أزمة أوكرانيا وحسابات تركيا المعقدة

شمالي سوريا.. فرص لقاء أردوغان وبوتين في تهدئة الأوضاع
شمال سوريا وفرص لقاء أردوغان وبوتين في تهدئة الأوضاع (الجزيرة)

يتصاعد  التوتر حول أوكرانيا ويتزايد الحديث عن حروب جديدة بأوروبا، في أزمة هي الأخطر منذ نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي، ولا سيما مع عدم توصل مفاوضات روسيا مع أميركا والاتحاد الاوروبي والناتو لأي نتيجة حتى اليوم.

تولي أوكرانيا أهمية كبيرة للتعاون مع تركيا في الصناعات الدفاعية، إذ تعتبرها الشريك الأهم لها في هذا المجال، وتعوّل عليها في عملية انتقال كييف من نظام الجيش السوفياتي السابق إلى معايير تتيح لها الانضمام لحلف شمال الأطلسي، حتى لو لم يكن هناك حتى الآن أي احتمال واضح لخطة عمل العضوية نحو الانضمام إلى التحالف العسكري الأطلسي، حيث أعطت التدريبات والمعدات العسكرية التي قدمتها تركيا لأذربيجان ميزة حاسمة وتغلبت تماماً على القوات الأرمينية بتدريبها وإمداداتها الروسية، خلال حرب قره باغ الثانية أواخر عام 2020.

تتمتع تركيا، العضو في حلف الناتو، بعلاقات وثيقة مع كييف وموسكو، لكنها تعارض السياسات الروسية في سوريا وليبيا، فضلًا عن معارضتها لضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، وسيكون لديها الكثير لتخسره في حال اندلاع صدام عسكري بين روسيا وأوكرانيا، وتعرض نفسها اليوم كوسيط بين موسكو وكييف.

في الوقت الذي يستمر سعي أوكرانيا للدخول إلى الهياكل الأوروبية والناتو، وصلت علاقات التعاون العسكري والأمني والاقتصادي بين أوكرانيا وتركيا إلى مستوى إستراتيجي غير مسبوق في تاريخ العلاقات الثنائية، باتت بموجبه تركيا المصدر الرئيس للطائرات المسيّرة بالنسبة للجيش الأوكراني، إضافة إلى مجالات واسعة أخرى للتعاون والتصنيع المشترك.

وتولي أوكرانيا أهمية كبيرة للتعاون مع تركيا في الصناعات الدفاعية، إذ تعتبرها الشريك الأهم لها في هذا المجال، وتعوّل عليها في عملية انتقال كييف من نظام الجيش السوفياتي السابق إلى معايير تتيح لها الانضمام لحلف شمال الأطلسي، حتى لو لم يكن هناك حتى الآن أي احتمال واضح لخطة عمل العضوية نحو الانضمام إلى التحالف العسكري الأطلسي، حيث أعطت التدريبات والمعدات العسكرية، التي قدمتها تركيا لأذربيجان ميزة حاسمة، وتغلبت تماماً على القوات الأرمينية بتدريبها وإمداداتها الروسية، خلال حرب قره باغ الثانية أواخر 2020.

وخلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في 10 أبريل/نيسان 2021، أعرب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن دعم تركيا لوحدة أراضي أوكرانيا، بما في ذلك شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا عام 2014، و لم يفت أردوغان التأكيد أن التعاون العسكري مع أوكرانيا غير موجّه إلى دول ثالثة، وأعرب عن اعتقاده بإمكانية حل الأزمة بالوسائل السياسية، وعن دعمه لاتفاقات مينسك.

وبالتزامن مع استمرار التعاون الإستراتيجي مع روسيا في مجموعة متنوعة من القضايا، قدمت تركيا أكثر من مجرد دعم خطابي لأوكرانيا، مما دفع بوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى تحذير تركيا وآخرين من "عدم تشجيع الطموحات العسكرية لأوكرانيا".

ونقلت وسائل إعلام تركية عن وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، قوله "موقفنا من شبه جزيرة القرم معروف، لا ينبغي لأحد أن يسيء إلى بيعنا طائرات من دون طيار لأوكرانيا، هذه تجارة". في الوقت نفسه أشار إلى أن "موسكو تزوّد أطرافا مناهضة لتركيا أو دولاً أخرى بالصواريخ، وأن أنقرة لا تشكك في أفعالها".

منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، طورت تركيا وروسيا العلاقات في مختلف المجالات، وكانت التجارة أحد أهم هذه المجالات، فهناك استثمارات ومشاريع تجارية مشتركة حيث بلغ حجم التبادل التجاري نحو 30 مليار دولار عام 2021 ، كما نجحت موسكو في أن تكون شريكًا في جهود تركيا لتنويع مصادر طاقتها من خلال بناء محطة الطاقة النووية "أكويو" لتوليد الطاقة الكهروذرية في تركيا، والذي تنفذه شركة روس أتوم، وتعتمد تركيا بشكل كبير على روسيا في قطاع الغاز الطبيعي، وفي الوقت نفسه ترغب في أن تكون بمثابة مركز دولي للطاقة بين المستهلكين الغربيين، إلى جانب محاولات روسيا إنشاء خطوط أنابيب جديدة لإنتاجها، وكان هذا بمثابة أساس لمشاريع مشتركة بين البلدين، وآخرها مشروع أنابيب ترك ستريم (السيل التركي) وهو خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من روسيا إلى كل من تركيا وأوروبا عبر البحر الاسود.

ولعب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوراقه بذكاء شديد عندما شعرت تركيا بالدعم غير الكافي من الغرب أثناء مواجهة التهديدات الدولية والداخلية، بعد إسقاط طائرة روسية من قبل الجيش التركي عام  2015، وخلال الانقلاب الفاشل في تركيا عام 2016، وبينما تردد القادة الغربيون في كلتا الحالتين في التعبير عن دعمهم لأردوغان، رأى بوتين فرصة في محاولة الانقلاب، وكان من بين أول من اتصل بالرئيس التركي بعد الحدث، وشيدت هذه التطورات أساسًا أوسع للتعاون التركي الروسي، فبالإضافة لمصالح سياسة الطاقة ، والاستياء من الغرب، برزت مؤخراً الكيمياء الشخصية بين الرئيسين أردوغان وبوتين.

تطورت العلاقات الى حد حصول تركيا على منظومة الصواريخ الروسية "إس- 400" ومخاطرتها بالخروج من تصنيع الطائرات "إف-35" الأميركية القتالية، وكان قرار الحكومة التركية شراء صواريخ "إس-400" الروسية خطوة أخرى مفيدة للطرفين، وكانت هذه وسيلة لتركيا في التعبير عن خيبة أملها تجاه واشنطن ومحاولة لتحرير نفسها من اعتمادها على المزودين الغربيين في منظومتها الدفاعية. وبالنسبة لبوتين، كانت الصفقة بمثابة ضربة لحلف الناتو، وأدى إدخال السلاح الروسي في النظام العسكري لأحد أعضاء الناتو إلى توترات بين تركيا وحلفائها، وأضعف التماسك الداخلي للتحالف الغربي، واستمر التعاون والتنسيق بين أنقرة وموسكو على الرغم من التضارب في المصالح واختلاف المواقف في ليبيا وسوريا، وتعتمد إمكانية المواجهة أو التعاون بين أنقرة وموسكو في النزاعات الإقليمية على الأولويات الحالية بدلاً من الخصومات السابقة، ولا يتم تحديد شكل ومدى تعاونهما من خلال أي طرف من الصراع يقفان، ولكن من خلال دوافع كل منهما، وتستند العلاقات بين أنقرة وموسكو إلى الاعتراف المتبادل بالمصالح الأمنية.

يبقى القول، في ظل قرع طبول الحرب بين روسيا وأوكرانيا والناتو، تجد تركيا نفسها في وضع لا تحسد عليه، بسبب طبيعة تعقيد علاقاتها مع أطراف النزاع الذي ينذر باشتعال مواجهة في أي لحظة، وقد تكون تركيا الخاسر الأكبر بعد روسيا وأوكرانيا في حال اندلاع أي صدام عسكري، ووقوفها إلى جانب روسيا سيزيد من تعقيد علاقاتها مع حلفائها في الناتو، وإذا اختارت الوقوف ضد روسيا، فهذا سيفقدها الكثير من الأوراق العسكرية والسياسية التي أمنتها لها موسكو ولاسيما في سوريا، بالإضافة لعواقب اقتصادية، وصحيح أن من مصلحة تركيا الوقوف على الحياد في حال اندلاع مواجهة عسكرية بين روسيا وأوكرانيا، ولكن اختيارها موقفا في المنتصف قد يجعلها تخسر كل الأطراف، وانطلاقاً من كل المعطيات أعلاه تبرز أهمية دعوة تركيا الوساطة بين جارتيها موسكو وكييف.