الحب الذكي والصكوك غير المشروطة

من حقوق أولادنا وبناتنا علينا؛ تدريبهم على الحب بذكاء (مواقع التواصل الإجتماعي)

دفعنا وندفع أثمانا غالية لأننا لم نحسن اختيار من وما نحب، فنتعرض لصدمات وأوجاع، فأفكارنا وتصرفاتنا واختياراتنا وأعمارنا تتأثر كثيرا بمن وما نحب.

الحب الذكي يحمي صاحبه في كل الأعمار فلا يوافق بلا تفكير على أفكار وتصرفات من يحب ولا يختصه بكل مشاعره ولا ينقاد خلفه ويلغي عقله ويحرضه على الاستهانة به، فإلغاء العقل وسيطرة الحب تفتح معظم أبواب الخسائر النفسية والعاطفية والحياتية.

من حقوق أولادنا وبناتنا علينا تدريبهم على الحب بذكاء، فعندما يخبرنا أحدهم مثلا أنه يحب لاعب كرة يجب ألا يمر ذلك دون تعليق يفيده، ونرفض تماما السخرية من حبه، فسيتألم وسيقرر عدم البوح بمشاعره لوالديه وسيصنع جدارا نفسيا وعاطفيا، يضعف علاقتهم ونفضل القول: يعجبك طريقته باللعب وتحب مهارته واهتمامه بالتدريب أليس كذلك؟ وسيمنع التعقيب الموجز مبالغته بحب اللاعب، وعندما يفعل ما يتناقض مع "سبب" حبه له لن يبرره وسيقلل كثيرا من رغبته بتقليده أو جعله قدوة له.

فلنحرص أن يحب الأبناء والبنات من الصغر صفاتهم الجميلة ويحترموها، ولا يتركوها لتقليد من يحبون، وأن يرتبط الحب عندهم بقيمة يقدرونها وبالرقي والجمال ورفض القبح بأشكاله المختلفة وألا يعطوا أحدا يحبونه صكا بحب غير مشروط

وإذا قال إنه يحب مطربا، فلنسأله هل تحب صوته؟ أم هذه الأغنية؟ أم أغنية معينة؟ وماذا عن الأغاني التي لا تحبها؟ ونبدي بهدوء التحفظ على أي سلوك غير جيد للمطرب أو نشيد بمن يكتب له الأغاني أو الملحن، ليعلم أن ما يغنيه هو ثمرة لجهود كثيرين، فنضعه بحجمه الإنساني الطبيعي، ليستطيع الابن التوازن بمشاعره.

وإذا سمعنا أغنية غير موفقة لهذا المطرب نلفت نظر الابن بلطف وبأقل كلمات بأنها أقل من باقي أغنياته، ليعتاد إعادة التفكير فيمن يحب وألا يعطي أحد إعجابا دائما بلا مراجعات، وليعتاد على فهم لماذا يحب، وأن الحب لا يعني الموافقة التامة والدائمة على كل تصرفات من يحب من المشاهير وغيرهم، حتى لا يقلدها ولو بعد حين، فعندما يفعل من يحبه أولادنا أمرا نرفضه نخبرهم برفق أن هذا الأمر يقلل كثيرا منه ولو كان ذكيا لما فعله.

ننبه لخطورة التعلق بالمشاهير وإلغاء العقول عند متابعتهم ويجب كسر التعلق بهم، فعندما يمتدح أولادنا مشهورا، نوافقهم أولا أنه رائع، ثم نضيف بهدوء: ولا ننسى أن خلفه فريق علاقات عامة رائع يعمل ليظهر بهذه الصورة المميزة، وهو ليس هكذا بحياته العادية ولكنها مهارات التسويق، قد يُصدم الأبناء والبنات ومع التكرار ستزول غشاوة الانبهار أو تقل.

ولنعلمهم مراقبة ردود فعل الناس على ما يقدمونه لهم من حب، هل يردون بالمثل أو بما يقاربه؟ أم يرونه حقا لهم ويقابلونه باستهتار؟ وننبههم بضرورة تذكير النفس دوما أنهم مهمون جدا ومشاعرهم كنوزهم، فلا يمنحوها إلا لمن يجيدون تقديرها دون مبالغة بالطبع.

ونذكرهم بالتوقف من وقت لآخر، لرؤية هل من يحبونهم ما زالت لديهم نفس الصفات التي أحبوها من أجلها أم لا؟ ولا يبررون تصرفاتهم السيئة، فسيفعلونها ولو بعد حين وأن يحبوا عقولهم بأكثر مما يحبون غيرهم، فتبرير الخطأ إهانة للعقل، وألا يقلدوا أخطاء من يحبون من أقرانهم أو من المشاهير، فهم شخصيات فريدة، وليسوا نسخا مكررة من غيرهم وشخصياتهم قوية تمنعهم من التقليد بلا وعي أو لجذب الانتباه كالتقاليع الغريبة في الملابس والشعر.

