غاز مصري أم إسرائيلي إلى لبنان؟.. حقائق ومخاطر جيوسياسية

إحدى المحطات الخاصة لاستخراج الغاز الطبيعي في منطقة لفيف غرب أوكرانيا
إحدى المحطات الخاصة لاستخراج الغاز الطبيعي (الجزيرة)

ثارت حالة من الجدل منذ عدة أيام عن مصدر الغاز الطبيعي الذي من المفترض أن يصل إلى لبنان خلال العام الجاري ليساهم في حل أزمة الكهرباء المتفاقمة هناك. ويعود السبب الرئيسي لحالة الجدل حول مصدر الغاز الذي ستتلقاه لبنان إلى إعلان إسرائيل عبر أحد قنواتها التلفزيونية أن الغاز الذي سيضخ إلى لبنان سيكون من خلال عقد تم التوقيع عليه بوساطة أميركية بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، والذي يسمح للأخير أن يضخ الغاز الطبيعي من حقل ليفياثان إلى لبنان عبر الأردن وسوريا، وتخالف الرواية الإسرائيلية ما تم الإعلان عنه في سبتمبر/أيلول 2021 بعقد اتفاق بين كل من مصر ولبنان والأردن لتصدير الغاز المصري إلى لبنان عبر مروره بخط الغاز العربي في الأردن وسوريا. وفي نفس الوقت أيضا نفت الولايات المتحدة المزاعم الإسرائيلية بأن تكون قد توسطت في صفقة غاز بين لبنان وإسرائيل.

سأحاول هنا وبشكل موجز التحقق من الجهة الفعلية التي ستمد لبنان بالغاز الطبيعي، وبمعنى آخر، سأسعى للوصول إلى إجابة دقيقة عما إذا كانت مصر أم إسرائيل هي التي ستصدر الغاز إلى لبنان؟

تحديات أمام الاتفاق

تم الاتفاق في سبتمبر/أيلول الماضي وبترحيب أميركي على تصدير الغاز الطبيعي من مصر إلى لبنان عبر خط الغاز العربي، ومنذ ذلك التوقيت يواجه الاتفاق مجموعة من التحديات.

أولا، يحتاج خط الغاز العربي إلى إصلاحات فنية حتى يمكنه تمرير الغاز إلى لبنان، حيث إن الخط يمتد من سيناء إلى لبنان مرورا بالأردن وسوريا، ويحتاج الجزء الممتد من الأردن إلى سوريا ولبنان إلى تجهيزات فنية بسبب توقفه عن العمل منذ ما يزيد على العقد.

ثانيا، تسعى مصر للحصول على تأكيدات واضحة من الإدارة الأميركية بأنها لن تتعرض لعقوبات بسبب مرور الغاز الطبيعي على سوريا قبل وصوله إلى لبنان، وسبب التخوف المصري أنه طبقا لقانون قيصر، فإن اشتراك سوريا في اتفاق نقل الغاز المصري إلى لبنان يمكن أن يعرض مصر لعقوبات.

ويبدو أن جملة التحديات التي تواجه الاتفاق ليست صعبة، فالإصلاحات الفنية للجزء الشمالي من خط الغاز العربي تحتاج إلى عدة شهور، وعلى الجانب الآخر، هناك تصريحات متكررة من الجانب الأميركي بترحيبه ودعمه للاتفاق وحل أزمة الكهرباء في لبنان.

المسار الوحيد المتبقي لتصدير الغاز إلى لبنان، هو ضخ جزء من الغاز الإسرائيلي الذي تستقبله مصر في اتجاه الجنوب، بحيث يمر الغاز من العريش وعبر خط الغاز العربي إلى الأردن ثم إلى سوريا ولبنان، وبناء على ذلك فإن الغاز الذي تصدره مصر إلى الأردن وكذلك الغاز الذي من المفترض أن تصدره مصر إلى لبنان، كلاهما مصدره الحقيقي هو إسرائيل.

اتفاق مصري وغاز إسرائيلي

في عام 2021، استقبلت مصر 450 مليون قدم مكعب يوميا من الغاز الطبيعي الإسرائيلي، بموجب اتفاقية الغاز الموقعة بين الطرفين في 2018، ويتجه الجزء الأكبر من الغاز حوالي 400 مليون قدم مكعب يوميا غربا من العريش وعبر خط أنابيب شمال سيناء ليصل إلى محطات تسييل الغاز المصرية ويتم تصديره للخارج، ويتجه الغاز المتبقي -وهو الجزء الأصغر- حوالي 50 مليون قدم مكعب يوميا جنوبا من العريش وعبر خط الغاز العربي ليصل إلى الأردن، وتقودنا هذه الحقائق إلى استنتاجين مهمين.

