كيف يغير المخرج "كين لوتش" قوانين بريطانيا؟

afp - British director Ken Loach poses during a photocall after winning the Palme d'Or during the closing ceremony of the 58th edition of the Cannes International Film Festival on
المخرج البريطاني كين لوتش يقف خلال جلسة تصوير بعد فوزه بالسعفة الذهبية في الحفل الختامي للدورة الـ58 من مهرجان كان السينمائي الدولي (الفرنسية)

السائرون في الشوارع التجارية بالمدن البريطانية المختلفة سيلاحظون مقر جمعية خيرية تمتلك فروعا في كل مكان تقريبا، عنوانها باللون الأحمر القاني يعني "مأوى" أو "ملجأ". للوهلة الأولى تبدو كجمعية عادية لمساعدة المشردين، لكنها تقدم باقة واسعة من الخدمات والاستشارات المجانية لكل المقيمين في البلاد فيما يتعلق بالإيجارات والعلاقة بين المالك والمستأجر. عمرها يتجاوز 50 عاما، وهي ثمرة أشهر فيلم تم عرضه على قناة "بي بي سي" (BBC) بعنوان "كاثي، عودي للبيت" للمخرج كين لوتش. وهو الفيلم الذي أحدث زلزالا اجتماعيا ووصل صداه للبرلمان وقتها.

يخوض هذا النجار معركة مع الأنظمة البيروقراطية البريطانية لانتزاع حقه وسط معاناة إنسانية كبيرة وشحن درامي مملوء بالعواطف وتفاصيل صادمة، لينتهي الفيلم نهاية غير سعيدة. ورغم الزلازل السياسي والاجتماعي الذي أحدثه الفيلم وقت عرضه في بريطانيا، فإن كثيرا من السياسيين هاجموه واعتبروا أنه يبالغ في تصوير الوضع الاجتماعي لحالات التقاعد في البلاد.

يتناول الفيلم قصة الشاب "ريغ" والفتاة "كاثي" من الطبقة المتوسطة البريطانية يعملان في وظائف جيدة ويسكنان في منزل عادي. تنجب الفتاة مولودها الأول فتجلس في البيت لترعاه ويتولى الزوج إعالة الأسرة. يصاب الزوج بحادث يقعده عن العمل فتنتقل الأسرة لمنزل أهله لضيق ذات اليد ويصبح عدد الأطفال 3 قبل أن تضطر الأسرة لمغادرة المنزل لخلافات "كاثي" وحماتها. يسافر الزوج بحثا عن عمل وتخفق الزوجة في العثور على مسكن ملائم بسبب الإيجارات، ولم تجد لها السلطات المحلية مسكنا بسبب كثرة المتقدمين فتلجأ لمأوى مؤقت للسيدات المشردات، حيث سرعان ما يتم طردها منه لعدم أهليتها للسكن، ويتم نزع حضانة الأطفال منها، ثم يتم إعطاؤهم للسلطات المحلية لأنها بلا مأوى. وقد كشف الفيلم عن ثغرات عديدة في نظام الضمان الاجتماعي البريطاني تسمح بأن يتحول الناس إلى مشردين من دون ذنب. فتغيرت القوانين بسبب هذا الفيلم وتم تأسيس هذه الجمعية في 1966، وهي سنة عرض الفيلم.

ظهر الفيلم وقتها في قالب "دوكيودراما" أو دراما وثائقية، أي أن المخرج استخدم أساليب الفيلم الوثائقي الفنية في عرض القصة الخيالية من ناحية الراوي والنصوص على الشاشة بالإضافة لتقنيات التصوير والإخراج. وهو الأمر الذي أثار جدلا لم يهدأ حتى الآن حول مشروعية المزج بين هذين اللونين من القوالب الفنية في فيلم أو مسلسل واحد. وهو جدل لم يوقف "كين لوتش" عن المضي قدما في مشروعه السينمائي والإفصاح من دون مواربة عن انحيازاته السياسية كعضو في حزب العمال وينتمي لليسار، ويقول بشكل واضح إن لديه رسائل نقد سياسية واجتماعية للسلطة في بريطانيا. لكنه يضيف أنه في سبيل تحقيق هذه الغاية، يتحرك وفقا لقواعد الفن ولا يخرج عليها. وعلى مدار أكثر من نصف قرن، لا يزال "لوتش" قادرا على إحداث الزلازل السياسية والاجتماعية في المجتمع البريطاني باختياره قضايا حساسة في أفلامه تنبع بشكل أساسي من القضايا الشعبية والمعاناة الإنسانية للطبقات الوسطى والدنيا في المملكة المتحدة.

