الحاجة لإنتاج سينمائي عربي تركي مشترك

وصل الفيلم التركي "الالتزام" لترشيحات جائزة الأوسكار عام 2020، كما وصل فيلم "معجزة في الزنزانة رقم 7" لترشيحات الأوسكار العام الماضي 2021. (الجزيرة)

حين تحرك المخرج التركي مراد أونبول وفريقه صوب الحدود التركية الجنوبية، وتحديدا في ولاية غازي عنتاب التي تعج بالسوريين، وجد كثير من اللاجئين السوريين الهواة أنفسهم أمام كاميرات السينما للتمثيل في فيلم سينمائي. تعاون الممثلون السوريون الهواة مع آخرين أتراك محترفين في عنتاب وأيضا في جرابلس بريف حلب الشمالي؛ ليقدموا لنا ملحمة سينمائية عام 2018 تؤرخ لأحداث الثورة، وهي فيلم "درعا، من أجل أخي".

لم يكن الفيلم إنتاجا عربيا تركيا بالمعنى التقليدي لأنه كان بتمويل من وزارة السياحة والثقافة التركية وقناة "تي آر تي"، لكنه كان محاولة جادة لدخول القضايا العربية للشاشة الفضية التركية، وهي المحاولة التي لم تتكرر بعد ذلك على المستوى نفسه.

لم تأخذ السينما التركية نصيبا مما أخذته الدراما التاريخية والاجتماعية من حيث الدعم والانتشار، إذ حققت الأخيرة عددا من الأهداف لتعريف المشاهد العربي بالمجتمع والتاريخ التركي، وتقديم رواية أخرى غير تلك التي سادت عقودا طويلة عن التاريخ التركي العربي المشترك. وبقي الإنتاج السينمائي التركي بعيدا عن المشاهد العربي رغم أنه تضاعف بشكل كبير خلال العقود الماضية، حيث بقيت مساحة انتشاره عربيا على مستوى العرض أو الإنتاج المشترك منخفضة للغاية رغم ارتفاع المستوى الفني؛ فقد وصل الفيلم التركي "الالتزام" لترشيحات جائزة الأوسكار عام 2020، كما وصل فيلم "معجزة في الزنزانة رقم 7" لترشيحات الأوسكار العام الماضي 2021.

ربما لعبت العوامل السياسة بعض الدور في غياب الفيلم التركي عن شاشات السينما العربية من ناحية، وأيضا غياب الإنتاج السينمائي المشترك من ناحية أخرى. لكن هناك عاملا مهما وهو أن تركيا والهند من الدول القليلة في العالم التي تحظى أفلامها المحلية بشعبية كبيرة في دور العرض داخل الوطن الأم، وتتفوق على أفلام هوليود في شباك التذاكر. وهي ظاهرة فريدة غير متكررة حتى في الدول الأوروبية نفسها؛ الأمر الذي لا يشجع كثيرا من المنتجين على المغامرة في السوق العربية، خاصة أن دور العرض الأوروبية تفتح أبوابها على مصراعيها للفيلم التركي، لا سيما الدول ذات الجالية التركية الكبيرة مثل ألمانيا.

لقد خطا بعض النجوم العرب خطوات مهمة على الصعيد الفردي، ومنهم الممثل السوري غسان مسعود الذي مثّل في الفيلم التركي "وادي الذئاب، العراق" عام 2006 من إخراج سيردار أكار، والفيلم التركي "الفراشة" عام 2009 من إخراج جيهان تاسكين وجوناي غونايدين.

وحظيت بعض الأعمال السينمائية التركية مؤخرا بشعبية ومشاهدة كبيرة في العالم العربي عن طريق يوتيوب، رغم أنها تدور في فلك المعالجة الدرامية التاريخية للأعمال التلفزيونية نفسها، بل يمكن عدّها امتدادا لها، مثل فيلم "الفاتح 1453" من إخراج فاروق أكسوي عام 2012 عن قصة فتح القسطنطينية. وأيضا فيلم "سيف العدالة، الأتراك قادمون" من إخراج كميل أيدين 2020، الذي يعد جزءا ثانيا من فيلم "الفاتح 1453" لكونه يتناول الدور العسكري للعثمانيين في التوجه نحو أوروبا بعد فتح القسطنطينية في القرن 15. ويعد كم المشاهدة الضخم على يوتيوب مؤشرا على مستوى الإقبال العربي على مثل هذه الأعمال.

