التأثير الأندلسي في صناعة الأفلام

blogs - غرناطة المغرب
مدينة غرناطة في إسبانيا (مواقع التواصل الاجتماعي)

حين جاء المخرج الايطالي برناردو برتولوتشي إلى مدينة تطوان شمال المغرب عام 1990 لتصوير بعض مشاهد فيلمه "السماء الواقية"؛ أبدى إعجابه الشديد بإضاءة المدينة الطبيعية. وكان عنده كل الحق، فالمدينة التي تلقّب بأخت غرناطة تتميز بإضاءة طبيعية مبهرة تجعل النور يشع بين جنبات الطرقات والمباني القديمة فيها حتى حين تتوارى الشمس خلف الغيوم. والمدينة مقصد لكثير من السائحين وتحمل من التراث الأندلسي على مستوى البشر والحجر ما يجعلها صورة مصغرة من الأندلس باستثناء جانب واحد فقط وهو السينما.

حين نزح الموريسكيون من الأندلس نحو شمال أفريقيا قبل نحو 5 قرون حملوا معهم كل التراث الأندلسي من موسيقى وشعر وأدب وعادات وتقاليد وحتى الملابس ومفاتيح البيوت ومدونات أشجار النسب والعائلات. وحافظ الأندلسيون حتى يومنا هذا على هذه السمات في المدن التي يتركزون فيها مثل مدن شمال المغرب. وأصبح هناك ما يمكن تسميته الثقافة الشعبية الأندلسية المعاصرة. وهي ثقافة تشمل وتغطي كافة مناحي الحياة اليومية للأندلسيين وعلى رأسها النمط المعماري الذي لا تخطئه العين لأي زائر لهذه المناطق. إلا أن الانعكاس السينمائي لهذه الثقافة لا يزال محدودا. فلا تزال معظم الأعمال الفنية العربية حول الأندلس تتركز بشكل رئيسي في المسلسلات التاريخية الدرامية أو الأفلام الوثائقية من دون التماس مع الثقافة الأندلسية المعاصرة وعناصرها الجمالية التي لا تزال حاضرة بقوة.

وفي هذا الإطار يبدو الاستثناء حاضرا في أعمال المخرج وكاتب السيناريو محمد إسماعيل ابن مدينة تطوان الذي رحل عن دنيانا قبل بضعة أشهر والذي يعده النقاد امتدادا للمدرسة الواقعية الإيطالية. والتأثير الأندلسي واضح في أفلامه التي تشع منها الثقافة الأندلسية رغم أنها لا تتناول بالضرورة الجانب التاريخي للمسألة، ولكن الثقافة الأندلسية حاضرة في شكل المعمار في كادرات الأفلام والقضايا التي يتناولها والتي تميز المباني في مدن الشمال المغربي خاصة شفشاون وتطوان وغيرها من المدن. وكان فيلمه الأخير "لامورا" الذي أخرجه عام 2020 يعيد الاعتبار للمغاربة الذي أرغموا على القتال في صفوف جيش الدكتاتور الإسباني فرانكو أثناء الحرب الأهلية الإسبانية. وهي جزء من معاناة أحفاد الموريسكيين في العصر الحديث مع إسبانيا.

يحكي الفيلم قصة الضابط الإسباني "دومينكو باديا" الذي تنكر في شخصية أمير عربي وجاء للمغرب في عهد السلطان مولاي سليمان الذي كان حاكما قويا ولديه طموح لغزو إسبانيا واستعادة الأندلس. والفيلم إنتاج مغربي إيطالي مشترك بلغة بصرية عالية في الاحترافية وإنتاج فني ضخم.

ورغم أن أعمال كثير من المخرجين المغاربة المعاصرين حول الأندلس لا تزال تدور في فلك الجانب التاريخي أو الهجرة السرية نحو إسبانيا، إلا أن بعضهم استطاع تحقيق بعض الإنجازات لكسر هذه الصورة فقد أخرج محمد نظيف فيلم "الأندلس مونامور" عام 2012 والذي يتناول مسألة الهجرة السرية في قالب كوميدي. فقد استطاع أن يحول مسألة الأندلس من مسألة تاريخية إلى تجسيد لفكرة الحلم الأوروبي الذي يسعى إليه الشباب الطامح في الهجرة عبر رحلات الموت البحرية. كما أن فكرة التاريخ الأندلسي في الفيلم تتحول إلى هوس لدى البطل في الفيلم لتتلاشى المعالم بين الماضي المجيد والواقع المؤلم عبر جسر الهجرة الذي يمثل المعبر الوحيد. وقد غير اسمه من "الأندلس يا لحبيبة" إلى "الأندلس مونامور" ليتلافى الانطباع الأولي بأن الفيلم تاريخي وليكون أقرب للهجة الدارجة المغربية.