أولا، يعمل خط أنابيب شمال سيناء حاليا في اتجاه واحد فقط من الشرق إلى الغرب لاستقبال الغاز من إسرائيل وإيصاله إلى محطتي التسييل "إدكو" و"دمياط" على ساحل البحر المتوسط، وبالتالي من غير الممكن أن يعمل هذا الخط في اتجاه عكسي من الغرب إلى الشرق وينقل الغاز من الحقول المصرية إلى سيناء ومن ثم إلى خط الغاز العربي، وبناء على ذلك، فإن الغاز الطبيعي الذي من المفترض أن تصدره مصر إلى لبنان لن يأتي بأي حال من الأحوال من حقول الغاز المصرية وعبر خط أنابيب شمال سيناء.

ثانيا، سيكون المسار الوحيد المتبقي لتصدير الغاز إلى لبنان، هو ضخ جزء من الغاز الإسرائيلي الذي تستقبله مصر في اتجاه الجنوب، بحيث يمر الغاز من العريش وعبر خط الغاز العربي إلى الأردن ثم إلى سوريا ولبنان، وبناء على ذلك فإن الغاز الذي تصدره مصر إلى الأردن وكذلك الغاز الذي من المفترض أن تصدره مصر إلى لبنان، كلاهما مصدره الحقيقي هو إسرائيل.

خط الغاز العربي.. مسار مغلق

إذا كان الغاز الطبيعي المصدَّر إلى لبنان هو في الواقع غاز إسرائيلي، فهل سيتم بالفعل نقله عبر خط الغاز العربي من سيناء إلى لبنان عبر الأردن وسوريا كما أشرنا بالأعلى؟

يواجه نقل الغاز الوارد إلى لبنان عبر هذا المسار تحديين رئيسيين:

أولا، تسعى مصر إلى زيادة حجم واردات الغاز الإسرائيلي حتى تتمكن من استخدام الجزء الأكبر في تشغيل محطات التسييل والتصدير للخارج، وتقوم بإرسال الجزء المتبقي إلى كل من الأردن ولبنان عبر خط الغاز العربي، ووفق اتفاقية تصدير الغاز بين مصر وإسرائيل؛ فمن المفترض أن ترفع إسرائيل من حجم صادراتها من الغاز الطبيعي إلى مصر من 450 إلى 650 مليون قدم مكعب يوميا خلال العام الجاري. ولكن هل ستستطيع إسرائيل الالتزام بهذه الزيادة خلال 2022؟ الواقع أن إسرائيل لن تستطيع أن تزيد كميات الغاز المصدرة إلى مصر في الفترة القادمة، والسبب أن القدرة الاستيعابية لشبكة إسرائيل الداخلية التي تنقل الغاز إلى مصر لا تتخطى 450 مليون قدم مكعب يوميا، وتقوم إسرائيل حاليا بزيادة القدرة الاستيعابية لتلك الشبكة، وهو ما لن يتحقق قبل مارس/آذار 2023، وبالتالي فإن كميات الغاز القادمة من إسرائيل إلى مصر لن تشهد أي زيادات خلال العام الجاري، وهذا يعني أن مصر ستواصل ضخ الغاز الذي تستقبله من إسرائيل إلى الأردن، ولكن لن تتمكن من ضخ المزيد إلى لبنان خلال 2022.

ثانيا، حتى يمر الغاز القادم من سيناء إلى لبنان عبر الأردن وسوريا سيكون عليه المرور عبر الجزء الشمالي من خط الغاز العربي في الأردن، وهنا سيواجه الغاز القادم من مصر مشكلة فنية تمنعه من المرور، حيث إن هذ الجزء من الخط العربي تستقبل الأردن من خلاله الغاز الإسرائيلي بموجب الاتفاقية الموقعة بين الطرفين في 2016، ويتجه بعدها الغاز الإسرائيلي جنوبا عبر خط الغاز العربي إلى محطات توليد الكهرباء الأردنية، وهذا يعني أن الغاز القادم من مصر إلى لبنان والمتجه شمالا ليعبر الأردن لن يستطيع المرور بالتأكيد عكس اتجاه تدفق الغاز جنوبا.

بناء على التحديات التي أشرنا إليها، لن يكون مسار نقل الغاز الإسرائيلي المصدَّر إلى مصر من سيناء إلى لبنان عبر المرور بخط الغاز العربي متاح بأي حال من الأحوال.

