تركيا وأرمينيا.. خطوات نحو مرحلة جديدة

الحسابات في العواصم الثلاث (أنقرة، باكو، يريفان) تغيرت بعد حرب العام الماضي بين أرمينيا وأذربيجان (الجزيرة)

تبدو اليوم التطورات وتسارع التغيرات في المنطقة والعالم أكثر ملائمة لبدء مرحلة جديدة في العلاقات بين تركيا وأرمينيا، و طيّ صفحة ثقيلة من إرث الماضي، بعد قرابة 3 عقود تقريبًا من إغلاق الحدود بينهما، فقد كشف وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قبل أيام أن أول اجتماع بين تركيا وأرمينيا بعد تعيين الممثلين الخاصين سيُعقد في موسكو، وسبق ذلك إعلانه اتخاذ أنقرة خطوات لبناء الثقة ضمن إطار العلاقات التركية الأرمينية، بهدف استقرار المنطقة.

والواضح أن فرص التوصل إلى اتفاق بين أنقرة ويريفان باتت أكبر من أي وقت مضى، لا سيما بعد انتهاء الاحتلال الأرميني للأراضي الأذربيجانية، وهي الأسباب التي من أجلها قطعت تركيا علاقاتها مع أرمينيا عام 1993، وأغلقت حدودها البرية معها، دعمًا لأذربيجان التي لم تعد معترضة اليوم على بوادر التقارب كما كانت في عام 2009، وأعلنت أنها تدعم تطبيع تركيا الشقيقة علاقاتها مع أرمينيا، و صرح وزير خارجيتها جيهون بيراموف أن تطبيع تركيا مع أرمينيا سيخدم المصالح المشتركة بين أنقرة وباكو أيضًا.

العلاقات المعقدة بين البلدين الجارين تركيا وأرمينيا تسبّبها جملة أمور، أبرزها مطالبة أنقرة يريفان بتسوية النزاع مع أذربيجان، والقيام بأبحاث عن أحداث 1915 في أرشيفات الدول الأخرى، فضلا عن الأرشيفات التركية والأرمنية، وإنشاء لجنة تاريخية مشتركة تضم مؤرخين أتراكًا وأرمن، وخبراء دوليين، وحلّ القضية عبر منظور "الذاكرة العادلة".

تغيرت الحسابات في العواصم الثلاث (أنقرة، باكو، يريفان) بعد حرب العام الماضي بين أرمينيا وأذربيجان، فتلك الحرب التي استمرت 44 يوما، وانتهت بهزيمة أرمينيا غيَّرت قواعد اللعبة، وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار سلَّمت أرمينيا الأراضي المحتلة إلى أذربيجان، وذلك يعني انتفاء مُبرِّر أنقرة الأصلي لقطع العلاقات، والمؤكد إذا ما طبَّعت تركيا وأرمينيا علاقاتهما، فسيكون هناك مزيد من الفرص للسلام في قره باغ بين أذربيجان وأرمينيا أيضًا.

ونجد موسكو اليوم قادرة على إحياء الاتفاقات الدبلوماسية التي تم التفاوض عليها بين تركيا وأرمينيا في عام 2009، لا سيما فتح الحدود البرية بين البلدين الجارين، فمع تنفيذ العديد من بنود الاتفاق الذي رعته روسيا بين باكو ويريفان، وسيطرتها على طرق ناخشيفان ولاتشين الإستراتيجية، فإن أحد العوائق الرئيسة أمام تنفيذ البروتوكولات التي سبق التوقيع عليها بين أنقرة ويريفان قد أزيل.

وتحدَّث مسؤولون روس بإيجابية بشأن الخطاب الجديد بين أرمينيا وتركيا، وعبَّروا عن استعدادهم للمساعدة، فقد قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في الثالث من سبتمبر/أيلول "الآن، بعد انتهاء الحرب في ناغورني قره باغ، هناك ما يدعو لفك جمود العملية السياسية، واستعادة العلاقات في مجالات الاقتصاد والنقل، وسيكون منطقيا أن تستأنف أرمينيا وتركيا جهودهما لتطبيع العلاقات".

لا يمكن تجاهل مدى تأثير فتح الحدود البرية في المساعدة على تحسين الوضع الاقتصادي في أرمينيا على وجه الخصوص، ووصولها إلى العالم الخارجي، كما ستفيد المقاطعات التركية المتاخمة لأرمينيا حيث يرغب السكان المحليون منذ مدة طويلة في توثيق العلاقات لتعزيز اقتصاداتهم المحلية.

تبدو حاجة أرمينيا إلى تركيا أكبر، فلا تزال تعاني من تبعات الحرب الأخيرة، ومن أزمات اقتصادية تعمّقها تبعيتها الطويلة للاقتصاد الروسي، في حين تبدو تركيا أكثر اهتمامًا بالتطبيع مع أرمينيا بموجب الخطة "3+3" التي اقترحتها سابقًا، وهي عبارة عن منتدى إقليمي يتألف من دول جنوب القوقاز وجيرانها: أرمينيا وأذربيجان وجورجيا، فضلا عن إيران وروسيا وتركيا.

