصوات والملاحقة الجادة للانتخابات الفرعية وشراء الأصوات؛ وبالتالي عندما جرت الانتخابات كانت الأجواء العامة أكثر تفاؤلا مما سبقها.

وترتب على ذلك أنها تكاد تكون من المرات النادرة التي لا تصبح الحكومة المستهدفة من قبل المرشحين بالهجوم والانتقاد، فالذي تم من إصلاحات انتخابية فاق التوقعات، بل وحظي بالترحيب من الناقدين التقليديين للحكومة. كانت تلك المبادرة الحكومية بمثابة محطة استعادة الثقة المتراجعة في الحكومة.

خاض الانتخابات 305 مرشحين ومرشحات، موزعين على 5 دوائر انتخابية، وباستثناء تراشق بين بعض المرشحين وهجوم في الندوات، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ فإن الانتخابات مضت وانتهت بهدوء، حيث تعد الانتخابات الكويتية من أكثر الانتخابات سلمية، إذ تشرف على عملية التصويت والفرز وإعلان النتائج الأولية السلطة القضائية، ويحق للمرشحين والناخبين التقدم بالطعن للمحكمة الدستورية على نتائج محددة أو على الانتخابات برمتها، وألغت المحكمة في السابق الانتخابات برمتها استجابة لطعون، أو إلغاء نتائج بعينها؛ ومن ثم إعادة الانتخاب، وأعلن أكثر من مرشح خاسر أنهم سيقدمون طعونا سواء في نتائج محددة أو في العملية الانتخابية كاملة، وكل شيء متوقع.

ترشحت 27 امرأة من أصل 305 مرشحين، ونافست بشكل ملحوظ 4 مرشحات، وفازت اثنتان بمقعدين في الدائرتين الثانية والثالثة

نواب مجلس الأمة

يتكون مجلس الأمة من 50 نائبا، كما يصبح الوزراء أعضاء في المجلس بعد تعيينهم، ويحظر عليهم الانضمام للجان المجلس، كما يُمنعون من التصويت على طلب طرح الثقة. وحسب الدستور، فإن الحكومة الحالية ملزمة بتقديم استقالتها بعد إعلان النتائج، ثم إعادة تشكيلها، وأداء اليمين الدستورية أمام مجلس الأمة المقرر عقد جلسته الأولى في 11 أكتوبر/تشرين الأول الحالي.

وفي حين أن انتخابات رئاسة المجلس تعد من القضايا الساخنة في الحملة الانتخابية، فلم تكن كذلك هذه المرة، ويعود ذلك إلى إعلان الحكومة عدم تصويتها للرئاسة، وخلو الساحة كما يبدو من المنافسين، وإعلان رئيس المجلس الأسبق أحمد السعدون خوضه انتخابات الرئاسة، خاصة بعد حصوله على أعلى الأصوات في الانتخابات النيابية.

أما بالنسبة للمرأة، فقد ترشحت 27 امرأة من أصل 305 مرشحين، ونافست بشكل ملحوظ 4 منهن على الفوز بمقاعد، وفازت اثنتان بمقعدين في الدائرتين الثانية والثالثة.

جاءت نسبة التغيير كالمعتاد، فلم تتجاوز 54%، وعاد من المجلس السابق 23 نائبا، أما 27 الجدد فكان منهم 16 نائبا جديدا يخوضون الانتخابات للمرة الأولى، و11 نائبا كانوا أعضاء في مجالس سابقة. ويلاحظ أن أغلب النواب الجدد (16 نائبا) من فئة الشباب؛ مما قد يعطي حيوية للمجلس القادم. كما يلاحظ أن أكثر النواب السابقين الذين خسروا هم من القريبين من الحكومة السابقة، بل إن 3 منهم شغلوا مناصب وزارية حتى قبل الانتخابات بفترة وجيزة.

وبصرف النظر عن التقسيمات السياسية للفائزين، فإنها بعيدة عن الواقع في أغلبها؛ فمصطلح المعارضة لا ينطبق بشكل كاف على الحالة السياسية في الكويت، على الرغم من وجود ناقدين للحكومة، ولعل إحدى أبرز نقاط الضعف في النظام السياسي الكويتي هو فردية النواب في عملهم وعدم انضوائهم في أطر جماعية، مما يضعف الأداء العام، ويشتت الجهود، وينتقص من العمليتين التشريعية والرقابية، وهما المهمتان الرئيسيتان للبرلمان.

لم يكن الجديد كثيرا في الانتخابات الحالية، إلا المبادرة الحكومية والتزامها بتعهدات إصلاحية في المرفق الانتخابي، والتي يفترض أنها تنعكس على الاستمرار والتوسعة في الإصلاح السياسي، وسينعكس ذلك على نمط وطريقة تشكيل الحكومة التي ستبدأ مشاورات تشكيلها مباشرة، وقدرتها على التفاعل مع احتياجات المجتمع، وبث المزيد من الإنجاز.

ماذا عن المستقبل؟

ليس هناك حتميات في الشكل المستقبلي للعلاقة بين المجلس والحكومة، إلا أن القضايا المطروحة أغلبها معروف، ولا يمكن تحقيقها إلا بالتوافق، بمرجعية دستور 1962، من الناحية اللائحية. أما سياسيا، فلن يكون هناك مخرج من حالة الانسداد السياسي التي سادت ردحا من الزمن إلا بتوافق السلطتين.

وحيث إن السياسة لا تقاس بالنوايا بل بالنتائج، فإن المبادرة الحكومية بالإصلاح الانتخابي قد تم قياسها واختبارها، وصار عليها الانتقال من الإصلاح الانتخابي إلى التوسع للإصلاح السياسي، وهي عملية أكثر تعقيدا، ولا يمكن لها أن تتحقق إلا من خلال مجلس وزراء فاعل وقادر على الإنجاز.

أما بالنسبة للمجلس، فمن المتوقع أن يتولى الرئاسة رئيس توافقي سيكون اهتمامه الدفع قدما بالاستقرار والتوافق والإنجاز. ومن المتوقع في معركة انتخاب مكتب المجلس حدوث انقسامات على منصب نائب الرئيس، إذ أعلن 3 نواب فائزين رغبتهم في الترشح لذلك المنصب. ولا بد من الإشارة إلى أنه في سبيل إصلاح وترشيد القرار السياسي بين النواب فإنه صار لزاما على النواب الجديد منهم والقديم أن ينتظموا في كتل برلمانية، للتقليل من تشوهات الفردية. وإن كان لدينا نموذج، فقد كان ذلك في مجلسي 1992 و1996، حيث تشكلت 4 كتل برلمانية تمكنت من تخفيف العمل الفردي الضار.

لا جدال أننا أمام مجلس جديد بمعنى الكلمة، بسبب الظروف التي أنجبته، وهي فرصة يجب ألا تضيع، ويتحمل النواب -والحكومة بقدر أكبر- مسؤولية الحفاظ على رصانة الأداء، وسلامة التشريع، وجودة الرقابة وكفاءتها.