كل الطرق تؤدي إلى إسرائيل

يبدو أن البديل الوحيد الذي يمكن تنفيذه على أرض الواقع؛ هو أن تقوم إسرائيل بإمداد لبنان بالغاز الطبيعي من خلال الأردن، وهذا يعني أن إسرائيل ستُزيد من كميات الغاز التي تضخها من حقل ليفياثان إلى الأردن، وعند وصول الغاز الإسرائيلي إلى الأردن ستقوم الأخيرة بتمرير الجزء الخاص بها جنوبا عبر خط الغاز العربي كما هو الوضع حاليا؛ وفي نفس الوقت ستقوم بتمرير الجزء الخاص بلبنان شمالا عبر خط الغاز العربي ليمر عبر سوريا ثم يصل إلى لبنان، وستقوم إسرائيل باحتساب كميات الغاز التي صدرتها إلى لبنان ضمن صادراتها من الغاز الطبيعي إلى مصر وضمن الزيادة التي كانت مفترض أن ترسلها إلى مصر مطلع العام الجاري.

نصل هنا إلى إجابة عن السؤال الذي عرضناه في البداية والتي وفقا لما أشرنا إليه واعتمدنا فيه على ترتيب النقاط، فإن الغاز الطبيعي المتوقع أن يتم ضخه إلى لبنان خلال الشهور القادمة من خلال اتفاق رسمي بين مصر ولبنان وبترحيب أميركي؛ سيكون غازا إسرائيليا قادما من حقل ليفياثان شمال إسرائيل إلى لبنان مرورا بشمال الأردن وسوريا.

مخاطر جيوسياسية على الطريق

في الوقت الذي تعاني فيه لبنان من أزمة كهرباء حادة، سيساهم الغاز الإسرائيلي في إنارة بيروت وضواحي لبنان الأخرى، ويبدو أن لبنان لا تقف وحدها في هذا المشهد الذي ستعتمد فيه بشكل كبير على إسرائيل لحل مشكلات الطاقة لديها، حيث إن الأردن هي الأخرى تعتمد بشكل ليس بالقليل على الغاز الإسرائيلي المتدفق من حقل ليفياثان لإنارة عمَّان وباقي مدن الأردن. وسيكون علينا -من دون الخوض في تفاصيل كثيرة لتوضيح حجم مخاطر الغاز الإسرائيلي المتدفق إلى الدول العربية- تخيل أن عاصمتين عربيتين سيعتمد أمن الطاقة لديهما على إسرائيل في المدى القريب.

بالإضافة إلى مصر التي بالرغم من تحقيقها الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي في السنوات الماضية، فإنه -وفقا لكثير من الدارسات- سيكون من المتوقع أن ينتهي ذلك الاكتفاء خلال العقد الحالي نتيجة زيادة الاستهلاك المحلي بمعدلات كبيرة، وهذا يعني أن مصر في المدى المتوسط ستعتمد ولو بشكل محدود على صادرات الغاز الإسرائيلية التي ستوجه إلى الاستهلاك المحلي بدلا من تصديرها إلى الأسواق الخارجية. وهنا من السهل أن نفهم بوضوح حجم المكاسب الجيوسياسية التي يمكن أن تحققها إسرائيل من خلال تصدير الغاز الطبيعي إلى جيرانها ومن خلال دخولها كعنصر رئيسي وفعال في معادلات الطاقة، بمنطقة تعاني أغلب دولها من أزمات حادة في الطاقة.

على الجانب الآخر، ستدفعنا النتائج التي توصلنا إليها إلى سؤال آخر ربما يحتاج مزيد من التفصيل في موضع آخر، ما هو دافع الحكومة المصرية للمضي قدما في اتفاق تصدير الغاز إلى لبنان إذا كان الدور الذي ستقوم به مصر لا يتخطى دور الوسيط الذي سيوقع على الاتفاق فقط بينما في الواقع ستصدر إسرائيل الغاز إلى لبنان؟ بطبيعة الحال سيكون من الصعب تخيل أن الدافع اقتصادي؛ حيث إن كمية الغاز التي ستصدر إلى لبنان لا تتجاوز 65 مليون قدم مكعب يوميا، وهي كمية محدودة جدا فضلا عن أن هذا الغاز هو بالأساس غاز إسرائيلي اشترته مصر، وفي نفس السياق سيكون من الصعب أيضا تخيل أن دافع الحكومة المصرية هو تحقيق مكاسب جيوسياسية، وذلك إذا كانت إسرائيل ستكون ولأول مرة متحكمة في أمن الطاقة لدى جيرانها من العرب.