الحضور العربي

هناك حاجة ثقافية وفنية واقتصادية للتماس العربي مع الإنتاج السينمائي التركي لعدة أسباب؛ أولها أن سوق الإنتاج السينمائي العربي دخل مرحلة ضعف كبيرة لأسباب كثيرة يصعب حصرها في هذا المقام، ويعد الانفتاح الفني على تجارب سينمائية أخرى ناهضة عاملا مهما لتقديم أعمال سينمائية متميزة. وثانيها من الناحية الاقتصادية، حيث إن الإنتاج المشترك يتقاسم ميزانية الأفلام الضخمة، ويعد في المقابل بتقاسم أرباح كبيرة. وثالثها أن القواسم الاجتماعية المشتركة بين المجتمعين العربي والتركي، فضلا عن التقاطعات التاريخية العديدة، توفر مادة قصصية خصبة للأعمال السينمائية. رابعها، وهي النقطة الأهم، أن اللغة السينمائية -خاصة الجوانب الرومانسية والشاعرية- يستطيع المشاهد العربي والتركي فهمها بسهولة بغض النظر عن حاجز اللغة؛ فهناك فرق بين أن يشاهد المرء فيلما أجنبيا يستمتع به ويكون في النهاية نافذة له على عالم آخر، وأن يشاهد فيلما ينتمي لثقافته نفسها فيشعر كأنه ينظر في المرآة فيكتشف ذاته ويتحاور معها.

هناك أيضا جانب أساسي يتعلق بمعاناة كثير من المخرجين المستقلين العرب الموهوبين في التعامل مع الإنتاج المشترك بتمويل أوروبي على سبيل المثال؛ فاشتراطات الجهة المانحة تعيق استكمال كثير من المشاريع السينمائية لعدم استيعاب أو رغبة الجانب الأوروبي في تسليط الضوء على بعض القصص ذات الخلفيات الثقافية العربية. كما أن الإنتاج الأوروبي المشترك يتفرق عادة بين عدة جهات من دول أوروبية مختلفة وكل منها لديه نصيب من حقوق ملكية الفيلم، وعلى فرض نجاح المشروع، فإنه يشق طريقه لنيل كثير من الجوائز في المهرجانات الدولية ولا يمكن عرضه جماهيريا أو من خلال إحدى القنوات التلفزيونية بسبب تشعب الجهات المالكة للحقوق، وينتهي به المطاف على أرفف الأرشيف للأسف كحال كثير من الأفلام العربية التي تم إنتاجها بهذه الطريقة.

لقد خطا بعض النجوم العرب خطوات مهمة على الصعيد الفردي نحو هذه الاتجاه، ومنهم الممثل السوري غسان مسعود الذي مثل في الفيلم التركي "وادي الذئاب، العراق" عام 2006 من إخراج سيردار أكار، والفيلم التركي "الفراشة" عام 2009 من إخراج جيهان تاسكين وجوناي غونايدين. وهي محاولات فردية لكنها كانت ناجحة.

ولا يحتاج المضي قدما في الإنتاج العربي التركي المشترك على مستوى أوسع وأكبر سوى رغبة وإرادة من بعض جهات الإنتاج، سواء على المستوى الرسمي أو القطاع الخاص. فقبل عدة أشهر خطا الباكستانيون خطوات مهمة في هذا الاتجاه، وإن كانت على صعيد الدراما التلفزيونية، إذ أعلنت شركتا "أكلي" التركية و"أنصاري شاه" الباكستانية بدء مشروع إنتاج مشترك ضخم لمسلسل يتناول قصة القائد الكبير صلاح الدين الأيوبي. وأتصور أنها ستكون مقدمة لمشاريع إنتاج مشترك أكبر وعلى مستويات مختلفة.

في دراسة له عن التاريخ العربي والتركي السينمائي المشترك، يقول المدير السابق للإذاعات الأجنبية في هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية أرسلان كوتشوك يلدز إن هناك تاريخا طويلا من الإنتاج السينمائي العربي التركي المشترك يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي ويمتد حتى السبعينيات مرورا بمرحلة في أواخر عقد الستينيات، حين كان الفنان المصري فريد شوقي بطلا للعديد من الأفلام التركية التي كانت تصدر بنسختين، إحداهما مدبلجة للأتراك وأخرى للمشاهد العربي. ويقترح يلدز أن مضي الإنتاج العربي التركي قدما بخطى سريعة ليس في مجال الإنتاج السينمائي وحسب، بل على صعيد تنظيم المهرجانات السينمائية المشتركة وتقديم الحوافز الضريبية لتسهيل عمليات الإنتاج والتسويق.