ويرى رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان أن إلغاء الحظر المفروض على التنقل سيغير تمامًا منطق التنمية في المنطقة، وقال في مقابلة مع وكالة "تاس" الروسية تعليقا على بيان الاتفاق الثلاثي "هذه نقطة مهمة جدا، وأعتقد أنه في المستقبل القريب يجب أن نركز على هذه النقطة، لأننا عندما نتحدث عن الاستقرار الاقتصادي، ليس فقط في أرمينيا ولكن في المنطقة بأسرها، يجب أن نتخذ خطوات ملموسة".

في حين قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في سبتمبر/أيلول الماضي، إن بلاده مستعدة لبدء حوار مع أرمينيا، ولكن يتعين على يريفان السماح بعبور سلس بين أذربيجان وناخشيفان، وكان الرئيس التركي يشير إلى فتح ممر يربط بين أذربيجان وجيبها ناخشيفان في جنوب غربي أرمينيا، على الحدود مع تركيا وإيران، وهو ما عدّته يريفان شرطا لاستئناف العلاقات.

وطالب مستشار الأمن القومي الأميركي السابق جون بولتون، قبل أكثر من عامين أثناء زيارته أرمينيا، علانية يريفان بالتخلي عن "الكليشيهات التاريخية" في علاقاتها الدولية، ولم يخف أن الحديث يدور عن الصداقة التقليدية مع موسكو، كما قال إنه يتوقع من نيكول باشينيان، القائم بأعمال رئيس الوزراء الأرمني وقتئذ، "بعد الانتخابات اتخاذ خطوات استباقية بشأن تسوية إقليم قره باغ".

حال دون تحقيق واشنطن والعواصم الغربية أهدافها ورغباتها في المنطقة العديد من العوامل؛ حيث يأتي ميل واشنطن نحو أرمينيا إلى حد كبير من خلال الرغبة في الضغط على تركيا، ولا يتعلق الأمر بالعلاقات الأرمينية التركية بقدر ما يتعلق بالخلافات الأميركية التركية في الشرق الأوسط، التي تفاقمت بعد عام 2013 خلال الحروب السورية، من خلال دعم إدارة الرئيس السابق باراك أوباما الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني (مصنف على قوائم الإرهاب في حلف الناتو ودول إقليمية عدة)، وتهديد ذلك لمصالح دولة عضوة في الحلف الأطلسي، فضلا عن ملف تسليم فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة، ويُنظر في الوقت نفسه إلى تعاون أرمينيا مع روسيا وإيران على أنه تحدٍّ خطير لموقف الولايات المتحدة في القوقاز.

يصعب أيضًا النظر إلى التحرك الدبلوماسي الفرنسي حيال نزاع القوقاز من خلال تأثير اللوبي الأرمني في فرنسا فحسب، حيث نلاحظ ماكرون معارضًا لأنقرة في البحر المتوسط، وكذلك الموقف الفرنسي من الخلافات التركية اليونانية، وقضية قبرص المعقدة، والمواجهة في ليبيا، ودعم باريس الإرهاب الانفصالي في الجمهورية العربية السورية، الذي يهدد وحدة أراضي الجمهورية العربية، ويهدد تركيا ولاحقًا دولا أخرى بما فيها روسيا في القوقاز الجنوبي والشمالي.

والعلاقات المعقدة بين البلدين الجارين تركيا وأرمينيا تسببها جملة أمور، أبرزها مطالبة أنقرة يريفان بتسوية النزاع مع أذربيجان، والقيام بأبحاث عن أحداث 1915 في أرشيفات الدول الأخرى، فضلا عن الأرشيفات التركية والأرمنية، وإنشاء لجنة تاريخية مشتركة تضم مؤرخين أتراكًا وأرمن، وخبراء دوليين، وحلّ القضية عبر منظور "الذاكرة العادلة"، الذي يعني باختصار التخلي عن النظرة الأحادية الجانب إلى التاريخ، وتفهّم كل طرف ما عاشه الآخر، والاحترام المتبادل لذاكرة الماضي لدى كل طرف.

وكانت أنقرة قد فاجأت باكو أواخر عام 2009 بالإعلان عن بداية التطبيع مع أرمينيا عدو أذربيجان وتركيا اللدود، واستنكرت أذربيجان وقتئذ تلك الخطوة، معتبرة أن ذلك سيؤدي إلى زيادة التوتر في منطقة جنوب القوقاز، إذا لم تترافق مع حل لأزمة إقليم ناغورني قره باغ والأراضي الأذربيجانية المحتلة من الجانب الأرميني.

يبقى القول إن العلاقات التركية الأرمينية خارج الحدود أكثر تعقيدًا، في ظل رفض ومعارضة معظم "لوبيات" أرمن الشتات للتطبيع، وهذه العملية لا بد أن ترافقها معالجة ملموسة لظاهرة الاحتقان، أو معالجة الأسباب الجذرية للتوترات التي من شأنها أن تؤدي إلى زيادة في درجة من الثقة بين الدول.