استمر "كين لوتش" في نفس نهجه مع البي بي سي في السبعينيات حتى قرر أن يتجه إلى عالم السينما متحررا من قيود التلفزيون، خاصة بعد أن أثارت كثير من أفلامه جدلا سياسية واسعا. وفي عام 2016، أخرج "لوتش" فيلم "أنا، دانيل بليك" الذي فاز بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي ويحكي قصة نجار بريطاني يعيش ببلدة صغيرة ويصاب بمرض يقعده عن العمل. وبسبب خطأ في التشخيص الطبي لحالته الصحية تقرر هيئة الضمان الاجتماعي البريطانية عدم منحه معاشا يعينه على مواصلة الحياة.

يخوض هذا النجار معركة مع الأنظمة البيروقراطية البريطانية لانتزاع حقه وسط معاناة إنسانية كبيرة وشحن درامي مملوء بالعواطف وتفاصيل صادمة لينتهي الفيلم نهاية غير سعيدة. ورغم الزلازل السياسي والاجتماعي الذي أحدثه الفيلم وقت عرضه في بريطانيا، فإن كثيرا من السياسيين هاجموه واعتبروا أنه يبالغ في تصوير الوضع الاجتماعي لحالات التقاعد في البلاد. غير أن معلقين وكتابا مثل "ستيفين ماكنزي" في مجلة "بيغ شو" (Big Show) قال بوضوح إن الفيلم غيّر بالفعل من طريقة تعامل حكومة حزب المحافظين اليمينية مع مشاكل قضايا التقاعد والضمان الاجتماعي.

أحلام ومشروع "كين لوتش" تتجاوز بكثير حدود التعبير عنها في عمله الفني. فرغم قدرته على إثارة العواصف السياسية والاجتماعية فيما يتعلق بالسياسية الداخلية البريطانية، فهو أيضا قادر على إثارة العواصف ذاتها في مربع آخر وهو السياسة الخارجية؛ لأنه من كبار الداعمين للقضية الفلسطينية. وقد تبرع بكل عائدات فيلمه "أنا، دانيل بليك" لصالح حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها.

وقبيل جائحة كوفيد-19 مباشرة، اتجه "لوتش" إلى مدينة نيوكاسل التي صور فيها "أنا، دانيل بليك" ليفتح جبهة نقاش واسع حول قضية أخرى حساسة في فيلمه "عذرا، أتينا ولم نجدك"، وهي قضية عقود العمل قصيرة الأجل التي تبخس حق كثير من الموظفين. فهنا يتحدث عن رب أسرة يعمل مع زوجته في الوقت ذاته، لكن طبيعة العمل تؤثر بشكل كبير على حياته الشخصية؛ خاصة كعامل توصيل باستخدام سيارته الخاصة، كما أنها لا تمكنه من سداد الديون التي تراكمت عليه بسبب الأزمة المالية العالمية عام 2008. ثم يكتشف المشاهد جوانب سلبية في الحياة الرأسمالية البريطانية داخل بيئة وأنماط العمل؛ لتجعلها أقرب لشكل من أشكل العبودية الحديثة على حد قول المعلقين. ولم يتمكن "كين لوتش" من تغيير قوانين العمل بسبب الفيلم هذه المرة، لكنه أحدث صخبا هائلا حول سلبية عقود العمل قصيرة الأجل في البلاد. وهو صخب مستمر منذ إطلاق الفيلم عام 2019 ولم يهدأ حتى الآن.

لا يمكن أن نرجع طريقة "كين لوتش" في تصوير هذه القضايا الاجتماعية الشائكة إلى شجاعة أو انحياز سياسي وحسب، بل مرده بشكل رئيسي إلى الطريقة التي دخلت فيها السينما ووسائل الإعلام بشكل عام إلى المجتمعات الغربية. إذ إن اختراع هذه الوسائل والوسائط الفنية حدث من أسفل إلى أعلى؛ أي أن المجتمع ومثقفيه اخترعوا هذه الوسائل والوسائط واستخدموها قبل أن تستخدمها السلطة في الحديث عن نفسها. وهذا بعكس الوضع في العالم العربي وكثير من الدول حول العالم، حيث كانت السلطة هي أول من استوردت المطبعة والتلفزيون واستخدمتها لأغراضها فبقيت ملاصقة لها حتى وقتنا هذا رغم المحاولات العديدة للفكاك من توغل السلطة على الإبداع وحرية التعبير.