لماذا لا يكترث ترامب بالتحقيقات من حوله

Former President of the United States Donald J. Trump
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب (رويترز)

سخر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب من إصدار لجنة التحقيق البرلمانية -في الهجوم على مبنى الكابيتول في السادس من يناير/كانون الثاني 2021- أمرا باستدعائه للمثول أمامها، والإدلاء بشهادته.

وقال ترامب "لماذا لم تطلب مني اللجنة غير المنتخبة أن أدلي بشهادتي منذ شهور؟" وأضاف "أن اللجنة عبارة عن إخفاق كامل ولم تعمل إلا على زيادة تقسيم بلادنا".

من جانبه، قال رئيس اللجنة النائب الديمقراطي بيني تومسون إن "هذه اللجنة ستطلب محاسبة كاملة لأي شخص له علاقة بأحداث اقتحام الكابيتول، ولهذا السبب من واجبنا أن نستمع لشهادة دونالد ترامب".

وأضاف تومسون -في جلسة الاستماع الأخيرة الأسبوع الماضي- إن ترامب "هو محور ما حدث في السادس من يناير/كانون الثاني؛ لذلك نريد أن نستمع إليه".

لا أحد فوق القانون

تتكرر عبارة "لا أحد فوق القانون" في الخطاب السياسي الأميركي كلما توافرت شكوك في ارتكاب أحد كبار المسؤولين أو أفراد عائلاتهم مخالفات أو جرائم يحاسب عليها القانون.

ويعج التاريخ الأميركي بكثير من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ ممن تمت إدانتهم في جرائم جنائية وقضوا سنوات وراء القضبان.

إلا أن المبدأ القانوني وسيادة القانون نفسه تخضع لاختبار عسير على يد الرئيس السابق ترامب؛ فمع زيادة المتاعب القانونية التي يواجهها، أصبح سيناريو محاكمة الرئيس السابق، والمرشح المحتمل للرئاسة في انتخابات 2024، موضوعا يشغل بال كثير من الأميركيين.

ويصعب على كثير ممن ينتمون للحزب الجمهوري -خاصة من يدينون بالولاء المطلق لترامب- وتقدر أعدادهم بعشرات الملايين من الناخبات والناخبين الذين لا يزالون يؤمنون بأنه فاز بانتخابات 2020، لكنها سُرقت منه؛ تخيل وضع ترامب في قفص الاتهام. لكن في الوقت ذاته، لو ثبت ارتكاب ترامب مخالفات قانونية تستوجب التحرك ضده لا يمكن إلا المخاطرة واعتبار ترامب مواطنا عاديا لا يتمتع بأي حصانة، ومن ثم إخضاعه لإجراءات منظومة العدالة الأميركية المستقلة.

سيدفع احتمال وضع ترامب في قفص الاتهام إلى المخاطرة بنشوب أعمال عنف على نطاق واسع يُسهلها امتلاك الملايين من الشعب الأميركي مختلف أنواع الأسلحة النارية

قبل نصف قرن، اضطر الرئيس السابق ريتشارد نيكسون لتقديم استقالته بعدما تيقنت قيادة الحزب الجمهوري من مخالفته القانون بتوجيهه أمرا لمساعديه بضرورة التغطية وعرقلة التحقيقات المتعلقة بتجسسه على الحزب الديمقراطي. وفهم الرئيس نيكسون أن الحزب الجمهوري سيتجه للتخلي عنه، وسيختار التصويت لإقالته، ومن ثم اضطر للاستقالة. لكن الأمر يختلف تماما اليوم بسبب طبيعة شخصية دونالد ترامب الذي نجح منذ ظهوره على الساحة السياسية الأميركية عام 2015 في تحصين نفسه من أي أخطاء أو سقطات أخلاقية أو سياسية، في الوقت الذي لا تمتلك فيه زعامات الحزب الجمهوري الجرأة لتحديه.

وتتصاعد الضغوط على المدعى العام الأميركي (وزير العدل) ميريك غارلاند لتوجيه اتهامات لدونالد ترامب فى قضية عرقلة عمل الكونغرس بدعوة أنصاره للتدخل لمنع التصديق على نتائج الانتخابات في السادس من يناير/كانون الثاني 2021، ومحاولاته قلب نتائج الانتخابات بطلبه غير الشرعي من مسؤولي الانتخابات في ولاية جورجيا تغيير النتائج النهائية، التي أقرت بفوز منافسه جو بايدن.