أيضا يعد فيلم "من رمل ونار..الحلم المستحيل" عام 2019 للمخرج سهيل بن بركة أحد العلامات الفارقة في السينما المغربية على مستوى الشكل والمضمون. فالفيلم وإن كان تاريخيا يعود لمطلع القرن الـ19 وغير مرتبط بحقبة الأندلس بشكل مباشر إلا أنه عالج المسألة الأندلسية من زاوية مختلفة. يحكي الفيلم قصة الضابط الإسباني "دومينكو باديا" الذي تنكر في شخصية أمير عربي وجاء للمغرب في عهد السلطان مولاي سليمان الذي كان حاكما قويا ولديه طموح لغزو إسبانيا واستعادة الأندلس. والفيلم إنتاج مغربي إيطالي مشترك بلغة بصرية عالية في الاحترافية وإنتاج فني ضخم.

وفي الجزائر استطاع المخرج الجزائري محمد الشويخ تقديم معالجة تاريخية سينمائية مهمة للقضية الأندلسية منطلقا من الخبرة الجزائرية المرتبطة بالأندلس في فيلمه "الأندلسي" عام 2014. إذ حاول عبر إسقاط تاريخي مخاطبة مشكلات المجتمع المعاصر وتقديم الخبرة الأندلسية في التعايش والتسامح بين الأديان والثقافات كحل لهذه المشكلات. يحكي الفيلم قصة عائلات مسلمة ويهودية نزحت من الأندلس نحو مدن جزائرية مثل مستغانم بعد سقوط غرناطة. وكان من بين النازحين شخصيات مسيحية ليستطيع أتباع الديانات الثلاثة أن يتعايشوا في رحاب مدينة مستغانم وتحت رعاية وحماية حاكمها. والفيلم هو إنتاج جزائري تونسي إسباني مشترك ويعد أحد العلامات المهمة في تاريخ السينما الجزائرية.

لقد كان فيلم "المصير" للمخرج يوسف شاهين عام 1997 أحد المحاولات المهمة لإحياء الثقافة الأندلسية بصريا من مخرج من خارج دول المغرب العربي. وتجسد هذا العمل السينمائي في قالب أقرب للفنتازيا منه للعمل التاريخي، وسط لغة عامية وليست فصحى مصحوبا بأغان واستعراضات. ولولا أنه دخل في أتون الصراعات السياسية والأيدلوجية القائمة وقتها لكان من الممكن أن يكون تأثيره أقل استقطابا وأكثر إلهاما لمخرجين آخرين. فبعيدا عن تجسيده لفقيه مهم مثل الإمام ابن رشد في صورة أثارت كثيرا من النقد، يبدو تصوير وتجسيد الثقافية الأندلسية القديمة في قالب جديد أمر محمود. وهي محاولة لم تتكرر بعد ذلك مع الأسف.

يخبرنا كل هذا أننا أمام حضور أندلسي في السينما العربية المعاصرة بشكل لا يستدعي بالضرورة معالجة القضايا التاريخية، بل يمتد لما هو أبعد من ذلك داخل بنية وتركيبة الفيلم العربي. فهناك عدة عناصر أساسية تسهم في تشكيل نسيج الفيلم منها الموسيقى والكادر البصري والملابس واللغة البصرية المستخدمة وبالطبع القصة والسيناريو. وللثقافة الأندلسية القديمة وتجليتها المعاصرة حضور طاغ في كل عنصر من هذه العناصر إذا تم توظيفها فنيا بشكل سليم. وشئنا أم أبينا تعد الثقافة الأندلسية مكونا مهما للشخصية العربية المعاصرة أبعد من فكرة الحنين للفردوس المفقود. لهذا فإن أي محاولات فنية جادة لتوظيف هذه الثقافة سينمائيا سيكون إضافة مهمة للسينما العربية ترفع من قيمة خصوصيتها وتساعد في بلورة هوية جديدة لها.