لماذا يريد ترامب أن يصبح رئيسا مرة أخرى؟

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب (الأوروبية)

لا يمر يوم إلا وتصلني عدة رسائل إلكترونية من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، أو أولاده، أو كبار مستشاريه، ولا تختلف هذه الرسائل عن تلك التي كانت تصلني قبل انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2020 وسط الحملة الانتخابية الرئاسية. وتهدف الرسائل الجديدة إلى جمع تبرعات أو عرض منتجات بسيطة كقبعات أو أعلام يمكن من خلالاها جمع المزيد من الأموال. ولا تشير أي من هذه الرسائل إلى دونالد ترامب بوصفه رئيسا سابقا، ويتم التوقيع على الرسائل الموجهة من ترامب بعبارة الرئيس 45 للولايات المتحدة.

تتوقف احتمالات عودة -وربما فوز- ترامب للبيت الأبيض على رغبة ترامب الشخصية في المنصب من جديد، وربما الانتقام لهزيمته في الانتخابات الأخيرة

ومضمون الرسائل يتمحور حول "إنقاذ أميركا" أو "تناول عشاء مع الرئيس" أو "لقاء الرئيس في أول تجمع بولاية أريزونا منتصف الشهر الجاري"، وتخدم كل هذه الرسائل هدف ترامب المعلن في ترشحه لانتخابات 2024 بهدف العودة للبيت الأبيض.

ولا ينكر الرئيس السابق ترامب رغبته في العودة للبيت الأبيض، وعزمه على خوض انتخابات عام 2024. وأكد ترامب أن السبب الوحيد الذي قد يحول دون خوضه السباق الرئاسي هو "مكالمة سيئة من طبيب أو شيء من هذا القبيل، قد يمنعني من ذلك".

ولا تمنع القوانين الأميركية رئيسا سابقا لفترة واحدة من خوض السباق الرئاسي مرة أخرى، وحدث ذلك مع الرئيس السابق غروفر كليفلاند في نهايات القرن 19. فقد فاز كليفلاند بانتخابات عام 1884 وحكم حتى بداية عام 1889، وكان الرئيس 22 للولايات المتحدة، ثم هُزم في الانتخابات التي جرت في نهاية 1888، وغادر البيت الأبيض، ثم عاد وفاز في انتخابات عام 1892 لينصب الرئيس 24 للولايات المتحدة.

وصوّت أكثر من 81 مليون شخص لصالح بايدن، مقارنة بأكثر من 74 مليون شخص لترامب. وفاز بايدن بـ306 من أصوات المجمع الانتخابي، مقابل 232 صوتا لترامب، ومع ذلك لم ولن يعترف بهزيمته. فلم يعترف ترامب أبدا بالهزيمة في أي شيء في حياته، سواء كنت تتحدث عن إفلاسه في التسعينيات أو الأخطاء العديدة التي ارتكبها في مجال الأعمال التجارية والاستثمارية. وهو يعتقد بصدق أنه كان دائمًا منتصرًا، وهو يتبع النهج نفسه طيلة حياته، ولن يكترث بأي حقائق أو واقع يقول عكس ذلك.

وتتوقف احتمالات عودة -وربما فوز- ترامب للبيت الأبيض على 3 عوامل: أولها رغبة ترامب الشخصية في المنصب من جديد، وربما الانتقام لهزيمته في الانتخابات الأخيرة.

ثاني العوامل الدافعة لعودة ترامب ترتبط بغياب أي منافسة جادة أو وجود تحديات كبيرة أمامه بين الجمهوريين الطامحين إلى خوض انتخابات عام 2024. ولا توجد أي قيادة جمهورية تقترب شعبيتها من شعبية ترامب، رغم دوره في اقتحام مبنى الكابيتول، وحظره على وسائل التواصل الاجتماعي. ولا يملك أي من الجمهوريين ممن لهم طموحات رئاسية الشجاعة بعدُ لإعلان رغبتهم خوض الانتخابات، وينتظرون موقف ترامب نفسه من خوض انتخابات 2024. وبالفعل عبر وزير الخارجية السابق مايك بومبيو، وحاكم ولاية فلوريدا رون دي سانتوس، وسفيرة أميركا السابقة لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي، ومايك بنس النائب السابق للرئيس ترامب، والسيناتور تيد كروز؛ عن نيتهم خوض الانتخابات إذا لم يترشح ترامب.