فلنحرص أن يحب الأبناء والبنات من الصغر صفاتهم الجميلة ويحترمونها، ولا يتركونها لتقليد من يحبون، وأن يرتبط الحب عندهم بقيمة يقدرونها وبالرقي والجمال ورفض القبح بأشكاله المختلفة، وألا يعطون أحدا يحبونه صكًا بحب غير مشروط، فإذا ابتعد صديق بلا سبب وتكرر ابتعاده، فليحب الابن نفسه وليتوقف عن معاملته كصديق مقرب وليجعله بمنزلة الزميل حتى يتراجع وإن لم يفعل، ففي الحياة متسع لأصدقاء أفضل.

وليعتاد الاحتفاظ بكرامته وباستقلال عقله وبحبه لنفسه، فهي أهم من كل العلاقات ويستثنى من ذلك علاقته بوالديه وبإخوته والجد وصلة الرحم، ولا يتعاملون مع حب الأهل لهم كمضمون بلا تعامل جميل معهم، ولا يسمحون لأحد بجعل حبهم مضمونًا.

يعاني كثيرا الأبناء والبنات -من كل الأعمار- الألم العاطفي أو النفسي للشعور بالرفض من الجنس الآخر وأحيانا من الجنس نفسه عندما يشكون من صعوبة الاحتفاظ بالأصدقاء والصديقات ويفسرون ذلك بألا أحد يحبهم، ويكون السبب غالبا لأنهم يحبون الآخرين أكثر مما ينبغي ويربطون سعادتهم وتقديرهم لذواتهم على حب الناس لهم، وهذا خطأ شائع ويؤذي جدا، وقد يؤدي للانتحار بسبب الحب، وأحيانا قتل قليل من الشباب للبنات بسبب رفضهن الارتباط بهم، أو ضياع العمر في التحسر على علاقات لم تنجح  وفقدان الثقة بالنفس وبالجنس الآخر بدلا من الاعتدال والتعلم من التجربة وعدم التسرع بالاهتمام وبالحب.

يجب حمايتهم وتنبيههم لخطأ الزعم بأن مرآة الحب عمياء، فمرآة الحب المريض هي العمياء، ومرآة الحب الذكي ليست عمياء وترى عيوب الطرف الثاني، فلو كانت قاتلة أو كبيرة واستمر في الحب فهو الحب الأعمى الذي سيؤذيه لا محالة. ومن يكابر ويرفض ذلك ويستمر في هذا الحب يصنع أوجاعه بيديه، ونخبره بكذب كلام الأغاني مثل: "أحبه مهما أشوف منه، ومهما الناس قالت عنه" وأن حب الجنس الآخر أو الأصدقاء جزء فقط من حياته.

وعن حبهم للأصدقاء، يجب ألا يمنحوه لصديق واحد، ونعرف منهم سبب الحب، فأحيانا يحب الابن الصديق الذي يتمتع بشعبية كبيرة ويسيطر على أصحابه، وقد يحب من يراه أفضل منه أو من يشجعه على ارتكاب الأخطاء، ودور الأهل بعد اكتشاف السبب السلبي للحب توجيه الابن بلطف أنه يستحق أن يحب من يُحسن التعامل معه ويقضي معه أوقاتا لطيفة بلا شروط ودون تقديم تنازلات أو فعل ما يقلل من شأنه أمام نفسه أو أمام الآخرين، فلا شيء بالكون يستحق ذلك.

نوصي بمعرفة الصفة الجيدة التي يحبها في الصديق المقرب والمدرسين والكتاب والسياسيين، ليراقب استمرار هذا السبب وألا يبالغ في الحب ولا يكرهه عند انتهاء الصداقة، ويعتبره مرحلة وانتهت بخيرها وشرها ويركز على تحسين حياته والفرح بنجاحاته.

مع الاعتدال في حب الهوايات واللعب والمقتنيات والطعام، حتى لا يصبح هوسا يسيطر عليه، وفي حب المال فلنقل أنت السيد وهو الخادم وليس العكس، ونعلمه كيف يحب نفسه بذكاء، فلا يفعل -ما استطاع- ما يخجل منه أو يندم عليه، ولا يصر على الخطأ ويسارع بالتراجع والاعتذار فيقلل الخسارة ويتفادى العقاب، أو يكون قليلا بعكس العناد ورفض الاعتذار والرد بأسلوب غير لائق يضاعف العقاب فيهزم نفسه.

نوصي بتكرار هذه التوصيات المفيدة على فترات متباعدة وبكلمات قليلة كضوء الفلاش الذي ينبه ولا يزعج كتسليط الكشافات، نقصد الكلام الكثير الذي يضايق ويأتي بنتائج ضارة، حتى لا يمل الابن أو يشعر بفرض الأفكار عليه، فيعاند ويرفضها لإثبات أنه كبر ولا يحتاج للنصيحة، ولا أحد منا بكل الأعمار ومن الجنسين يستغنى عن النصيحة المخلصة والجيدة.

ويجب قول النصيحة بهدوء وبلا حماس زائد، مع الإلحاح بالدعاء للرحمن بحفظ جميع الأبناء والبنات وأن يرزقهم حب من وما يفيدهم في الدارين وييسر لهم النفور من كل ما يضرهم أو يتسبب "بتعطيلهم" عن النجاح ويقلل فرصهم التي يستحقونها، وندعو لهم بها وندعمهم ونوجههم للفوز بأكبر قدر من السعادة والرضا الإيجابي عن النفس وعلاقات ناجحة.