وإضافة إلى ذلك، هناك التحقيقات الجارية عقب اقتحام وتفتيش منزل ترامب الصيفي في ولاية فلوريدا والعثور على صناديق تحتوي ملفات ووثائق سرية لم يكن لها أن تخرج من البيت الأبيض. وهناك أيضا تحقيقات ولاية نيويورك في مخالفاته المالية والضريبة، وتحقيقات ولاية جورجيا بشأن ضغوطه لتغيير نتائج تصويت مواطنيها.

يكرر وزير العدل الأميركي أنه "لا يوجد شخص فوق القانون في هذا البلد"، إلا أنه وفى ظل غياب سوابق تاريخية بمحاكمة أي رئيس أميركي، حال أو سابق، على جريمة فدرالية، ناهينا عن إدانته، إضافة إلى رغبة ترامب في الترشح من جديد لمنصب الرئاسة؛ يُصعب بشدة من مهمة وزير العدل.

وخلال بث جلسات تحقيقات اقتحام أنصار ترامب للكونغرس، استمع الأميركيون إلى شهادات تجرم ترامب من عدد من كبار مساعديه، واعترف بعضهم بضلوع ترامب في مؤامرة لتخريب نتائج الانتخابات، وتم إبلاغ ترامب طبقا لهؤلاء الشهود بأن خطته غير دستورية، وأنه قد سمع ذلك بوضوح.

سيدفع احتمال وضع ترامب في قفص الاتهام إلى المخاطرة بنشوب أعمال عنف على نطاق واسع يُسهلها امتلاك الملايين من الشعب الأميركي مختلف أنواع الأسلحة النارية.

عندما تضرب ملكًا

كما قال الفيلسوف الأميركي رالف والدو إيمرسون في بداية القرن 19 "عندما تضرب ملكا، يجب أن تقتله"، وهي نصيحة تجاهلها الحزب الديمقراطي مرتين في محاولتيه الفاشلتين لمحاكمة ترامب برلمانيا وعزله، وهو ما كانت له نتائج عكسية. ويدرك خبراء الشأن الأميركي أنه لم تكن هناك أي فرصة أبدا لعزل ترامب من منصبه، وبدل إلحاق الأذى به سياسيا، ارتفعت نسب شعبيته إلى أفضل مستوياتها. ويكرر ترامب مقولة إنه "يقاتل بيروقراطية ونخبة واشنطن، وهم يكرهونني بسبب ذلك".

من هنا تعد إجراءات مواجهة ترامب قانونيا مغامرة سياسية لا بد أن يقوم بها وزير العدل غارلاند في نهاية المطاف، وستكون لها نتائج زلزالية على الحياة السياسية الأميركية الآن ومستقبلا. ولا بد أن يمتلك وزير العدل القرائن والدلائل الداعمة لتوجيه إدانات رسمية لترامب، في الوقت الذي يجب عليه كذلك وعلى البيت الأبيض إدخال الحسابات السياسية في عملية اتخاذ القرار. ولا بد أن يكون غارلاند شديد الوثوق من إدانة ترامب قبل أن يقدم أي لوائح اتهام، وسيكون هناك تهديد لمستقبل الديمقراطية الأميركية إذا تم استبعادها خوفا من تداعياتها.

إلا أن أكثر النقاط إثارة تتمثل في قدرة دونالد ترامب على الترشح مجددا للرئاسة عام 2024 حتى لو تم توجيه اتهامات رسمية إليه، وتمت إدانته، وحتى لو تم إصدار أحكام ضده.

فقد حدد الدستور الأميركي 3 شروط صارمة للأشخاص المرشحين لشغل منصب الرئيس والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وهي أن يكون المرشح أميركيا عند المولد، وأن يبلغ من العمر 35 سنة، وأن يكون مقيما في الولايات المتحدة لمدة 14 عاما. وليس من الشروط أي شيء يتعلق بسجل المرشح الجنائي، أو الأخلاقي، أو كونه متهما، أو مدانا في قضايا تمس الشرف أو حتى تمس الأمن القومي.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.