ولا ينافس أي جمهوري آخر ترامب في حجم شعبيته الطاغية بين أوساط الناخبين الجمهوريين. ورغم محاولات ترامب وفريقه استخدام القضاء لتغيير نتيجة انتخابات عام 2020، وفشل 62 قضية رفعها للتشكيك في مصداقية الانتخابات وأنه تم تزويرها؛ يؤمن 70% من الناخبين الجمهوريين بأن الانتخابات تم تزويرها لإلحاق الهزيمة بترامب.

وثالث وآخر العوامل الدافعة لعودة ترامب يتعلق بالتراجع الواسع في شعبية الرئيس بايدن، ووصول نسبة الرضا عن سياساته إلى ما دون 40%، وتعد هذه النسبة شديدة السوء لرئيس خلال عامه الأول في البيت الأبيض.

ولا يمتلك الحزب الديمقراطي أي مرشحين من العيار الثقيل، ومع ارتفاع عمر الرئيس بايدن الذي سيتخطى 80 عاما عند حلول الانتخابات القادمة، وعدم جاذبية نائبة الرئيس كامالا هاريس وتواريها عن الأنظار بصورة لافتة؛ سيشهد الديمقراطيون معركة تكسير عظام على بطاقة الحزب للانتخابات القادمة، ويستفيد منها بصورة غير مباشرة دونالد ترامب.

ويمثل ترامب شهادة ميلاد جديدة للحزب الجمهوري في مرحلة انتقالية، وسط تغيرات سكانية دراماتيكية تعرفها الولايات المتحدة. ولم تسفر هزيمة ترامب في انتخابات 2020 ومن ثم خروجه من البيت الأبيض عن اندثار التيار الفكري الذي عبر ترامب عنه وامتطاه خلال سنوات حكمه الأربع. ويدرك ترامب -وهو بارع في هذا- أهمية إثارة الجدل والحماس في ظل شعبوية يمينية متصاعدة حول العالم، ونجح كذلك ترامب وبشدة في تحصين نفسه ضد أي أخطاء أو سقطات؛ يقول ما يقول، ويخطئ ما يخطئ، وذلك كله من دون حساب.

وخلال سنوات أراد ترامب أن يحكم كملك يملك ولا يراجعه أحد، وليس بوصفه رئيسا وموظفا حكوميا محدد الصلاحيات بدستور وتقاليد راسخة. في بداية تأسيس الولايات المتحدة كان هناك خيار بين رئيس جمهورية وملك، واختار الآباء المؤسسون رئيسا للجمهورية.

ويشغل الرئيس في الولايات المتحدة منصبا حكوميا رفيعا يحصل عليه بالانتخاب الحر لمدة 4 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة. وتمنح الوظيفة الرئيس مهمات محددة مقابل مرتب يقدر بـ400 ألف دولار سنويا. ويعرف الرئيس أن سلطات منصبه مقيدة بدستور يقدسه الأميركيون كما يُقدس أصحاب ديانات سماوية كتبهم المقدسة.

إلا أن الرئيس السابق ترامب رئيس مختلف؛ فهو لم يقرأ الدستور ويبدو أنه لا يفهم طبيعة مواده.

ولم يكترث ترامب بتداعيات اقتحام أنصاره مبنى الكابيتول، ولا بالشرخ الذي أحدثه في ديمقراطية بلاده الراسخة. وتدعم ترامب أغلبية الجمهوريين، ورغبة ما لا يقل عن 70% منهم في رؤية ترامب مرشحا لعام 2024.

وخلال أسابيع، سيتم تفعيل تطبيق ضمن شبكة اجتماعية خاصة يطلقها ترامب للتغلب على استمرار حظر حساباته على مواقع تويتر وفيسبوك ويوتيوب منذ يناير/كانون الثاني 2020 بسبب تحريض أنصاره على اقتحام الكابيتول.، وسيكون ذلك أحد أهم الخطوات التي يتخذها ترامب لتأكيد هيمنته على الفضاء الجمهوري انتظارا لانتخابات 2024.